لم تكن الصحافة الحرة يوما ترفا سياسيا أو رفاهية ثقافية بل كانت دائما صمام أمان للمجتمعات ومرأة تعكس نبض الشارع وجسرا يربط بين المواطن وصانع القرار فالدول القوية لا تخشى الكلمة الصادقة بل تعتبرها وسيلة لاكتشاف الأخطاء قبل ان تتحول الى أزمات .
فى الماضى كانت الصحافة نؤدى دورها الحقيقى فى تشكيل الرأى العام وكانت ارقام توزيع الصحف مؤشرا صادفا لاتجاهات الشارع المصرى وكانت الصحف المستقلة والمعارضة تنافس الصحف الحكومية بقوة ليس لانها تمتلك امكانات أكبر بل لأنها كانت أكثر قربا من الناس تنقل معاناتهم وتناقش قضاياهم وتفتح صفحاتها للرأى والرأى الاخر وكانت المنافسة الحقيقية تدور حول المصداقية والثقة لا حول الدعاية أو الترويج .
إن وظيفة الصحافة لا تقتصر على نقل الاخبار, فالأخبار اصبحت تصل الى الجميع فى لحظات .أما القيمة الحقيقية للصحافة فهى فى التحليل وكشف الحقائق وطرح الأسئلة ومراقبة الاداء العام وإتاحة مساحة للنقاش المسؤول وعندما تغيب هذه الادوار تتحول الصحيفة الى مجرد أوراق تحمل معلومات بلا روح فينصرف عنها القارىء باحثا عن بدائل مهما كانت أقل مهنية أو اكثر عرضة للشائعات .
ولعل أخطر مايترتب على تراجع الصحافة المهنية هو اتساع مساحة الاعلام غير المنضبط حيث تنتشر الاخبار الكاذبة والشائعات ويصبح الرأى العام اسيرا لمنصات لا تخضع لمعايير المهنة ولا لأخلاقياتها وعندها تخسر الدولة كما يخسر المجتمع لأن غياب الإعلام المسؤول يفتح الباب أمام اعلام غير مسؤول.
ان الدولة الواثقة من نفسها لا تخشى النقد الموضوعى لان النقد ليس عداء بل هو أحد ادوات الاصلاح والصحافة التى تكشف الخلل وتناقش المشكلات فى اطار القانون والمهنية ولا تهدد الاستقرار وإنما تحميه , لانها تمنح المسؤول فرصة لمعالجة الأزمات قبل ان تستفحل وتمنح المواطن شعورا بأن صوته مسموع .
لقد اثبتت تجارب الأمم ان المجتمعات التى تحترم حرية الصحافة وتحمى استقلالها وتفتح المجال للرأى المسؤول تكون أكثر قدرة على مواجهة الأزمات وأكثر تماسكا وثقة بين الحاكم والمحكوم .أما المجتمعات التى تضيق فيها مساحات الحوار , فإنها تخاطر بإن تنتقل القضايا من صفحات الصحف الى ساحات الاحتقان .
ان الصحافة الحرة ليست خصما للدولة بل هى أحد اعمدة الدولة الحديثة والكلمة الصادقة ليست خطرا على الوطن بل هى انذار مبكر يحميه وبوصلة ترشده وجسر يعزز الثقة بين الشعب ومؤسسات الدولة فالوطن الذى يحترم الكلمة الصادقة يمتلك فرصة اكبر لتصحيح مساره أما الوطن الذى يغيب فيه الحوار فإنه يترك المجال للأصوات المتطرفة والشائعات لتحتل المشهد .
كاتب وباحث اقتصادى ومحام بالإستئناف العالى ومجلس الدولة









