إنَّ من أخطر ما يمكن أن يهدد استقرار الأوطان ويُضعف تماسكها أن تتحول الحياة السياسية إلى ساحة لتبادل تهم الخيانة والتخوين، حتى يصبح الاختلاف في الرأي جريمة، وتغدو المعارضة مرادفًا للعمالة، ويصبح تأييد السلطة في نظر البعض خضوعًا وتزلفًا. فالأوطان لا تُبنى بهذه الثنائية المدمرة، بل تُبنى بالاعتراف بأن الوطن يتسع لجميع أبنائه، وأن الانتماء إليه لا تحتكره سلطة، ولا تصادره معارضة، لأن الوطن أكبر من الجميع، وأبقى من الجميع.
إن ما تشهده الساحات العربية عموما في الآونة الأخيرة من تبادل للاتهامات بين الخيانة والتخوين يفرض ضرورة العودة إلى منطق الدولة، لا إلى منطق الخصومة. فلا يحق لأي سلطة أن تُلصق تهمة الخيانة بكل من يعارض سياساتها أو ينتقد أداءها، لأن المعارضة الوطنية ليست خطرًا على الدولة، بل هي إحدى ضمانات بقائها قوية وقادرة على تصحيح أخطائها. فالديمقراطيات الراسخة لا تخشى الأصوات المخالفة، بل تعتبرها جزءًا من منظومة الرقابة والتوازن، ما دامت تمارس دورها في إطار الدستور والقانون، وتحترم مؤسسات الدولة وثوابتها.
وفي المقابل، لا يجوز أن تتحول المعارضة إلى أداة للاستقواء بالخارج أو إلى وسيلة لاستدعاء الضغوط الأجنبية من أجل تحقيق مكاسب سياسية داخلية، لأن من يقدّم مصالحه الخاصة على المصلحة الوطنية، أو يسعى إلى إضعاف مؤسسات الدولة وهدم المنظومات الوطنية والمجتمعية دون اكتراث بما تمثله من قيمة في الحفاظ على وحدة البلاد واستقرارها، لا يمكن أن يدّعي أنه يمارس معارضة مسؤولة. فالاختلاف السياسي مشروع، أما المساس بسيادة الاوطان ووحدتها فليس من قبيل الحريات السياسية، بل هو خروج عن مقتضيات المسؤولية الوطنية.
إن العرب اليوم ليسوا في حاجة إلى سلطة ترى في كل معارض خصمًا للوطن، ولا إلى معارضة ترى في كل قرار تتخذه الدولة مشروعًا للهدم والإفشال، وإنما تحتاج إلى سلطة وطنية تحترم حق الاختلاف، وتؤمن بأن النقد الصادق يسهم في تحسين الأداء وتصويب المسار، كما تحتاج إلى معارضة وطنية تدرك أن هيبة الدولة ليست ملكًا للحكومة، وإنما هي هيبة الوطن نفسه، وأن احترام المؤسسات المنتخبة لا يعني التخلي عن حق المحاسبة، بل يعني ممارسة هذا الحق في إطار من المسؤولية والالتزام بالمصلحة العامة.
فالعلاقة السليمة بين السلطة والمعارضة ليست علاقة صراع وجود، وإنما علاقة تكامل في خدمة الوطن. فالسلطة تُدير، والمعارضة تُراقب، وبينهما مساحة واسعة للحوار والتوافق حول القضايا الكبرى التي لا ينبغي أن تكون محل مزايدات سياسية. وعندما يتحول النقد إلى أداة للبناء، وتتحول السلطة إلى طرف يتقبل المراجعة، يصبح الاختلاف مصدرًا للإثراء لا سببًا للانقسام، وتغدو السياسة وسيلة للنهوض بالدولة لا لإضعافها.
إن الأوطان لا تُحفظ بالشعارات، ولا تُصان بتوزيع صكوك الوطنية، وإنما تُصان بإعلاء قيمة القانون، واحترام المؤسسات، وترسيخ ثقافة الحوار، والإيمان بأن الوطن ليس ملكًا لفئة دون أخرى. فكل من يعمل بإخلاص من أجل الوطن، سواء كان في موقع الحكم أو في صفوف المعارضة، شريك في مسؤولية بناء مستقبلها. أما من يجعل التخوين منهجًا، أو يستبدل لغة الحجة بلغة الاتهام، فإنه لا يوسع إلا دائرة الانقسام، ويبدد طاقات الوطن في معارك جانبية لا رابح فيها.
إن المرحلة الراهنة تستوجب خطابًا وطنيًا أكثر هدوءًا ونضجًا، يقوم على التمييز بين المعارضة الوطنية والمعارضة التي تتجاوز حدود المسؤولية، كما يميز بين السلطة التي تحمي الدولة والسلطة التي تضيق بالرأي المخالف. فالوطن لا يحتاج إلى غالب ومغلوب، بل يحتاج إلى إرادة سياسية مشتركة تؤمن بأن الاختلاف لا يُفسد الانتماء، وأن الوطنية لا تُقاس بحدة الخطاب، وإنما بصدق العمل والإخلاص . فالوطن للجميع، وسيظل للجميع، ولن يكون قويًا إلا بجميع أبنائه.










