الأربعاء , 4 نوفمبر 2026

د. حَمَادَه السَّيِّد عَلِي يكتب .. سُودَانٌ يَسْتَعِيدُ عَافِيَتَهُ.. وَمَغْرِبٌ عَرَبِيٌّ عَلَى وَقْعِ الْأَزَمَاتِ


تَشْهَدُ المِنْطَقَةُ العَرَبِيَّةُ فِي هَذِهِ الأَيَّامِ حَرَاكًا اسْتِرَاتِيجِيًّا وَسِيَاسِيًّا بَالِغَ الأَهَمِّيَّةِ؛ إِذْ تَتَزَامَنُ الانْتِصَارَاتُ المَيْدَانِيَّةُ الكُبْرَى الَّتِي يُحَقِّقُهَا الجَيْشُ الوَطَنِيُّ السُّودَانِيُّ، مَعَ مَوْجَةٍ جَدِيدَةٍ مِنَ الاحْتِجَاجَاتِ الشَّعْبِيَّةِ فِي كُلٍّ مِنْ تُونِسَ وَلِيبْيَا، مَا يَفْتَحُ البَابَ أَمَامَ تَسَاؤُلَاتٍ عَمِيقَةٍ حَوْلَ مَسَارَاتِ الأَحْدَاثِ وَآفَاقِهَا المُسْتَقْبَلِيَّةِ.
أَوَّلًا: بُشْرَيَاتُ النَّصْرِ فِي السُّودَانِ الشَّقِيقِ..
تَتَوَالَى الْأَخْبَارُ الْمُبَشِّرَةُ مِنَ الْأَرَاضِي السُّودَانِيَّةِ؛ حَيْثُ يُسَجِّلُ الْجَيْشُ الْوَطَنِيُّ السُّودَانِيُّ انْتِصَارَاتٍ كَبِيرَةً وَمُبْهِرَةً عَلَى مِيلِيشِيَا الدَّعْمِ السَّرِيعِ، نَاجِحًا فِي تَصْفِيَةِ عَدَدٍ مِنْ كِبَارِ قَادَتِهَا، وَمُسْتَعِيدًا السَّيْطَرَةَ عَلَى مَرَافِقَ وَمَمَرَّاتٍ اسْتِرَاتِيجِيَّةٍ بَالِغَةِ الْأَهَمِّيَّةِ حَيْثُ أَعْلَنَتِ الْقِيَادَةُ الْعَامَّةُ لِلْقُوَّاتِ الْمُسَلَّحَةِ السُّودَانِيَّةِ اسْتِعَادَةَ السَّيْطَرَةِ التَّامَّةِ عَلَى مُدُنِ بَارَا، وَجَبْرَةَ الشَّيْخِ، وَأُمِّ سَيَّالَةَ فِي وِلَايَةِ شَمَالِ كُرْدُفَانَ، إِضَافَةً إِلَى مِنْطَقَتَيْ أُمِّ قِرْفَةَ وَجُرَيْجِخَ، بَعْدَ عَمَلِيَّاتٍ عَسْكَرِيَّةٍ نَوْعِيَّةٍ كَبَّدَتِ الْمِيلِيشِيَا خَسَائِرَ فَادِحَةً فِي الْأَرْوَاحِ وَالْعَتَادِ، وَأَجْبَرَتْهُمْ عَلَى الْفِرَارِ وَتَرْكِ أَسْلِحَتِهِمْ.
تَكْمُنُ أَهَمِّيَّةُ هَذِهِ الِانْتِصَارَاتِ فِي أَبْعَادِهَا اللُّوجِسْتِيَّةِ وَالْعَسْكَرِيَّةِ؛ فَمَدِينَةُ “بَارَا” تُعَدُّ ثَانِيَ كُبْرَى مُدُنِ شَمَالِ كُرْدُفَانَ، وَتَقَعُ فِي مُفْتَرَقِ طُرُقٍ يَرْبُطُ عَاصِمَةَ الْوِلَايَةِ (الْأَبْيَضَ) بِإِقْلِيمِ دَارْفُورَ.
بَيْنَمَا تُشَكِّلُ “جَبْرَةُ الشَّيْخِ وَأُمُّ سَيَّالَةَ” شَرَايِينَ الْحَرَكَةِ وَالْإِمْدَادِ بَيْنَ الْوِلَايَةِ وَالْعَاصِمَةِ الْخَرْطُومِ.
وَمِنْ خِلَالِ هَذَا التَّقَدُّمِ، أَعْلَنَ الْجَيْشُ إِحْكَامَ قَبْضَتِهِ عَلَى طَرِيقِ الصَّادِرَاتِ الِاسْتِرَاتِيجِيِّ بِالْكَامِلِ، الْمُمْتَدِّ مِنْ أُمِّ دُرْمَانَ حَتَّى الْأَبْيَضِ، وَهُوَ الشِّرْيَانُ الْبَرِّيُّ الْأَهَمُّ لِنَقْلِ الْإِمْدَادَاتِ وَتَنْشِيطِ حَرَكَةِ التِّجَارَةِ بَيْنَ وَسَطِ الْبِلَادِ وَغَرْبِهَا؛ مِمَّا يُمَثِّلُ مَكْسَبًا مَيْدَانِيًّا حَاسِمًا يُعَزِّزُ فُرَصَ تَطْهِيرِ كَامِلِ التُّرَابِ السُّودَانِيِّ مِنْ قُوَّاتِ الْمِيلِيشِيَا وَدَاعِمِيهَا.
ثَانِيًا: المَغْرِبُ العَرَبِيُّ.. أَزَمَاتُ الخَدَمَاتِ وَتَجَاذُبَاتُ السِّيَاسَةِ.
فِي الْمَقَاطِعِ الْمَغَارِبِيَّةِ، تَبْدُو الصُّورَةُ مُعَقَّدَةً مَعَ خُرُوجِ احْتِجَاجَاتٍ فِي كُلٍّ مِنْ تُونِسَ وَلِيبْيَا، يَدْفَعُهَا الْغَضَبُ مِنَ التَّرَدِّي الْمَعِيشِيِّ وَأَزَمَاتِ الطَّاقَةِ.
● المَشْهَدُ التُّونِسِيُّ:
شَهِدَتِ الْعَاصِمَةُ التُّونِسِيَّةُ وَعَدَدٌ مِنَ الْمُنَاطِقِ احْتِجَاجَاتٍ مَحْدُودَةً فِي (25 يُولْيُو)، دَعَتْ إِلَيْهَا حَرَكَاتٌ شَبَابِيَّةٌ وَمُنَظَّمَاتُ مُجْتَمَعٍ مَدَنِيٍّ مِثْلُ حَرَكَةِ “نَفَسْ” تَحْتَ شِعَارِ “يَكْفِي”.
وَقَدْ كَانَتِ الشَّرَارَةُ الْمُبَاشِرَةُ هِيَ الِانْقِطَاعَاتُ الْمُتَكَرِّرَةُ لِلْكَهْرَبَاءِ، الَّتِي اضْطُرَّتِ الشَّرِكَةُ الْوَطَنِيَّةُ لِتَطْبِيقِهَا بِنِظَامِ تَخْفِيفِ الْأَحْمَالِ لِفَتَرَاتٍ طَوِيلَةٍ جَرَّاءَ ارْتِفَاعِ دَرَجَاتِ الْحَرَارَةِ وَضَعْفِ الِاسْتِثْمَارِ فِي الْبِنْيَةِ التَّحْتِيَّةِ.
تَنْقَسِمُ الْآرَاءُ فِي الشَّارِعِ التُّونِسِيِّ حَوْلَ هَذِهِ الْحِرَاكِ إِلَى اتِّجَاهَيْنِ:

  • رَأْيُ المُعَارَضَةِ: يَحْمِلُ الرَّئِيسَ “قَيْسَ سُعَيِّدٍ” الْمَسْؤُولِيَّةَ الْمُبَاشِرَةَ عَنْ تَرَدِّي الْأَوْضَاعِ الِاقْتِصَادِيَّةِ، وَارْتِفَاعِ الْأَسْعَارِ، وَتَرَاجُعِ الِاحْتِيَاطِيِّ النَّقْدِيِّ، مُعْتَبِرِينَ أَنَّ تَجْمِيدَ الْبَرْلَمَانِ وَتَعْدِيلَ الدُّسْتُورِ أَدَّيَا إِلَى تَرْكِيزِ السُّلُطَاتِ وَتَرَاجُعِ الْمُؤَسَّسَاتِ.
  • رَأْيُ المُؤَيِّدِينَ: يَرَى أَنَّ الأَزْمَةَ الْحَالِيَّةَ هِيَ نَتِيجَةُ تَرَاكُمَاتٍ حَاكِمَةٍ وَدُيُونٍ مُتَرَاكِمَةٍ مُنْذُ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ، وَأَنَّ الرَّئِيسَ يَخُوضُ حَرْبًا ضِدَّ شَبَكَاتِ الْفَسَادِ، مُؤَكِّدِينَ أَنَّ بَعْضَ هَذِهِ التَّحَرُّكَاتِ الْمَيْدَانِيَّةِ تُسْتَغَلُّ فِي صِرَاعٍ سِيَاسِيٍّ مِنْ قِبَلِ خُصُومِ النِّظَامِ.
    ● المَشْهَدُ اللِّيبِيُّ:
    فِي لِيبْيَا، اتَّخَذَتِ الِاحْتِجَاجَاتُ المَطَالِبِيَّةُ المُرْتَبِطَةُ بِانْقِطَاعِ الكَهْرَبَاءِ وَسُوءِ الخَدَمَاتِ مَسَارًا أَكْثَرَ حِدَّةً، حَيْثُ قَامَ المُحْتَجُّونَ فِي المَنَاطِقِ الغَرْبِيَّةِ بِإِغْلَاقِ المَقَرَّاتِ الحُكُومِيَّةِ، وَالمُطَالَبَةِ بِإِسْقَاطِ حُكُومَةِ الوَحْدَةِ الوَطَنِيَّةِ بِرِئَاسَةِ “عَبْدِ الحَمِيدِ الدُّبَيْبَةِ”.
    تَطَوَّرَتِ الأَحْدَاثُ لِتَطَالَ شَرِكَةَ “مَلِيتَة” لِلنَّفْطِ وَالغَازِ — المَصْدَرَ الرَّئِيسِيَّ لِلصَّادِرَاتِ اللِّيبِيَّةِ نَحْوَ أُورُوبَّا — مِمَّا يُهَدِّدُ العَمُودَ الفِقْرِيَّ لِلِاقْتِصَادِ الوَطَنِيِّ.
    وَكَمَا هُوَ الحَالُ فِي تُونِسَ، يَنْقَسِمُ المَوْقِفُ اللِّيبِيُّ إِلَى قِرَاءَتَيْنِ:
  • القِرَاءَةُ الأُولَى: تَرَى فِي التَّحَرُّكِ الشَّعْبِيِّ رَدَّ فِعْلٍ طَبِيعِيًّا عَلَى سُوءِ الإِدَارَةِ وَفَشَلِ الْحُكُومَةِ فِي تَأْمِينِ الْخَدَمَاتِ الْأَسَاسِيَّةِ لِلْمُوَاطِنِينَ رَغْمَ الْوَفْرَةِ النَّفْطِيَّةِ. أُرِيدُهَا مَكْتُوبَةً بِالتَّشْكِيلِ الْكَامِلِ.
  • القِرَاءَةُ الثَّانِيَةُ: تُؤَكِّدُ أَنَّ الأَزْمَةَ اللِّيبِيَّةَ أَعْمَقُ مِنْ أَدَاءِ حُكُومَةٍ بِعَيْنِهَا، إِذْ تَعُودُ إِلَى انْقِسَامٍ سِيَاسِيٍّ وَمُؤَسَّسِيٍّ مُمْتَدٍّ مُنْذُ أَكْثَرَ مِنْ عَقْدٍ، حَيْثُ تُسْتَغَلُّ الأَزَمَاتُ المَعِيشِيَّةُ لِتَحْقِيقِ مَكَاسِبَ سِيَاسِيَّةٍ فِي صِرَاعِ السُلْطَةِ.
    وَخَاتِمَةُ الْقَوْلِ تَبْقَى الْحَقِيقَةُ الشَّاخِصَةُ أَنَّ غَضَبَ الشُّعُوبِ الْمَشْرُوعَ جَرَّاءَ تَرَدِّي الْخَدَمَاتِ وَصُعُوبَةِ الْمَعِيشَةِ قَدْ يَكُونُ عُرْضَةً لِلِاسْتِغْلَالِ مِنْ أَيْدٍ خَفِيَّةٍ تَسْعَى لِإِعَادَةِ الْمِنْطَقَةِ إِلَى مَرَبَّعِ الِاضْطِرَابِ وَالْفَوْضَى فَنَسْأَلُ اللَّهَ الْعَلِيَّ الْقَدِيرَ أَنْ يَحْفَظَ السُّودَانَ، وَتُونِسَ، وَلِيبْيَا، وَأَنْ يُجَنِّبَهَا شَرَّ الْفِتَنِ، وَيُعِيدَ إِلَيْهَا الْأَمْنَ وَالِاسْتِقْرَارَ فِي الْقَرِيبِ الْعَاجِلِ.

(الْكَاتِبُ وَالْبَاحِثُ الْمُتَخَصِّصُ فِي الشُّؤُونِ السِّيَاسِيَّةِ)

شاهد أيضاً

د. عادل عامر يكتب.. توحيد قواعد العمل على النطاق الدولي

نحو منظومة عالمية تحقق العدالة الاجتماعية وتحمي حقوق العمال في ظل العولمة أصبحت قضية توحيد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *