سيد الرشيدي يكتب.. المِحنةُ



أحيانًا تكون المحنةُ هي الإبداع للشعراء والأدباء؛ لأن الأديب يتأثَّر بما يحدث.
ويتأثَّر بكلِّ خاطرةٍ، وبما حوله من مِحَنٍ، بل تخلق منه مبدعًا، وربما يتفوَّق على المحنة بالإبداع وتحقيق الآمال في عالَم الحياة.
ولا يجلب الأديبُ أو الشَّاعرُ أو أيُّ شخص المحنةَ لنفسه ليبدع، بل هي تأتيه رغم أنفه، ولكنها إذا أتت تغلَّب عليها بالجوِّ الإبداعيِّ، وخرجت من قلبه وقلمه على الورق لتُسعِدَ الآخرين.
ومَن صبر على المحنة، ورضي بتدبير اللهِ سبحانه، كشف له عن منفعتها حتى يقف على المستور عنه من مصلحتها لنفسه وللبشرية.
قال جوزيه دي سوزا ساراماغو -وهو روائيٌّ بُرتغاليٌّ حاصل على جائز نوبل عام 1998م: حتى في أسوأ المحن قد تجد خيرًا كافيًا يُمكِّنك من احتمال المحنة.
وقال مصطفى أمين الصحفى المعروف مؤسِّس أخبار اليوم: كل محنةٍ مرَّت بي ملأَت كأسِيَ الفارغةَ بالصَّبر والإيمان.
والمحنة ربما تكون إعاقة، وفي عالم الأدب أسماء ساطعة خلَّدها التاريخُ، وليس عشرات، بل مئات مثل الأديب المصري طه حسين الذي أثبت لنا أن لا حياةَ مع اليأس ولا يأس مع الحياةِ، وأثبت لنا أن طُموحَ الإنسان وإرادته هما اللَّذان يدفعانه إلى أعالي المجد والجدِّ الاجتهاد.

فاستحقَّ بكلِّ جدارة أن تتداول ألسنةُ النَّاس قصَّتَه، وأن يخلد على صفحات التاريخ العظيم.
وهو أديب وناقد ومفكِّر مصريٌّ، ولد عام 1889م، وتوفِّي عام 1973، أُصيب بالعمى في الرابعة من عمره، لُقِّب بعميد الأدب العربي.
حصل على الدكتوراه في الآداب من فرنسا، أسَّس جامعة الإسكندرية وصار مديرًا لها، ثم أصبح وزيرًا للمعارف، وأسَّس جامعة عين شمس في القاهرة، له مؤلَّفات كثيرة ومقالات ومحاضرات وقصص.
أحدث طه حسين ثورةً نقديَّةً وأدبية واسعة؛ فحصل على شهادة الدكتوراه وهو معاق، تقلَّد مناصب عليا، وأصبح ناقدًا وكاتبًا ومؤلفًا، ونال شهرة واسعة؛ فلم يستطع اللحاق به سليمٌ ولا معاقٌ، وهذا مثال من الأمثلة العديدة.
كذلك من العظماء الذين تحدَّوا المحنةَ، وخلقت منهم مبدعين واحدٌ من مُبدعي الموسوعة العربية في الأدب والشعر والفكر هو أبو العلاء المعري.
هو شاعر عباسي أُصيب بالعمى وهو في الرَّابعة من عمره.
كان فيلسوفًا ومفكِّرًا وشاعرًا، له كتاب اللُّزوميَّات في الفلسفة، ورسالة الغفران.
وهو القائل:
أَبَكَتْ تِلكُم الحَمامةُ أم *** غَنَّتْ على فرعِها الميَّادِ
ولا يخفى على مُثقَّف مدى التأثير الكبير الذي أحدثه المعري في تطوير الحركة الشعرية والأدبية.
تُوفِّي (رهينُ المحبسَين) سنة 441هــ.
ولا ننسى أديبنا وعملاقَ النَّثر صاحب وحي القلم الذي تأثَّرتُ به كثيرًا؛ فهو مُبدع، وصاحب قلم جذاب، لقد مرَّ بمحنة الإعاقة؛ فتغلب عليها، وصنع له اسمًا بين العظماء خلَّده التاريخ في عالم الأدب.
هو الأديب مصطفى صادق الرافعي.
أديب مصري مشهور أصيب بالصَّمم في الثلاثين من عمره، ولم تقف إعاقته حاجزًا في وجهه؛ فقد حقق شهرة أدبية واسعة.
له كتاب المعركة تحت راية القرآن، وكتاب المساكين، وكتاب السحاب الأحمر، ووحي القلم، وأوراق الورد، والكثير من المقالات الأدبية.
ويعدُّ الرافعي من الأدباء المعروفين في العالم العربي.
تُوفِّي الرافعي سنة 1937م.
وهناك العديد من هؤلاء الذين مرُّوا بمحن، ولكنهم تخطَّوا عقبات المِحن للشهرة، وخلد التاريخُ أسماءهم في عالَم الأدب والشعر، لذلك المحنة تخلق من المُبدع مبدعًا إذا تغلَّب عليها، بل تبلغه للآفاق وتأخذه لعالَم رحب، أما إذا عاشها يائسًا منطويًا، وتغلَّبَت عليه دمَّرَته ودمَّرَت إبداعَه.

شاهد أيضاً

د. فتحي الشرقاوي يكتب.. هل صديق عدوي عدوي

هل حدث معك ان اقرب شخص لك ، أحببته واعتبرته قريبًا منك وسندًا لك وكنت …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *