يجب إعادة النظر في عملية ترجمة النصوص المسرحية، باعتبارها من أولويات التعرف على الإبداع المسرحي الأجنبي، خاصة من جانب الأطراف المشاركة في العملية المسرحية، سواء أكانوا مترجمين، كتابا، مخرجين، منظرين، نقادا، ممثلين، دارسين للمسرح، حين تضع نصب عينها الجمهور، باهتماماته، وميوله، في سعيها الدؤوب أن يتعرف على الإبداع العالمي في هذا الفن، فن المسرح، الذي هو مدرسة الشعب، بما له من دور محوري هام في نقل الثقافات، بالاطلاع على إبداعات الغير.
وقد اتسم واقع الترجمة للمسرح منذ بداياته حتى الآن بعدة مآخذ، لم تجد الاهتمام الكافي للوقوف عليها، من جانب المترجمين إلا ندرة، أو من المسرحيين الذين عاشوا وفي ذهنهم الترجمات القديمة، احتفاء بكاتبها الأصلي أو مترجمها، وكأنه محرم تماما تحديث تلك الترجمات، أو التعامل معها بلغة عصرية، وكأنها نصوص مقدسة، متناسين أن أحوال الشعوب في حركة دائبة، واللغة تتفاعل في إصرار للبقاء في دائرة الاستعمال، حتى تكتسب المرونة، وصفة الحياة، إلا أن هذا الجمود أعطى التراث المسرحي العالمي المترجم عدة سمات مثل ثقل المضمون، وصعوبة اللغة، وقدم ومتحفية الألفاظ المستخدمة، في ذهن الجمهور وبخاصة الشباب، في زمن العولمة، حيث تتنازع وسائل الإعلام على استقطاب الجماهير، مما أثر سلبا على الإقبال على العروض المسرحية الكلاسيكية، لأنها ارتبطت في الأذهان بالكآبة، وثقل الظل.
ولقد لجأ غالبية المترجمين إلى تقديم أعمالهم شعرا أو نثرا، مما يستحيل معه تطابقها مع النص، مما اضطرهم إلى لي عنق الكلمات، وترادفها لتناسب القافية، أو الوزن، فبعدت ألفاظ الحوار عن المضمون الأصلي، وروح النص، الذي قصده المؤلف الأجنبي بتركيبات حواراته، حين استخدموا ألفاظا طنانة، رنانة، مفخمة، وأيضا المهجور منها بحكم الزمان، وتحولاته، وتفاعلات اللغة، كل ذلك بهدف إثارة إعجاب الجمهور بصياغة الترجمة، أكثر من الاهتمام بالنص نفسه، فجاءت ترجمة حرفية أو صياغة إنشائية، وليست إبداعية، لأنها لم تخدم الأفكار التي صاغها المؤلف بلغته، مما يضيع في الغالب الرموز، والأبعاد النفسية، والدرامية لتلك الألفاظ، محدثة خللا في البنية الدرامية للحوار على وجه الخصوص، والعمل ككل عامة، ولم يعد الأمر كونه قراءة أدبية للنص، بعيدا عن الأطر الدرامية، وأصبح الأمر محاولة أدبية مجردة، على حساب العملية الفنية المسرحية، ولم يكتفوا بذلك، بل وضعوا قواعد منها ــ مثلا ــ أن الفصحى هي لغة الدراما الأسطورية والتاريخية، وأن العامية هي لغة الأعمال الكوميدية، ورأى البعض استخدام لغة وسطى، تكتب بالفصحى، وتنطق بالعامية، ولكن أي أنواع الفصحى أستخدم، الطنانة، البسيطة، الجذلة ذات الجمالات بلاغية، أم سوقية، أو متقعرة، أو فصحى ذات قوة تعبيرية.
أما العامية فهل هي تعبيرية، أم نبيلة، أم سوقية، دون مراعاة لتركيبة الشخصيات وبنائها وأدق تفاصيلها، ومستواها الاجتماعي والطبقي، مما يجعل الشخصيات تنطق كلاما متنافرا، فتضيع مصداقية العمل دراميا، لتعثرها وإخفاقها في الوصول إلى عقل، ووجدان وذهن الجمهور، لأن تلك الترجمات لم تكن سوى نقل كلمات، ورص عبارات مفخمة، وألفاظ مسجوعة، وخطب بليغة، دون أدنى ارتباط بالصراع الدرامي والبناء العام، والجو النفسي، والفني العام للمسرحية. متناسين دور الترجمة في نقل الأحاسيس والمشاعر، وكان لهذا كله تأثيره على العملية المسرحية ككل، وعلى الممثلين المشاركين في العمل على وجه الخصوص، إذ يلجأون إلى المبالغة في الأداء، والتمثيل بأصوات مفخمة بل وأصوات مستعارة متشنجة، وذلك نتيجة لثقل اللغة على اللسان، لأنها نادرة التداول، مقيدة للطلاقة الحوارية، مما يضطرهم معها إلى التشويح باليدين، والصراخ بلا مبرر، واستخدام أساليب أداء عفا عليها الدهر، مما يحدث انفصالا بين الحوار والممثل، لأنه لا يستشعر الكلمات، مما يجهده، ويفشل محاولته المضنية في محاولة لإيصال مضمون، وروح العمل الفاقد المصداقية للجمهور.
ومما سبق تناوله برز دور الدراماتورج، وهو الشخص الذي لديه فنية، وتقنية التأليف المسرحي، ويمكن الإشارة إليه ببساطة على أنه المعد المسرحي، والذي يتناول تلك الترجمات المعيبة فنيا، ويتعامل مع النص بنظرة فنية عصرية، فيختزل مشاهد، وشخصيات، ويعيد تشكيلة البناء الدرامى بحس درامى متفرد، وإعادة صياغة الحوار، مع اختصار فنى بليغ للحوارات المطولة، التي لم يعد للجمهور اليوم طاقة على سماعها، أو الإصغاء لها، مع مراعاة إمكانية الممثلين في التعامل مع لغة ميسرة متداولة، مع إعادة ترتيب الأحداث، والمشاهد، والنهاية، حتى يحدث إيقاعا حيويا من الناحية الفنية، كل ذلك دون الإخلال بأمانة المعد في التعامل مع النص، بل على العكس، لولاه مع فرضية إجادته، وحرفيته فنيا، مع إحساسه بنبض واهتمامات، الجمهور، الذي لم يكن ليقبل المسرحية المترجمة على حالها، حين تقدم على المسرح، حتى لو حشد لإنتاجها نجوم كبار، ودعاية مكثفة، ويجب على المترجم أن يفسح مجالا للدراماتورج الفنان الماهر، دون استشعار الحرج، خاصة إذا وضع الجميع في الحسبان، صالح العمل الإبداعى، والرغبة الأكيدة في تقديم أعمال محترمة من الناحية الفنية، من خلال روح الفريق، في محاولة لإثراء الحركة المسرحية.
كل ما سبق يدعو إلى الاجابة على سؤال هام هو “ما هى الشروط التي يجب توافرها في من يقوم بترجمة الأعمال المسرحية؟”، وما بين الاستفهام بمن وكيف، يمكن الوصول إلى إجابة، وهى من وجهة نظر محبة للمسرح، قد تكون فارقة في ذهن ووجدان المهتمين بالترجمة للمسرح، إذا ظلوا على إصرارهم في ألا يشاركهم أحدهم بالعمل، سواء بالإعداد للعمل، وتجهيزه فنيا للعرض على الجمهور بالاتفاق مع مخرج العمل.
إذن لا بد من توافر مواصفات بعينها فيمن يقوم بالترجمة، إذ لا تكفي معرفته باللغة الأصلية للنص معرفة أكاديمية، بل تلزمه ممارسة واعية متفهمة لمدلولات الألفاظ في تلك اللغة، مع دراسة دقيقة للظروف، والزمان، والمكان، والخلفيات الاجتماعية والنفسية،التي كتب فيها النص، وأيضا دراسة لغوية دقيقة لمدلولات الألفاظ، في اللغة التي يترجم إليها، إذ أن للمسرح لغته الخاصة، فيها تناسق شديد بين اللفظ مع غيره من الألفاظ، وبين اللفظ وإيقاعه الدرامى، مع إدراك لفنون البيان والبديع في اللغتين، واضعا نصب عينه استخدام لغة تجرى على لسان الناس، ألفوها، وأنسوا إليها، وغير مجهدة في محاولة تتبع مغزاها، وذلك من خلال حوار يتسم بالرشاقة اللفظية، مع مواءمة الألفاظ للسياق العام، وللإيقاع الدرامى النابض بالفن، والتركيبة الشخصية، مع مراعاة الدين والعادات والتقاليد الرصينة الجديرة بالاحترام، والمراد التأكيد عليها، في المجتمع الذي يترجم إلى لغته، ولن يتأتى هذا إلا من شخص يتوافر لديه الحس الدرامى، والمعرفة بأحوال الحركة المسرحية، وظروف الإنتاج، وذلك حتى تتحقق له المصداقية الدرامية من خلال رؤية متكاملة للنص من حيث مفرداته، مع الاهتمام الفنى لإبراز مفهوم النص وعناصره الأساسية.
ومما سبق يتضح جليا أن الترجمة للمسرح، إنما هى فن قائم بذاته، يغذى المسرح بروائع الإبداع العالمي، وهى ترجمة تفسيرية درامية، تفسر النص، وتعيد صياغته، يقوم بها خاصة ممن لهم الحس الدرامى مع معرفة دقيقة باللغتين، الأصلية المترجم إليها، ولا بد للمترجم أيضا من معرفة بفن التمثيل المسرحي، مدركا أنه يؤدى رسالة سامية في تفاعل الحضارات، وحوارها الدائم، يختار مفرداته بعناية، ويوظف أنسب أشكال اللغة سواء أكانت فصحى أم عامية ويترجم إليها، وهكذا يتضح مما سبق أننا ناقشنا وأبرزنا الترجمة المسرحية، كعملية إبداعية، فنية، لا بد من تكامل عناصر بعينها حتى تحقق هدفها المنشود بعيدا عن النقل الحرفي، والزخرفي المبالغ فيه.










