إِنَّ الْخُطُورَةَ الْجَسِيمَةَ فِي قَضِيَّةِ «الْقَاضِي الْمُزَيَّفِ» لَا تَتَوَقَّفُ عِنْدَ أَبْعَادِ التَّزْوِيرِ، وَانْتِحَالِ الصِّفَاتِ، وَجَرَائِمِ النَّصْبِ الَّتِي اقْتَرَفَهَا؛ فَتِلْكَ جَرَائِمُ تَتَوَلَّى النُّصُوصُ الْقَانُونِيَّةُ زَجْرَهَا وَمُحَاسَبَةَ مُرْتَكِبِيهَا، وَإِنَّمَا تَكْمُنُ الْمَأْسَاةُ الْحَقِيقِيَّةُ فِي كَشْفِهَا عَنْ سَوْءَةِ الْوَعْيِ الْجَمْعِيِّ، وَانْقِيَادِ قِطَاعٍ وَاسِعٍ مِنَ الْجَمَاهِيرِ نَحْوَ مَنْحِ سُلْطَةِ الِائْتِمَانِ لِمَنْ يَبْرُعُ فِي «تَزْيِيفِ الْمَظَاهِرِ»، لَا لِمَنْ يَسْعَى فِي طَلَبِ الْحَقِيقَةِ وَيَقِفُ عِنْدَ تُخُومِ الصِّدْقِ.
وَمَا كَانَتْ هَذِهِ الظَّاهِرَةُ المَقِيتَةُ وَلِيدَةَ صُدْفَةٍ عَابِرَةٍ أَوْ نَبْتَةً فِي فَرَاغٍ، بَلْ هِيَ الْحَصَادُ المُرُّ لِعُقُودٍ خَوَالٍ مِنْ تَرَدِّي المَنْظُومَةِ التَّعْلِيمِيَّةِ؛ حِينَ أُفْرِغَ التَّعْلِيمُ مِنْ جَوْهَرِهِ وَاخْتُزِلَ فِي التَّلْقِينِ وَالْحِفْظِ الآلِيِّ، بَدَلاً مِنْ أَنْ يَكُونَ صَقْلاً لِلْمَلَكَاتِ، وَتَدْرِيباً عَلَى التَّفْكِيرِ، وَصِيَانَةً لِلْعَقْلِ النَّقْدِيِّ، وَتَأْسِيساً لِثَقَافَةٍ تُعْلِي مِنْ شَأْنِ التَّسَاؤُلِ وَالتَّمْحِيصِ.
وَنَتِيجَةً لِهَذَا التَّجْرِيفِ الْفِكْرِيِّ، بَاتَ مِنْ السَّهْلِ أَنْ يَسْتَلِبَ الْمَرْءُ سُلْطَةً لَا يَسْتَحِقُّهَا، وَيَنْتَزِعَ مَهَابَةً لَيْسَتْ لَهُ؛ لِمُجَرَّدِ أَنَّهُ أَتْقَنَ فَنَّ الِادِّعَاءِ وَاحْتَرَفَ صِنَاعَةَ الزَّيْفِ.
فَقَدْ يَرْتَدِي أَحَدُهُمْ مَسْحَةً مِنَ التَّدَيُّنِ فَيُصْبِحُ مَرْجِعِيَّةً يُدَانُ لَهَا، وَقَدْ يَرْتَقِي جَاهِلٌ الْمَنَابِرَ وَالشَّاشَاتِ لِيَلْكُنَ كَلَامًا مُنَمَّقًا خَاوِيًا إِلَّا مِنْ صَدَاهُ، فَيُصْنَعَ مِنْهُ بَيْنَ لَيْلَةٍ وَضُحَاهَا رَمْزًا إِعْلَامِيًّا! كَمَا نَرَى شَرَاذِمَ مِنْ مَشَاهِيرِ «الْعَالَمِ الِافْتِرَاضِيِّ» يُحَقِّقُونَ شُهْرَةً طَاغِيَةً مِنَ الْفَرَاغِ، وَيُوَجِّهُونَ الْوَعْيَ الْجَمْعِيَّ رَغْمَ عُرْيِهِمْ مِنَ الْعِلْمِ، وَخُلُوِّهِمْ مِنَ الْخِبْرَةِ، وَتَنَصُّلِهِمْ مِنْ أَدْنَى دَرَجَاتِ الْمَسْؤُولِيَّةِ.
إِنَّ صِيَانَةَ الْمُجْتَمَعِ لَا تَتَأَتَّى فَحَسْبُ بِتَغْلِيظِ الْعُقُوبَاتِ الزَّاجِرَةِ عَلَى الْمُحْتَالِينَ، بَلْ تَبْدَأُ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ بِتَشْيِيدِ إِنْسَانٍ يَمْتَلِكُ عَقْلًا نَقْدِيًّا ثَاقِبًا، يُمَيِّزُ بِهِ بَيْنَ الْجَوْهَرِ وَالزَّيْفِ، وَيُفَرِّقُ بَيْنَ الْمَعْرِفَةِ الرَّصِينَةِ وَالِاسْتِعْرَاضِ الْجَوْفَاءِ؛ إِنْسَانٍ يُمَحِّصُ قَبْلَ أَنْ يُصَدِّقَ، وَيَسْتَبْرِئُ لِلْحَقِيقَةِ قَبْلَ أَنْ يَهَبَ ثِقَتَهُ.
فَالْمُحْتَالُ لَا يَسْتَبِدُّ بِالنَّجَاحِ بِدَهَائِهِ الْمُجَرَّدِ، بَلْ يَبْلُغُ مَآرِبَهُ حِينَ يُصَادِفُ مُجْتَمَعًا اسْتَكَانَ لِلِانْبِهَارِ بِالْقُشُورِ، وَسَلَا عَنْ إِجْلَالِ الْحَقَائِقِ وَتَوْقِيرِ الْجَوَاهِرِ.
وَمِنْ ثَمَّ، فَإِنَّ أَعْظَمَ مَعَارِكِ الْإِصْلَاحِ وَأَكْثَرَهَا جَسَامَةً لَا تَكُونُ فِي مُتَابَعَةِ الْمُمَثِّلِينَ وَمُطَارَدَةِ الْمُحْتَالِينَ بَعْدَ اقْتِرَافِ الْجَرِيمَةِ، وَإِنَّمَا تَكْمُنُ فِي تَشْيِيدِ عَقْلٍ بَشَرِيٍّ مَنِيعٍ، وَصِيَانَةِ وَعْيٍ حَصِينٍ يَجْعَلُ خِدَاعَهُ أَمْرًا مُسْتَحِيلًا مِنَ الْأَسَاسِ.
(الْكَاتِبُ وَالْبَاحِثُ الْمُتَخَصِّصُ فِي الشُّؤُونِ السِّيَاسِيَّةِ)










