منذ أن أصبح محمد صلاح أحد أبرز نجوم كرة القدم في العالم، لم يعد مجرد لاعب يُقاس بالأهداف والألقاب، بل صار شخصية عامة تُقرأ إشاراتها، وتُفسَّر مواقفها، ويُسقط عليها كل تيار رؤيته الخاصة. ومن هنا يصبح السؤال مشروعًا، بينما يظل الجواب رهينًا بالدليل.
في تقديري، لا يعود نجاح محمد صلاح إلى الموهبة وحدها، بل لعب الحظ، والظروف، والتوقيت، والمنظومة التي أحاطت به دورًا لا يقل أهمية. وهذه رؤية قابلة للنقاش، شأنها شأن أي تقييم فني لمسيرة لاعب كرة قدم.
أما على المستوى السياسي، فتبرز فرضية يطرحها بعض المتابعين، مفادها أن بعض مواقف اللاعب أو طبيعة الاحتفاء الذي يحظى به من دوائر محسوبة على جماعة الإخوان المسلمين قد يُقرأ بوصفه مؤشرًا على وجود تقارب فكري أو وجداني. ويستند أصحاب هذا الرأي إلى ملاحظة أن شخصيات رياضية وُجهت إليها عبر السنوات اتهامات أو ارتبطت في الخطاب الإعلامي بملف الجماعة أبدت ترحيبًا وإشادة متكررة باللاعب، كما أن منصات إعلامية معارضة للدولة المصرية ساندته بقوة خلال أزماته مع اتحاد الكرة، وقدمت خلافاته باعتبارها نموذجًا لصراع بين نجم عالمي ومؤسسات محلية.
لكن، في المقابل، فإن هذه الوقائع لا ترقى وحدها إلى مستوى الدليل على انتماء سياسي أو تعاطف فكري. فالاحتفاء الذي تبديه جهة ما بشخصية عامة لا يثبت بالضرورة وجود علاقة متبادلة أو توافق سياسي، كما أن استثمار أي نجاح رياضي في الخطاب الإعلامي أمر تمارسه اتجاهات مختلفة، كلٌّ وفق مصالحه وسرديته.
وفي المقابل أيضًا، لا يمكن إغفال أن الدولة المصرية كان لها دور في المسار الذي أوصل محمد صلاح إلى العالمية؛ فمن خلال المنتخبات الوطنية ظهر اسمه، وحمل شارة قيادة المنتخب في مراحل مختلفة، وأصبح أحد أبرز الوجوه الرياضية التي تمثل مصر دوليًا. كما تواصل الدولة الاستثمار في اكتشاف المواهب عبر مشروعات مثل «كابيتانو مصر»، في رسالة تؤكد أن صناعة النجوم ليست جهدًا فرديًا فقط، وإنما هي نتاج منظومة متكاملة.
أما محاولة تحميل بعض الرموز أو الأرقام دلالات سياسية، سواء الرقم (67) أو غيره، فهي تبقى في نطاق القراءة الشخصية ما لم يصدر عن اللاعب نفسه ما يؤكد هذا التأويل. فالصحافة الجادة تميز دائمًا بين ما هو ثابت بالوثائق وما هو قابل للتفسير.
ويستدعي البعض، في سياق المقارنة الرمزية، التاريخ العثماني، مشيرين إلى أن السلطان سليم الأول حكم طرابزون قبل اعتلائه العرش العثماني، ثم قاد حملاته التي انتهت بإسقاط دولة المماليك عام 1517. غير أن استحضار هذه الوقائع التاريخية لا يكفي وحده لبناء استنتاجات حول شخص أو حدث معاصر، ما لم توجد روابط موثقة تتجاوز التشابه أو المصادفة.
في النهاية، يبقى محمد صلاح لاعبًا استثنائيًا أثار الإعجاب والجدل معًا. ومن حق أي كاتب أن يطرح الأسئلة، وأن يناقش الظواهر، وأن يقرأ الرموز، لكن من واجبه أيضًا أن يميز بين الحقيقة والفرضية، وبين الدليل والانطباع، لأن قيمة الكلمة لا تُقاس بجرأة السؤال وحدها، وإنما بدقة البرهان أيضًا.










