صحيفة الغارديان البريطانية كتبت في تقرير لها أن استراتيجية ترامب في التعامل مع الأزمات، والتي تُعرف بـ”استراتيجية العقارات”، لم تعد تجدي نفعًا، لأنه واجه هذه المرة عقبة صعبة وهي الجمهورية الإسلامية الإيرانية؛ أنه تعلم من أستاذه القديم، المحامي الشهير في نيويورك روي كوهين، درس ادعاء النصر دائمًا وعدم الاعتراف بالهزيمة؛ لكن هذه المرة، واجه ترامب طرفًا لا يقل صلابةً وعنادًا؛ بعبارة أخرى، لم تعد استراتيجية ترامب المعتادة فعّالة في هذه المواجهة، لأن الطرف الآخر لا يرغب في أن يكون الخاسر؛ فتحت عنوان “المبادرة في يد إيران، لا ترامب” كتبت الغارديان أنه على الرغم من مزاعم ترامب المتكررة ببدء محادثات جديدة مع طهران، فإن إيران هي التي تملك زمام المبادرة فعليًا؛ فمن خلال إطلاق صواريخ باليستية على قواعد أمريكية في المنطقة، والحفاظ على سيطرتها على مضيق هرمز، أظهرت طهران قدرتها على إشعال فتيل الصراع في أي وقت؛ يحدث هذا في وقتٍ ينفد فيه الوقت أمام ترامب، بسبب أزمة الطاقة العالمية الوشيكة، وبسبب انتخابات التجديد النصفي التي قد تكون مكلفة للغاية بالنسبة له وللحزب الجمهوري.
ادعاءات ترامب والضغط الانتخابي والرأي العام
فبمجرد أن أعلن ترامب عن مساعيه الجديدة للتوصل إلى اتفاق سلام، نفت إيران هذا الادعاء، مما أثار غضب ترامب مجددًا؛ على حسابه في وسائل التواصل الاجتماعي، “تروث سوشيال”، وصف إيران بأنها “محتالة”، وزعم أن إيران توسلت لعقد اجتماع وأن المفاوضات قد بدأت بالفعل؛ كما حذر من أنه لن يتم تسريب أي معلومات من إيران إلا إذا أرادت هي ذلك، وشدد على ضرورة التوصل إلى اتفاق أو “الاستسلام الكامل”؛ إن ترامب ادعى مرارًا منذ بداية الحرب أن اتفاقًا مع إيران بات وشيكًا، وأن ادعاءه الأخير بأن المحادثات الجديدة قد تُفضي إلى اتفاق سلام في غضون أيام، هو في المقام الأول دليل على يأس إدارته لإعادة فتح مضيق هرمز وإيجاد مخرج من الأزمة؛ بعد تهديده بضرب إيران “بقوة شديدة”، تراجع ترامب فجأة يوم الأحد، مدعيًا أن المحادثات جارية وأنه تم التوصل إلى “إطار عمل للاتفاق” لإعادة فتح مضيق هرمز و”نزع السلاح النووي من إيران”.
الوضع لم يتغير كثيرًا منذ الجولة الأخيرة من المحادثات؛ لا تزال إيران قادرة على إغلاق مضيق هرمز وتعطيل الملاحة، بما في ذلك نحو خُمس إمدادات النفط العالمية؛ كما أن الولايات المتحدة لا تزال قادرة على توجيه ضربات قوية لإيران، على الرغم من افتقارها إلى الذخائر الرئيسية التي قد تكون ضرورية لمواجهة منافسين أكبر مثل الصين؛ إلا أن الولايات المتحدة تفتقر إلى أي أهداف ملموسة قد تجبر إيران على تغيير سياستها؛ إدارة ترامب أشارت إلى رغبتها في إنهاء الصراع منذ أبريل، ومنذ ذلك الحين تم التوصل إلى ثلاث اتفاقيات لوقف إطلاق النار، انهارت جميعها؛ مع اقتراب موعد انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي، التي يُتوقع أن يخسر فيها الجمهوريون السيطرة على مجلس النواب، وربما حتى مجلس الشيوخ، بعد أقل من ثلاثة أشهر.
القدرات الاستراتيجية وحدود المشاركة
وحذر أكبر جنرال أمريكي في أوروبا وزارة الدفاع الأمريكية سرًا هذا الأسبوع من أنه لا يمتلك قوات بحرية كافية لمواصلة حماية إسرائيل من الصواريخ الباليستية القادمة في شرق المتوسط، في مؤشر على القيود التي فرضتها الحرب المستمرة مع إيران على الجيش الأمريكي؛ وأرسل الجنرال أليكسوس غرينكويتش، قائد القيادة الأمريكية في أوروبا، إخطارًا مكتوبًا إلى كبار مسؤولي البنتاغون، قال فيه إنه من دون مدمرة إضافية تابعة للبحرية، سيضطر إلى إعطاء الأولوية للدفاع عن “الأراضي” الأمريكية على حساب الدفاع عن إسرائيل؛ وقال مسؤول دفاعي أمريكي إن إخطار غرينكويتش يبدو متسقًا مع رسائل سابقة وجهها كبار القادة العسكريين إلى البنتاغون عندما يلاحظون مخاطر معينة تستوجب نظر واشنطن فيها، وأن ذلك يمكن أن يحدث عندما يتنافس القادة على موارد وأسلحة محدودة؛ ورفض البنتاغون التعليق.
ويأتي تحذير الجنرال في لحظة هشة من الصراع المستمر منذ خمسة أشهر، بعدما استؤنفت الهجمات بصورة شبه يومية في أعقاب انهيار محادثات السلام بين واشنطن وطهران، فيما أدى تصاعد شدة العمليات إلى استنزاف مخزونات الولايات المتحدة من الأسلحة الدفاعية الأساسية؛ وقد تعرضت البحرية الأمريكية لضغوط خاصة، بعدما أمرت إدارة ترامب بفرض حصار على الموانئ الإيرانية ردًا على إغلاق طهران مضيق هرمز؛ وأدى هذا المأزق إلى تعطيل حركة النفط والسلع الأخرى القادمة من الشرق الأوسط عبر الممر المائي الضيق، وأحدث اضطرابًا في الاقتصاد العالمي.
دور المدمرات في حماية إسرائيل
استُخدمت المدمرات البحرية الأمريكية المنتشرة في شرق البحر المتوسط على مدى سنوات ضمن منظومة الدفاع عن إسرائيل؛ وتتمتع هذه السفن برادارات قوية، وتحمل مجموعة متنوعة من الصواريخ، وقد أسقطت صواريخ كانت تستهدف إسرائيل، أطلقتها ليس فقط إيران، بل أيضًا جماعة الحوثيين في اليمن التي تسلحها طهران؛ وتؤدي القيادة الأمريكية في أوروبا دورًا أساسيًا في هذه المهمة، إذ تنسق العمليات العسكرية في البحر المتوسط؛ وفي الوقت نفسه، يتعين على قواتها أن تظل مستعدة لأي توغل روسي محتمل في أراضٍ تحميها منظمة حلف شمال الأطلسي؛ كما تشكل روسيا تهديدًا صاروخيًا باليستيًا للولايات المتحدة، إذ تمتلك صواريخ قادرة على بلوغ الأراضي الأمريكية؛ كما اننا لاحظنا أن صحيفة واشنطن بوست الأمريكية امتنعت عن نشر تفاصيل محددة بشأن مدى جاهزية السفن، استجابة لطلب مسؤولين عسكريين أشاروا إلى مخاوف أمنية.
وكما ذكرت الصحيفة في مايو، أظهرت تقييمات أجراها البنتاغون في مرحلة سابقة من الحرب أن القوات الأمريكية تحملت العبء الأكبر في الدفاع عن إسرائيل من الصواريخ الباليستية الإيرانية؛ وخلصت التقييمات إلى أن الأسلحة الأمريكية، بما فيها منظومة الدفاع الصاروخي للارتفاعات العالية “ثاد”، والصواريخ الاعتراضية البحرية التي أطلقت من شرق البحر المتوسط، استُخدمت بوتيرة تفوق كثيرًا استخدام أسلحة الدفاع الجوي الإسرائيلية؛ وقال مسؤول أمريكي إن مدمرتين، هما يو إس إس بول إغناتيوس ويو إس إس روزفلت، كانتا موجودتين في البحر المتوسط يوم الجمعة؛ وكانت ثلاث مدمرات أخرى في روتا، وهي: يو إس إس أرلي بيرك؛ يو إس إس بالكلي؛ يو إس إس أوسكار أوستن؛ وفي منطقة أقرب إلى إيران، كان أسطول إضافي من السفن موجودًا في بحر العرب، يضم حاملتي الطائرات: يو إس إس جورج إتش دبليو بوش؛ يو إس إس أبراهام لينكولن؛ كما ضم الأسطول ما لا يقل عن 15 سفينة حربية أخرى، بينها 11 مدمرة.
البحر الأحمر والحوثيون .. الحرب تفقد شعبيتها
وكان لهذا الأسطول دور أساسي في الحصار الذي فرضته إدارة ترامب على الموانئ الإيرانية؛ كما شارك في جهود أطلق عليها اسم “مشروع الحرية”، ساعد فيها الجيش الأمريكي على حماية السفن في مضيق هرمز المتنازع عليه؛ توجد مدمرة أخرى، هي يو إس إس غونزاليس، في البحر الأحمر، حيث حاول الحوثيون في اليمن فرض حصارهم الخاص على حركة الملاحة التجارية، بهدف زيادة الضغط الاقتصادي على الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة؛ وسعت السعودية، وهي شريك رئيسي للولايات المتحدة، إلى التصدي للحوثيين، خصمها القديم، من خلال تشكيل تحالف عسكري يضمن حرية الملاحة.
تزداد الحرب مع إيران رفضًا لدى الرأي العام الأمريكي؛ كما تصاعد إحباط أعضاء الكونغرس من الحزبين من الإدارة، في ظل عجز كبار المسؤولين عن توضيح خطة لإنهاء الصراع بشروط تعتبرها الولايات المتحدة مواتية لها؛ ويتزايد القلق لدى كثير من الجمهوريين، على وجه الخصوص، من أن تؤدي آثار الحرب في أسعار البنزين والغذاء والسلع الأخرى إلى خسارة الحزب في انتخابات التجديد النصفي المقررة في نوفمبر؛ وقال توم كاراكـو، مدير مشروع الدفاع الصاروخي في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، إن التحذير الذي وجهه غرينكويتش يبرز حجم التحديات التي تواجه البنتاغون؛ وأضاف: ” إن العمل في ظروف حرب سيترك أثرًا في مستوى الجاهزية ومخزونات الذخائر.
تراجع ترامب والتهديد الوجودي
أعربت المؤسسة العسكرية الإسرائيلية عن قلقها من تراجع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن توجيه ضربة لإيران، طبقاً لمعاريف الإسرائيلية، معتبرة أن أي انسحاب أمريكي قد يترك إسرائيل أمام “تهديد وجودي حقيقي”؛ وأكدت مصادر عسكرية أن الجيش الإسرائيلي لا يزال في حالة تأهب مرتفعة دفاعًا وهجومًا، مع استعداد سلاح الجو للرد بقوة على أي هجوم إيراني، مشيرة إلى أن هذا المستوى من الجاهزية مستمر منذ ثلاثة أشهر.
ورأت المصادر الصهيونية أن إيران لا تزال تحتفظ بقدراتها، محذرة من أن إنهاء المواجهة دون تفكيك برنامجها النووي أو الحد من قدراتها الصاروخية وسيطرتها على مضيق هرمز سيمنحها فرصة لإعادة بناء قوتها، ما يشكل خطرا مباشراً على إسرائيل؛ وفي المقابل، ترجح التقديرات الإسرائيلية أن يكون الموقف الإيراني جزءًا من مناورة لكسب الوقت خلال المفاوضات، لذلك لم تُخفّض إسرائيل مستوى التأهب؛ وكان ترامب أعلن إلغاء هجوم كان مقررًا على إيران، بعد حديثه عن التوصل إلى خطوط إرشادية لاتفاق جديد يشمل فتح مضيق هرمز وإزالة التهديد النووي الإيراني، مؤكداً أن قراره مشروط بسرعة التوصل إلى اتفاق نهائي، وأن إسرائيل وافقت أيضًا على تأجيل أي عمل عسكري في هذه المرحلة.
إيران ومحاصرة خيارات ترامب
يرى تقرير لمجلة “بوليتيكو” الأمريكية أن الرئيس ترامب يواجه خيارات محدودة في التعامل مع أزمة مضيق هرمز، بعدما ربطت إيران إنهاء المواجهة بالحصول على نفوذ فعلي في المضيق، وهو ما تعتبره واشنطن تنازلًا سياسيًا واستراتيجيًا يصعب قبوله؛ إلى أن ترامب يوازن بين التهديد بالتصعيد العسكري والسعي إلى اتفاق دبلوماسي، في وقت لم تؤكد فيه طهران وجود تفاهم مع الولايات المتحدة بشأن فتح المضيق أو التخلي عن مطالبها.
ونقل التقرير عن مسؤولين سابقين أن البيت الأبيض يرفض أي تسوية تمنح إيران سيطرة أو حق فرض رسوم على الملاحة، محذرين من أن ذلك سيضعف العقوبات الأمريكية ويخلق سابقة قد تستغلها دول أخرى في ممرات مائية استراتيجية؛ وأضاف أن استمرار المواجهة يضع ترامب أمام معضلة سياسية واقتصادية، مع ارتفاع أسعار الوقود واقتراب انتخابات التجديد النصفي، بينما تتزايد المخاوف من اتساع الحرب واستمرار الهجمات على القواعد الأمريكية وحلفاء واشنطن في المنطقة؛ وبحسب التقرير، تنحصر الخيارات أمام الإدارة الأمريكية بين قبول مكاسب إيرانية في مضيق هرمز، أو تصعيد العمليات العسكرية، أو مواصلة الضغوط الاقتصادية وتبادل الضربات المحدودة، مع استمرار الرهان على حل تفاوضي رغم تعثر المحادثات.
الكاتب الصحفي والباحث في العلاقات السياسية الدولية










