في المشهد المسرحي المعاصر، تتكرر ظاهرة ادعاء الإخراج في مجالات “مسرح الشارع” أو “الفضاءات المغايرة والغير تقليدية”، دون إدراك حقيقي لمفاهيم هذا الفن وأسسه الفلسفية والجمالية. يتجلى هذا الخلل جلياً عندما ينكشف العرض المسرحي من خلال تصريحات الممثلين المشاركين فيه، لتسقط الأقنعة عن تجربة تُدار بعشوائية وتفتقر إلى أبسط المقومات العلمية والعملية.
أزمة الوعي وركام الممارسات الخاطئةتتضح أبعاد المشكلة في كيفية التعاطي مع مسرح الشارع كأنه مجرد نقل عرض تقليدي من الخشبة المغلقة إلى الساحة العامة، وهو ما يُظهر جهلاً عميقاً بطبيعة هذا النوع المسرحي:
غياب التثقيف والإعداد الجيد: كان الأجدر بالمخرج، احتراماً لتجربته وللممثلين الشباب الهواة الذين يخطون خطواتهم الأولى، أن يقدم لهم تأثيثاً معرفياً وفكرياً لطبيعة الفضاء المغاير، بدلاً من إلقائهم في العرض دون استيعاب للمفهوم.
الخلط بين النص والفكرة: يعتمد مسرح الشارع في جوهره على الفكرة والتفاعل المباشر والحيوية الحركية، وليس على تحفيظ النصوص وتطبيق آليات الخشبة التقليدية.
الفهم القاصر للحدود المكانية: اختزال التغيير في العرض بين القاعة والشارع بـ “اختلاف زاوية الرؤية 360 درجة” أو الاعتماد على الديكور التقليدي يُعدّ تسطيحاً لفلسفة الاشتغال في الفضاءات المفتوحة.
التفاعل المباشر مقابل العزلة: أصل العرض المغاير هو الاندماج العضوي المباشر مع الجمهور وكسر الجدار الرابع بشكل تلقائي، وليس نقل منطق “العزلة المسرحية” إلى الشارع.
مخاطر قفز الهواة على الأساسيات
إن تقديم مسرح الشارع أو الفضاءات المغايرة لكوادر شبابية في أولى تجاربهم التمثيلية يمثل مقلوبة منهجية خطيرة.فالأصل في بناء الممثل هو التأسيس داخل المسرح التقليدي للتزوّد بمهارات الصوت، الحركة، وتطوير الأدوات الأكاديمية والعملية، قبل الانتقال إلى فضاءات تتطلب مرونة عالية وقدرةاستثنائية على الارتجال وإدارة الجمهور المفاجئ.
عندما يصرح ممثل هاوٍ بأن البروفات أُجريت على خشبة المسرح المغلق في المسرح الوطني طرابلس وكان العرض “أسهل هناك”، وأن الصعوبة كانت فقط في المواجهة المباشرة في الساحة، فهذا دليل قاطع على حجم الخلط والارتباك المنهجي الذي أحدثه المخرج.
الخبرة التقليدية لا تمنح الشرعية للتجريب المبتذل إن التاريخ المسرحي أو المشوار الطويل في تقديم الأعمال التقليدية لا يمنح أي مخرج حصانة أو إذنًا لخوض تجارب الفضاءات المغايرة دون امتلاك أدواتها. إقحام الشباب الهواة في تجارب غير مدروسة تحت مسميات براقة هو إضرار مباشر بالذائقة العامة وبمستقبل هؤلاء الممثلين.
الابتعاد عن الشارع وفضاءاته المغايرة يُعدّ خطوة أخلاقية وفنية ضرورية لكل من لا يملك رؤية منهجية واضحة لهذا الفن؛ فالمسرح ليس مضماراً للاستسهال، والفضاء المفتوح يتطلب معرفة عميقة تسبق الجرأة في العرض.










