كتب احمد دياب
في نموذج جديد يعكس تنامي دور الجامعات المصرية في دعم الابتكار وربط البحث العلمي بالتطبيقات التكنولوجية الحديثة، تمكن طلاب قسم هندسة الاتصالات والإلكترونيات بـCIC من تنفيذ مشروع استراتيجي متطور بالتعاون الكامل والوثيق مع وزارة الدفاع المصرية وتحت إشرافها المباشر، ليقدم نموذجًا عمليًا لقدرة الشباب المصري على تطوير حلول تكنولوجية متقدمة بأيدٍ وطنية.
ويتمثل المشروع في تصنيع طائرة مسيرة «درون» بالكامل بأيادٍ طلابية مصرية، مع دمج تقنيات الطائرات المسيرة وأنظمة الاتصالات اللاسلكية الحديثة داخل منظومة واحدة، إلى جانب توظيف تكنولوجيا تتوافق مع الرؤية المستقبلية لشبكات الجيل السادس «6G»، بما يجعل المشروع تجربة متقدمة في مجال البحث العلمي الطلابي، ويدعم توجه الدولة نحو توطين التكنولوجيا.
وجاء استعراض المشروع خلال ملتقى CIC للابتكار وإدارة المشروعات التكنولوجية، الذي أقيم أمس في CIC، بحضور نخبة من ممثلي وزارة الدفاع، والمؤسسات البحثية والعلمية، وقطاع الصناعة والشركات التكنولوجية، وممثلي منظمة IEEE في مصر، إلى جانب الطلاب وأعضاء هيئة التدريس.
ويعكس الملتقى توجهًا متزايدًا نحو تحويل المؤسسات التعليمية إلى شريك أساسي في بناء اقتصاد المعرفة، من خلال إتاحة الفرصة للطلاب لتحويل الأفكار والمشروعات الأكاديمية إلى تطبيقات عملية يمكن أن تخدم الصناعة والمجتمع، وتفتح مسارات جديدة أمام الابتكار والتصنيع المحلي.
وأكد دكتور مجدي القاضي، مؤسس CIC، في مستهل الاحتفالية، أن الاهتمام بالطلاب ودعمهم يمثل الهدف الأساسي للمؤسسة، التي تعمل على مساندتهم ومرافقتهم في رحلتهم المهنية منذ اليوم الأول لانضمامهم إليها.
وأشار إلى أن تقنيات «الدرون» تعد من أهم المحاور التكنولوجية التي ستلعب دورًا متزايدًا خلال المستقبل، مؤكدًا التزام المؤسسة بالرعاية الكاملة للمبدعين من أبنائها، ودعمهم خلال جميع المراحل التي تمر بها مشروعات تخرجهم، وخاصة المشروعات المتميزة مثل طائرة الدرون، التي تعد من أخطر الأدوات في الحاضر والمستقبل في مصر والعالم خلال المرحلة المقبلة.
من جانبه، أكد الدكتور احمد ابو المجد، مؤسس ورئيس مجلس إدارة مؤسسة Fly High brothers، أن المشروع يستحق التقدير باعتباره يتجاوز مفهوم مشروع التخرج التقليدي، ويقدم منتجًا حقيقيًا يمكن أن تستفيد منه الدولة.
وأوضح أن معدات الاتصالات والكاميرات المتقدمة التي يتضمنها المشروع يمكن أن تساهم في حماية أمن الدولة، مشيرًا إلى قناعته بأن الجامعات بالشراكة مع رجال الصناعة يمكن أن تصنع الاستثمار في مصر.
وأعلن ابو المجد إتاحة فرصة تدريب عملي لطلاب المشروع، مؤكدًا أن قيمة التجربة لا تتمثل فقط في التصميم الفني للطائرة، وإنما تمتد إلى دراسة استخداماتها التطبيقية وفق أسلوب علمي ومخطط.
وفي السياق ذاته، أوضح اللواء دكتور ممدوح حسن، رئيس هيئة المشروعات والبحث العلمي بـCIC، أن الشراكة بين الجامعات والقطاع الصناعي أصبحت ضرورة حتمية للانتقال من التعليم التقليدي إلى التدريب العملي، داعيًا ممثلي الشركات إلى زيادة التعاون مع المؤسسات التعليمية لدعم ابتكارات الشباب ومساعدتهم على تجاوز التحديات الذاتية والتصنيعية.
وشهد الملتقى تفاعلًا سريعًا من جانب رجال الصناعة، حيث أعلن الدكتور اللواء وليد الغباشي، رئيس شركة بنها للصناعات التكنولوجية، تقديم عرض شراكة ورعاية لمشاريع التخرج القادمة بـCIC.
وأشاد الدكتور اللواء وليد الغباشي بما قدمه الطلاب من نموذج عملي متميز بحجم ملموس، مؤكدًا استعداد الشركة لتصنيع هذه الابتكارات بما يلبي احتياجات السوق المصري في القطاعين المدني والعسكري.
كما استعرض الأستاذ الدكتور أحمد مدين دور منظمة IEEE في تجميع مختلف التخصصات الهندسية بهدف تأهيل الكوادر الشابة لسوق العمل، مشيدًا في الوقت نفسه بالدعم اللوجستي والمادي الذي وفرته إدارة CIC للطلاب، والذي ساهم في تنفيذ المشروع والوصول به إلى هذه الصورة.
وخلال الملتقى، قدم الطلاب عرضًا للطائرة الدرون، استعرضوا خلاله المشروع أمام الحضور وما يتضمنه من حلول تكنولوجية في مجالات الاتصالات والطائرات المسيرة.
وفي ختام الفعاليات، قام الدكتور مجدي القاضي والدكتور ممدوح القاضي بتكريم السادة الحضور من مختلف القطاعات، كما شمل التكريم الجهاز الإشرافي والهندسي للمشروع، ويضم الدكتور ممدوح حسن، والدكتورة سلمى صبحي، والدكتور هيثم علاء.
كما تم تكريم الطلاب الذين نفذوا المشروع، وهم علاء الدين صلاح، ومحمد أشرف، وعاصم محمد حسن، بالإضافة إلى تكريم أعضاء الفرق الطلابية المشاركة، فريق «بلاك هورس» وفريق «رادار».
وتكمن أهمية المشروع في أنه لا يقدم مجرد طائرة مسيرة، وإنما يستهدف حل واحدة من أعقد المشكلات التي تواجه شبكات الاتصالات الحديثة، وهي أزمة «الازدحام الرقمي» بالمناطق ذات الكثافات العالية.
وتظهر هذه المشكلة بصورة واضحة في الملاعب وحفلات التخرج والمؤتمرات الكبرى، وكذلك أثناء حالات الطوارئ والإغاثة، حيث يؤدي الضغط الكبير على شبكات الاتصالات ونقاط البث الأرضية الثابتة إلى انخفاض حاد في سرعة الاتصال، وارتفاع زمن الانتظار والاستجابة، وزيادة معدلات فقدان حزم البيانات وتداخل الإشارات، فضلًا عن تأثير العوائق العمرانية على جودة الخدمة.
ولمعالجة هذه المشكلة، صمم الطلاب منصة جوية متحركة تعتمد على تزويد الطائرات المسيرة بنقاط وصول لاسلكية حديثة تعمل بمعيار «واي فاي 6»، بما يسمح للطائرة بالعمل كنقطة اتصال جوية متحركة يمكنها خدمة أعداد كبيرة من الأجهزة المتصلة في الوقت نفسه.
وأوضح الدكتور احمد عاطف، عميد هندسة CIC، أن الطلاب استفادوا من خوارزميات إدارة الطيف الترددي وتقسيم القنوات الترددية، بما يتيح التعامل مع أعداد غفيرة من الأجهزة المتصلة في وقت واحد، ويسهم في رفع متوسط سرعة نقل البيانات لكل مستخدم وتحسين جودة الخدمة.
وأشار إلى أن الطائرة لا تعمل بشكل منفصل، وإنما تتكامل داخل منظومة اتصال شاملة تضم الوصلة الخلفية الناقلة للبيانات، ومحطة التحكم والإدارة الميدانية، والحوسبة الطرفية، والذكاء الاصطناعي، إلى جانب الأمن السيبراني وحماية البيانات.
وتعكس هذه المنظومة طبيعة المشروع متعددة التخصصات، حيث يجمع بين هندسة الاتصالات والطائرات المسيرة والحوسبة الطرفية والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني، بما يواكب التطور المتسارع في تكنولوجيا الاتصالات، ويضع الطلاب في مواجهة تحديات تقنية حقيقية تتطلب حلولًا متكاملة.
وأكدت د. امال الغزاوي، المستشار الإعلامي لـCIC، أن التعاون الاستراتيجي بين وزارة الدفاع وطلاب هندسة الاتصالات CIC يبعث بروح جديدة في منظومة التعليم العالي بمصر، مشيرة إلى أن التجربة لا تعكس فقط تميز المناهج الأكاديمية وربطها بالواقع العملي، وإنما تثبت بالدليل القاطع قدرة عقول الشباب المصري على المنافسة في أدق المنصات التكنولوجية وأكثرها تعقيدًا.
وأضافت أن دمج تكنولوجيا الاتصالات المتقدمة مع التصنيع الميكانيكي الكامل للدرون محليًا يمثل خطوة ذهبية نحو تقليل الاعتماد على التكنولوجيا المستوردة، وبناء قاعدة صناعية دفاعية ومدنية متطورة ترتكز على عقول جيل 6G.
ويمثل مشروع طلاب قسم هندسة الاتصالات والإلكترونيات بـCIC نموذجًا لمرحلة جديدة من التعليم التطبيقي، تقوم على الجمع بين الدراسة والبحث العلمي والتصنيع والشراكة مع مؤسسات الدولة وقطاع الصناعة، بما يتيح تحويل الأفكار الطلابية إلى تطبيقات حقيقية، ويعزز فرص الاستفادة من الكفاءات الشابة في دعم مسيرة التوطين التكنولوجي وبناء اقتصاد قائم على المعرفة.










