تتبنى إيران، بحسب مسؤولين خليجيين ومحللين تحدثوا إلى وكالة رويترز البريطانية للأنباء، استراتيجية تقوم على إطالة أمد الصراع ورفع تكلفته تدريجيًا بدل السعي إلى انتصار عسكري حاسم؛ طبقا لوجهة نظرهم، والهدف ليس هزيمة الولايات المتحدة عسكريًا، وإنما دفعها إلى الاقتناع بأن احتواء الأزمة أصبح أكثر كلفة من تقديم تنازلات، خصوصًا فيما يتعلق بمضيق هرمز؛ أولًا: استراتيجية الاستنزاف التصاعدي، ترى المصادر أن طهران تعتمد سياسة التصعيد المحسوب، أي رفع مستوى الضغط تدريجيًا دون الوصول إلى حرب شاملة؛ الفكرة الأساسية هي: خلق أزمة جديدة كل أسبوع تقريبًا؛ توسيع ساحات المواجهة باستمرار؛ إبقاء واشنطن أمام معضلات متراكمة يصعب إدارتها؛ طبقا لوجهة نظر المسؤولين الخليجيين أيضاً.
حرب إيران، إطالة الصراع وتقديم التنازلات
ويقول مايكل نايتس من معهد واشنطن لرويترز: “منذ البداية، حاولت إيران أن تتفوق في لعبة التصعيد عبر الاحتفاظ دائمًا بورقة جديدة وهي جغرافيا جديدة، وسلاح جديد، وهدف جديد”؛ ويضيف: “الميزة الحقيقية لإيران ليست قدرتها على إيذاء أمريكا أو إسرائيل، بل قدرتها على إيذاء دول المنطقة والاقتصاد العالمي”؛ ثانيًا: من هرمز إلى البحر الأحمر بعد أن أثبتت قدرتها على تعطيل الملاحة في مضيق هرمز، بدأت إيران، بحسب التقرير، توسيع دائرة التهديد؛ لم يعد التركيز مقتصرًا على مضيق هرمز؛ بل امتد إلى البحر الأحمر؛ باب المندب؛ البنية التحتية النفطية السعودية؛ خطوط التجارة البحرية؛ والرسالة الإيرانية واضحة، إذا لم يُقبل بالدور الإيراني في هرمز، فلن يبقى أي ممر بحري آمن؛ ثالثًا: الرهان على حسابات ترامب السياسية؛ يرى مسؤول خليجي أن قادة الحرس الثوري يعتقدون أنهم يستطيعون انتزاع مكاسب إضافية لأنهم يعتبرون أن الرئيس ترامب، لا يريد حربًا طويلة؛ لا يريد أزمة اقتصادية قبل انتخابات التجديد النصفي؛ يخشى ارتفاع أسعار النفط والبنزين.
وقال المصدر: “الإيرانيون يعتقدون أن توسيع الحرب وزيادة الضغط سيدفع ترامب في النهاية إلى التراجع”؛ رابعًا: لماذا تشددت طهران؟، بحسب مصدر إيراني رفيع نقلت عنه رويترز، إن القيادة الإيرانية خرجت باستنتاج مهم أنه كلما أبدت مرونة في السابق، ازدادت الضغوط الأمريكية؛ لذلك أصبح الاعتقاد السائد في طهران: يجب امتلاك أوراق ضغط أولًا، ثم التفاوض؛ وترى القيادة الإيرانية أن ترامب: يفسر أي تنازل على أنه ضعف؛ خامسًا: جوهر الخلاف هو مضيق هرمز؛ وقد كتبنا في مقال سابق؛ أن سلطنة عمان قدمت اقتراحًا مدعومًا خليجيًا لإدارة المضيق؛ لكن الخلاف الحقيقي يتمثل في أن إيران تريد دورًا إداريًا رسميًا في المضيق؛ مثل سلطة تنظيم المرور؛ فرض رسوم على السفن؛ والولايات المتحدة تريد إبقاء المضيق ممرًا دوليًا؛ عدم دفع أي رسوم لإيران؛ رفض الاعتراف بأي سيادة إيرانية على الملاحة؛ وهذا هو لب الأزمة الحالية؛ سادسًا: هل بدأت إيران تحقق هدفها؟، تشير الدلالات إلى أن هناك نتيجة بدأت تظهر بالفعل؛ بدل أن ينصب الاهتمام الدولي على معاقبة إيران، من وجهة نظر خليجية عربية وإسرائيلية؛ أصبح التركيز على حماية السفن؛ حماية البنية التحتية؛ تأمين الطاقة.
رفع تكلفة استمرار الحرب
آية ذلك؛ أن التحالف البحري السعودي الجديد؛ مهمة Aspides الأوروبية في البحر الأحمر؛ وكلاهما يركز على حماية التجارة أكثر من مواجهة إيران؛ سابعًا: معركة الإرادات تصف رويترز الصراع بأنه معركة صبر أكثر منه معركة قوة؛ فالقيادة الإيرانية تعتقد أنها تستطيع تحمل العقوبات؛ الضغوط الاقتصادية؛ لفترة أطول مما تستطيع الولايات المتحدة وحلفاؤها تحمل اضطراب التجارة العالمية؛ ارتفاع أسعار الطاقة؛ الاستنزاف العسكري؛ القراءة الاستراتيجية ما تنقله رويترز يتوافق مع معظم المؤشرات التي ظهرت خلال الأسابيع الماضية من أن إيران لم تعد تراهن على الانتصار العسكري المباشر؛ بل تراهن على إرهاق الخصم سياسيًا واقتصاديًا.
لذلك أصبح الهدف هو رفع تكلفة استمرار الحرب أكثر من كسب المعركة نفسها؛ في المقابل، تواجه إدارة ترامب معضلة واضحة وهي أن التصعيد العسكري قد يرفع أسعار الطاقة ويستنزف الذخائر الأمريكية؛ أما تقديم تنازلات في هرمز فقد يُنظر إليه باعتباره اعترافًا بدور إيراني دائم في أحد أهم الممرات البحرية في العالم؛ ولهذا يبدو أن الطرفين يحاولان تحسين موقعهما قبل أي مفاوضات محتملة، مع استمرار خطر أن يتحول “التصعيد المحسوب” إلى مواجهة أوسع نتيجة خطأ في الحسابات أو حادث غير مقصود.
أمريكا فقدت صواريخها مع إيران
غير أن الجيش الأمريكي قد استهلك معظم مخزونه من الصواريخ الدقيقة بعيدة المدى خلال الحرب التي استمرت خمسة أشهر مع إيران، ما أثار مخاوف داخل الإدارة الأمريكية بشأن جاهزية الجيش لأي صراعات مستقبلية، خاصة مع روسيا أو الصين؛ وقالت المصادر إن الولايات المتحدة استخدمت تقريبًا جميع صواريخ ATACMS وPrSM، وهما من أهم الأسلحة البرية بعيدة المدى التي يعتمد عليها الجيش في تنفيذ ضربات دقيقة من مسافات آمنة، فيما رفضت الكشف عن حجم المخزون المتبقي؛ وأن الرئيس دونالد ترامب دخل الحرب متوقعًا أن تكون قصيرة، لكن استمرارها أدى إلى استنزاف كبير في الذخائر، ودفع القيادة المركزية الأمريكية إلى إعادة التزود بصواريخ من مخزونات الجيش في مناطق أخرى من العالم.
إن الولايات المتحدة تمتلك ذخائر أكثر من أي دولة أخرى، وأن شركات الصناعات الدفاعية توسع إنتاجها بمعدلات قياسية؛ كما شدد البنتاغون على أن الجيش يمتلك القدرات اللازمة لتنفيذ أي عمليات يقررها الرئيس؛ لكن محللين حذروا من أن زيادة الإنتاج لا تعني تعويض الاستهلاك السريع في حال اندلاع حرب طويلة، خاصة أن صاروخ PrSM لا يزال في مرحلة التوسع الإنتاجي ليحل تدريجيًا محل ATACMS؛ كما كشفت المعلومات عن تراجع مخزونات أنظمة الدفاع الصاروخي، مشيرة إلى أن القادة العسكريين أبلغوا ترامب بانخفاض أعداد صواريخ باتريوت وTHAAD، في وقت قدر فيه مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية استهلاك نحو 65% من صواريخ باتريوت الاعتراضية وانخفاض مخزون صواريخ THAAD بما لا يقل عن 38% منذ بداية الحرب؛ إن الولايات المتحدة استهلكت أيضًا أقل بقليل من نصف مخزونها العالمي من صواريخ توماهوك المجنحة، فيما تعمل واشنطن على زيادة إنتاجها ضمن خطة لإعادة بناء مخزوناتها العسكرية.
غموض بفتح “هرمز” والمفاوضات
وأصاب مقذوف مجهول سفينة كانت تعبر مضيق هرمز، في وقت تعثرت فيه المفاوضات الرامية إلى إعادة فتح الممر المائي بسبب خلاف حول الرسوم، ما ألقى بظلال من الشك على مستقبل أحد أهم ممرات الطاقة في العالم، بعد أن أعلن الرئيس ترامب أن التوصل إلى اتفاق بات قريبًا؛ وأفادت وكالة عمليات التجارة البحرية البريطانية، التابعة للبحرية البريطانية، بأن سفينة شحن تعرضت فجر الثلاثاء الماضي لإصابة بمقذوف مجهول قبالة سواحل سلطنة عمان؛ ولم تحدد الوكالة هوية السفينة أو الجهة المسؤولة عن الهجوم، إلا أن الحادث شكّل تذكيرًا جديدًا بأن حركة الملاحة التجارية ما تزال عرضة للخطر، حتى في الوقت الذي يواصل فيه الدبلوماسيون مناقشة إعادة فتح المضيق؛ وبموجب المقترح المطروح حاليًا، تدخل السفن المتجهة إلى الخليج عبر المياه الإيرانية، بينما تعبر السفن المغادرة للخليج عبر المياه العمانية من دون دفع أي رسوم.
ورغم أن الدبلوماسيين الإيرانيين رحبوا في البداية بالمقترح لأنه يمنح طهران قدرًا من السيطرة على المضيق، فإن إيران طالبت بحق تحصيل رسوم عبور، قد تُتقاسم مع سلطنة عمان، إضافة إلى الحصول على ضمانات بعدم تجدد الهجمات عليها، وإنهاء الحصار البحري الأمريكي، وتخفيف العقوبات النفطية؛ في المقابل، رفضت الولايات المتحدة وعدد من الحكومات الإقليمية العربية مطلب فرض الرسوم، وطالبت بضمانات بأن إيران ووكلاءها لن يهددوا أراضيها؛ وتظهر هذه الإشارات المتضاربة، التي جاءت بعد إعلان ترامب أن مضيق هرمز قد يُعاد فتحه اعتبارًا من الثلاثاء، إن السيطرة على الممر البحري لا تزال تمثل جوهر الصراع مع إيران؛ ولا تزال الفجوة الأساسية قائمة؛ فإيران تريد أولًا تخفيف الحصار البحري والضغوط العسكرية، بينما تريد واشنطن إعادة فتح المضيق والحصول على تنازلات إيرانية قبل تقديم أي تخفيف للعقوبات.
طهران ترى نفسها في موقع قوة
وكان ترامب قد صرح يوم الاثنين بأن المناقشات تجري بناءً على طلب من إيران وعدة دول خليجية؛ وقال للصحفيين في المكتب البيضاوي: “إنها الفرصة الأخيرة أمامهم لتوقيع وثيقة جيدة”؛ وكان يقصد بذلك إيران؛ وجاءت تصريحاته بعد قراره خلال عطلة نهاية الأسبوع بإلغاء ما وصفه بأنه أكبر هجوم عسكري منذ الحرب العالمية الثانية، لإتاحة الفرصة أمام استمرار المفاوضات؛ وبعد أن نفت إيران وجود أي محادثات، اتهم ترامب قادتها في منشور عبر وسائل التواصل الاجتماعي، يوم الاثنين، بأنهم “مخادعون بصورة لا تُصدق”؛ وأكد أيضًا أن البحرية الأمريكية تفرض سيطرة كاملة على مضيق هرمز، قائلًا: “لا شيء يمر إلى إيران إلا إذا أردنا نحن ذلك”.
وفي الوقت الذي واصل فيه الوسطاء اتصالاتهم مع إيران بشأن إعادة فتح المضيق، لم يصدر الحرس الثوري الإيراني، المكلف بحماية النظام وفرض سيطرته على المضيق، أي رد رسمي على المقترح الأخير؛ ونقل الوسطاء أن بعض مسؤولي الحرس الثوري أبلغوهم أنهم لن يقبلوا بأي اتفاق لا يعترف بمطالبة إيران بالسيطرة على المضيق، مؤكدين أن طهران ترى نفسها في موقع قوة، وأنها مستعدة لتحمل أشهر إضافية من الصراع إذا تجددت الحرب؛ وفي حال تمكن الوسطاء من التوصل إلى اتفاق لإعادة فتح الممر المائي، فسيسعون بعد ذلك إلى إحياء مذكرة التفاهم التي وقعتها الولايات المتحدة وإيران في يونيو الماضي، والتي كانت تهدف إلى بدء مسار إنهاء الحرب؛ لكن تلك المذكرة انهارت الشهر الماضي بعد خلاف بين واشنطن وطهران حول إصرار إيران على فرض سيطرتها على مضيق هرمز وكذلك استمرار الضربات العسكرية المنتهكة للإتفاق من قبل الولايات المتحدة؛ كما كشف الوسطاء أن باكستان اقترحت استضافة جولة جديدة من المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران.
تحول استراتيجي في العقيدة الأمنية
واخذت المواجهة الأمريكية الإيرانية أبعادًا وحضورًا ميدانيًا أكثر عمقًا وتأثيرًا على طبيعة الصراع الدائر في منطقة الخليج الفارسي على جميع الأصعدة من إغلاق مضيق هرمز إلى منع مرور الناقلات والسفن والضربات الصاروخية والجوية داخل العمق الإيراني والتأثير على حركة الملاحة البحرية والتجارة الدولية وأسواق الطاقة العالمية مع اشتداد وتوسع الهجمات الصاروخية واستخدام الطائرات المسيرة تجاه عواصم اقطار دول مجلس التعاون الخليجي وضرب القواعد العسكرية الأمريكية في تلك الدول؛ فنرى أن الانتقال الميداني أخذ صورته الأوسع في التحول من الردع المحلي إلى الردع الإقليمي في مرحلة متقدمة لتوسيع نطاق العمل العسكري الجغرافي والذي يعتبر تحول استراتيجي في العقيدة الأمنية للنزاع القائم في الإقليم بشكل أوسع وتأثير أكبر، وأن استمرار هذا التحول من المحلية إلى الإقليمية يحتاج إلى أدوات ووسائل فاعلة في ديمومته مع علامات بارزة لاستراتيجية مقنعة في امتداداته التي يمكن تحديدها في مسألتين مهمتين هما مبررات الانتقال في تحول التهديدات القائمة في منطقة الشرق الأوسط والخليج العربي من تهديدات محلية إلى عابرة للأقاليم في ربط محكم لأمن الطاقة والممرات البحرية بين الخليج العربي والبحر الأحمر وشرق البحر الأبيض المتوسط مع تزايد قائم لاستخدام المليشيات والفصائل المسلحة من الوكلاء بما يجعل عملية الاكتفاء بالدفاع ضمن إطار مساحة محددة من داخل الخليج العربي أقل فعالية، واعتماد صيغة فاعلة في رسم ملامح الترابط والتشابك للمصالح الاقتصادية والأمنية مع شركاء إقليميين خارج نطاق العمليات العسكرية.
وهناك تبرز أهمية أدوات الانتقال بوجود قيادة مشتركة وسيطرة إيجابية بقرارات سيادية وعمليات ناجحة تتجاوز الإطار الخليجي تصاحبها شبكة إنذار مبكر ودوائر مساهمة داعمة للعمل الميداني عبر جهود استخبارية إقليمية متماسكة، يصاحبها تكامل في منظومات الدفاع الجوي والصاروخي والأمن البحري لتعزيز الشراكات الاستراتيجية مع الدول ذات التأثير الميداني في منطقتي البحر الأحمر وشرق البحر الأبيض المتوسط، يكون قوامها تنسيق سياسي يحدد قواعد استخدام القوة وحدود التصعيد، لكي لا يتحول الردع إلى حالة من عدم الانضباط والسيطرة المركزية؛
إن الردع الإقليمي لا ينبغي أن يفهم أنه مجالًا لتوسيع دائرة المواجهة العسكرية، وإنما توسيعًا لمجال منع القتال، والهدف منه خلق شبكة أمنية تجعل أي طرف يفكر في توسع الصراع ستكون أعلى من مكاسبه، لذا فإن معيار نجاح هندسة المنظومة الأمنية الخليجية لن يكون عدد الشركاء أو اتساع الرقعة الجغرافية، وإنما قدرتها على تحقيق الردع مع تقليل احتمالات الانزلاق إلى حرب إقليمية شاملة.
أن العمل على بناء منظومة أمنية خليجية متكاملة يجب أن يتضمن إضافة إلى تحديد أصول وقواعد المواجهة العسكرية محورًا مهمًا يتعلق بمواجهة التهديدات غير النظامية تشمل حركة ومتابعة نشاط وفعالية الشبكات المسلحة من الفصائل والوكلاء المعتمدين لدى الحرس الثوري الإيراني، مع وجود آلية فاعلة في توحيد قواعد تصنيف التهديدات وتبادل المعلومات في مسعى لحماية البنية التحتية للطاقة والموانئ وخطوط الملاحة من الهجمات والضربات التي تساهم الفصائل المسلحة في تنفيذها، وهذا يتطلب تطوير قدرات الأمن السيبراني لأن عناصر المليشيات قد يستخدمون الفضاء الإلكتروني بالتوازي مع الوسائل العسكرية، وتعزيز التنسيق السياسي والقانوني لتجفيف مصادر التمويل والدعم اللوجستي.
الكاتب الصحفي والباحث في العلاقات السياسية الدولية










