شاهدتُه شاهراً بُندقيته صَوّب عُصفورٍ بَديعٍ يُحلق في الفضاء الرَحب فرحاً وكأنما قد فرغت ُأمُه لتوّها من تعليمه الطيران فراح يضرب بجناحيّه ويخطو أولى خطواته في ثقة مُتطلعاً نحو السحاب ، لكن بُندقية الصيّاد الجَهول كانت ترصده بفوّهة مِلؤها نارٌ وبارود ، فأصابت الرصاصة الغادرة رأسه الضئيل فهوي على الأرض مُضرجاً في بِضع قطراتٍ هي كل دمه ، ويرسل الصياد الجهول طفله الذي صحبه معه لكي يأتي بالعصفور المغدور مُنتشياً بانتصاره ومُعاوداً حَشوّ بندقيته بالبارود ليصطاد عصفوراً آخر من الكناري أو البلبل أو السنوّنوّ أو الجاوا أو الشرشور أو الحسون أو السمامة المهاجر دوماً !! .
إنه لايدري حجم جريمته ، ليست فقط في حشد سلاحه وجبروته ومهاراته من أجل اصطياد عصفور ، وإنما في اصطحاب إبنه معه في تلك الجولة القاتلة ، فكأنما يُعلمه الغدر والخيانة ، واستعذاب قتل الضعفاء ومن لاحيلة لهم ، المهم هو إشباع رغباته وارضاء نزواته ، فيكبر هذا الطفل مُستهيناً بأن يتحرش بفتاة مسكينة أو حتى مُغتصباً لها ، فإذا ماصار حاكماً استهان بإهدار دم شعب بكامله ، أو إشعال النار في أمة وربما التسبب في قيام حرب عالمية ( تسببت رغبات هتلر الشريرة في ازهاق أرواح سبعين مليوناً من البشر جرّاء الحرب الكونية الثانية ) !! .
كانت عجوز انجليزية ترقد في حجرتها ذات صباح شتوي لندني جليدي ، فرأت من خلال نافذتها عصفوراً يرقد مُتجمداً في الحديقة الخلفية لمنزلها ، فسارعت إليه والجليد يتساقط على رأسها الضعيف وجسدها النحيل يرتجف ، ثم التقطت العصفور من بين الثلج ووضعته في صدرها لتُدفأه ، وسارت به بضع خطوات ثم سقطت على الأرض ، وجدوها بعد ساعة قد فارقت الحياة والعصفور واقف على صدرها يُرفرف بجناحيّه ربما ظناً بفطرته الإلهيّة أنه سيُعيد إليّها الحياة !! .
شتان بين الصورتيّن ، ذاك الصياد الذي يتفنن في قتل عصفور ، وتلك العجوز التي ماتت في سبيل إنقاذه ، هو ذات الفارق بين الإنسانية والتوحش !! .
فاستوصوا بالعصافير – كل العصافير – خيّراً !! .










