الفسادُ آفةٌ تأكلُ الأخضرَ واليابس، وخطرٌ يدمرُ منظومةَ التدفقِ الطبيعي للثرواتِ في مصر، فيزدادُ الأغنياءُ غنى، ويزدادُ الفقراءُ فقراً، ويتسعُ الخرقُ على الراقع.
وقد بلغَ الفسادُ أرقاماً قياسية، فهناك آلافُ القضايا ضد مسؤولين بالجهازِ الإداري للدولة تتعلقُ باختلاسِ المالِ العامِ والاستيلاءِ عليه والرشوةِ والتزوير، ولا تزالُ تلك القضايا منظورةً أمام القضاءِ لم يُحسم أمرها. وهناك ملياراتُ الجنيهاتِ يحصلُ عليها الفاسدون في المحلياتِ وحدها سنوياً لمنحِ من لا حقَّ له ما لا يستحق.
فالفسادُ في مصرَ منتشرٌ انتشارَ النارِ في الهشيم، وأعلى مظاهرِه: الرشوةُ والإكرامياتُ، ومجاملةُ الأقاربِ، والاستيلاءُ على المالِ العام. أي فسادٌ في كلِّ القطاعات… فسادٌ يقتلُ الناسَ تحت أنقاضِ عماراتِ الموت، أو يحرقُهم داخل قطاراتِ السكِ الحديديةِ التي تُدارُ بأكبرِ قدرٍ من العشوائية. والإهمالُ الذي يُعدُّ من أكبرِ أسبابِ الموتِ الجماعي.
وإلى جانبِ هذا الفسادِ المالي، يقفُ فسادٌ آخرُ قاتل: فسادُ الروتينِ وتعطيلِ المصالح.
بيروقراطيةٌ عمياء، وطوابيرُ ذل، وورقاتُ دمغةٍ لا تُغني ولا تُسمن، وإجراءاتٌ عقيمةٌ تدورُ في حلقةٍ مفرغة. مواطنٌ يلهثُ بين هيئةٍ تعليميةٍ وهيئةٍ صحية، وبين مكتبٍ وهيئة، وختمٍ وتوقيع، حتى تضيعَ أعمارُهم، وتتعطلَ أشغالُهم، ويُقطعَ أكلُ عيشِهم.
روتينٌ قاتلٌ يحولُ طلبَ العلاجِ إلى مأساة، وطلبَ الوظيفةِ إلى سراب، وطلبَ الحقِّ إلى جريمة. وما أدراك ما يفعلُ اليأسُ بإنسانٍ سُدَّت في وجهِه الأبواب؟! ربما دفعَه ذلك إلى حافةِ الانتحار، أو إلى حضنِ الانحراف.
إن أخطر أنواع الفساد ليس ما يُسرقُ في الخفاء، بل ما يُشرعنُ في النور!…. إنه فسادُ المكاتبِ المغلقةِ والأختامِ المؤجلة، فسادُ الموظفِ الذي حوّلَ الكرسيَّ إلى عرش، والقلمَ إلى سيفٍ يقطعُ أرزاقَ العباد.
يأتيك المواطنُ بملفٍ كامل، وحقٍ واضح، ودمعةٍ في العين، فيُقابلُ بجملةٍ باردة: “تعالَ غداً” “ينقصُ دمغة” “امضِ من هنا” “اختم من هناك”.
فيُمزَّقُ عمرُه بين الشبابيك، وتُنهشُ كرامتُه على أبوابِ المصالح، حتى يبيعَ ما يملكُ ليشتريَ “التسهيل”، أو يموتَ قهراً وهو ينتظرُ “التوقيع”.
أيُّ وطنٍ هذا الذي يُجبرُ أبناءَه على أن يتسولوا حقوقَهم؟! وأيُّ دولةٍ تُحولُ المواطنَ من صاحبِ حقٍ إلى متسولِ خدمة؟!
هذا ليس روتيناً… هذا قتلٌ بطيءٌ بالورق، وإعدامٌ ببطءٍ للأمل. ومن قتلَ الأملَ في شعبٍ فقد حفرَ قبرَ الوطنِ بيديه.
سلوا عن الفسادِ بسطاءَ القومِ في الطرقات، وسلوا الأمَّ الثكلى التي باعت حليَّها لتُداويَ سقيمَها، والأبَ المكدودَ الذي رهنَ متاعَ بيتهِ ليشتريَ وظيفةً لابنه.
وسلوا الخريجَ المتفوقَ الذي علقت شهادتُه على الجدارِ زينة، فصارَ يقتاتُ من عرقِ جبينهِ بعد أن ابتلعَ الروتينُ أحلامَه.
وسلوا المريضَ الذي فاضت روحُه على عتبةِ المشفى وهو يحملُ تحويلاً ينقصُه ختم، والطالبَ الذي ضاعَ مستقبلُه بين طيةِ ورقٍ وتوقيعٍ تائه.
ذلكم هو الفسادُ الذي نُعايشُه كلَّ صباح… لا في عناوينِ الصحف، بل في طوابيرِ الخبز، وفي نوافذِ المرور، وفي عيونِ فلذاتِ أكبادنا الباحثةِ عن بارقةِ أمل.
إنه فسادٌ لا ينهبُ الأموال فحسب، بل ينهبُ الكرامات، ويئدُ الطموحات، ويُخمدُ جذوةَ الرجاءِ في قلوبِ الكادحين.
فأيُّ وطنٍ يصمدُ إذا اغتربَ المواطنُ في وطنه؟ وأيُّ دولةٍ تقومُ إذا صارَ الحقُّ أمنيةً، والعدلُ خيالاً؟!
وإذا كان الفسادُ هو الأبَ الشرعيَّ لكافةِ لعناتِ مصر، والآفةَ التي تأكلُ خيرَها وتنهبُ ثرواتِها، فإن البطالةَ هي أمُّ كلِّ الموبقاتِ في المجتمع.
فكلُّ شابٍ عاطلٍ قنبلةٌ موقوتة، وطاقةٌ مكبوتةٌ قابلةٌ للانفجارِ في أيِّ وقت. وخطورةُ البطالةِ ليست في أرقامِها المرتفعة، ولكنها تكمنُ في الجرائمِ التي يرتكبُها العاطلون. فهناك علاقةٌ طرديةٌ بين زيادةِ معدلِ البطالةِ وبين انتشارِ الجريمة. ولأن للعاطلين احتياجاتٍ لا يقدرُ سوى المالِ على تحقيقِها، فالعاطلُ إذا لم يحصلْ على المالِ بطريقةٍ شرعيةٍ فإن الجريمةَ هي السبيلُ أمامه. ويمكنُ أن يكونَ التوجهُ إلى أحضانِ الأعداءِ أو الجماعاتِ الإرهابيةِ بديلاً مطروحاً، لأن البطالةَ تقتلُ الانتماء، وإذا ماتَ الانتماءُ انهارتِ الأمم.
وبسببِ البطالةِ لن تتوقفَ مراكبُ الموتِ والهجرةِ غيرِ الشرعية، وستتوالى أخبارُ غرقِ المئاتِ من شبابِنا. ولأن البطالةَ مرتبطةٌ بتأخرِ سنِّ الزواجِ سيؤدي ذلك إلى ارتفاعِ نسبةِ مرتكبي جرائمِ هتكِ العرضِ والاغتصاب، إلى جانبِ جرائمِ سرقاتِ المنازلِ والسياراتِ وجرائمِ القتل.
وخطورةُ البطالةِ المصريةِ أن 99% من عددِ العاطلين تتراوحُ أعمارُهم بين ١٥ : ٣٠ عاماً، أي من الشباب، كما أنها بطالةٌ متعلمةٌ من خريجي الجامعاتِ والمؤهلاتِ المتوسطة، وهو ما يُعدُّ على المستوى القوميِّ إهدارَ استثماراتٍ أُنفقت في العمليةِ التعليميةِ دون أن ينتجَ عنها عائد. والبطالةُ في الريفِ تزيدُ من معدلاتِ الهجرةِ إلى القاهرة، والإخلالِ بالتوزيعِ الطبيعيِّ للسكانِ هرباً من العوزِ والاحتياج.
والفسادُ بجانبِ مساهمتِه في صنعِ البطالة، كذلك يصنعُ الفقر.
والفقرُ يوجدُ في الأوطانِ التي لا تُجيدُ العدلَ في توزيعِ مواردِها. ففي مصرَ يقلُّ دخلُ الفقراءِ عن خمسين جنيهاً يومياً، مما يؤدي إلى جرائمَ تتسمُ بالوحشيةِ هرباً من براثنِه التي تدمرُ التنميةَ وتهددُ استقرارَ البشر. وهو وراءَ كثيرٍ من جرائمِ الانتحار.
ويمكنُ أن تصلَ خطورتُه إلى أبعدِ مدى. ففي سيناءَ مثلاً يهددُ الفقرُ الأمنَ القوميَّ لمصر، لأن بعضَ البدوِ الذين يعيشون بين مطرقةِ مطارداتِ الأمنِ وسندانِ الفقرِ يندفعون نحو الانحرافِ ويعملون في التهريب. كما يهددُ الفقرُ الشارعَ المصريَّ لأنه السببُ الرئيسيُّ لظاهرةِ أطفالِ الشوارعِ المتروكين للكلابِ الضالةِ تنهشُ لحومَهم، أو عصاباتِ المخدراتِ تغتصبُ براءتَهم، أو مشارطِ معدومي الضميرِ يتاجرون في أعضائهم.
كما أنه وراءَ جرائمِ الدعارةِ والقوادة، فكلما زادَ الفقرُ في الأوطانِ أكلتِ النساءُ من بيعِ الأبدان. ويتضحُ ذلك جلياً في “بلاعةِ القاذوراتِ” المفتوحةِ ليلاً ونهاراً، لأن مع تزايدِ الرغبةِ في كسبِ المالِ من خلال صناعةِ المحتوى عبر تطبيقاتِ ومنصاتِ التواصلِ الاجتماعي، وخاصة “تيك توك”، أصبح المجتمعُ يصطدمُ يومياً بممارساتٍ “مُخلة” لدرجةِ أن البعضَ أصبح يتنافسُ لتقديمِ محتوى مخلٍ من أجلِ الشهرة.
هذا بالإضافةِ إلى كونِ الفقرِ سبباً لانتشارِ كثيرٍ من الأمراضِ كالسرطانِ والفشلِ الكلويِّ وأمراضِ القلبِ والجهازِ التنفسي. ولا يكادُ جسدُ مواطنٍ مصريٍّ يخلو من واحدٍ على الأقلِّ من تلك الأمراض، أو يعتبرُ إصابتَه بها مصيراً منتظراً.
وكان نتيجةُ ذلك أن أصبحت مصرُ واحدةً من أهمِ ثلاثِ دولٍ في العالمِ في تجارةِ الأعضاءِ البشرية، وأصبحت مقصدَ السياحةِ لزرعِ الأعضاء، وأصبحت تجارةُ “الكلاوي” بورصةً تجمعُ بين مريضٍ يبحثُ عن النجاةِ، ووسيطٍ يتاجرُ في البشرِ، وطبيبٍ يحملُ مشرطاً استثمارياً، ومواطنٍ يبيعُ أعضاءَه تحت ضغطِ الفقر.
ومن المؤكدِ أن تعاني الأوطانُ التي تُزوَّرُ إرادتُها من التسلطِ الذي يولدُ الفساد.
ففي النظمِ الديمقراطيةِ هناك برلمانٌ يحاسبُ المتجاوزين مهما كانت مناصبُهم، ولكن في مصرَ بعضُ نوابِ التزويرِ يمنحون الحصانة. والحصانةُ ثروةٌ للبعضِ، وتأشيراتٌ وأراضٍ ومميزاتٌ للبعضِ الآخر. وإذا وُجدَ تزويرُ الإرادةِ تربَّعَ المالُ على القمة.
وحين يسيطرُ المالُ تنهارُ الأخلاقُ، وتتداعى القوانينُ، وتُداسُ القيم.
لذلك يجبُ علينا أن نعملَ للحدِّ من تفشي ظاهرةِ الفسادِ بمحاربتِه بشتى الطرق:
عن طريقِ الالتزامِ الدينيِّ والأخلاقيِّ والوطنيِّ والإنساني، وسنِّ الأنظمةِ والتشريعاتِ التي تحاربُ الفسادَ بأقصى العقوباتِ على مخالفيها، والتوعيةِ المجتمعية، وتخصيصِ مكافأةٍ ماليةٍ لمن يقومُ بالتبليغِ عن حالاتِ الفسادِ في الدوائرِ الحكومية، والضربِ بيدٍ من حديدٍ على كلِّ فاسد، وخلقِ فرصِ عملٍ مناسبةٍ للمواطنين لتحسينِ ظروفِهم المعيشية، وعقدِ ندواتٍ دينيةٍ وتوعويةٍ في الدوائرِ الحكوميةِ والمدارسِ والجامعاتِ والقنواتِ المرئيةِ والمسموعةِ تحثُّ المواطنَ للتخلصِ من الفسادِ الإداري، مع وضعِ الشخصِ المناسبِ في المكانِ المناسب.









