البنية الدرامية.. الحبكة.. الدراماتورج .. الإعداد.. الاقتباس.. التوليف
رأيت أنه لزاما أن نقف على تلك المصطلحات حيث أنها قد شاع استخدامها بعشوائية ولذا كتبت تلك المقالة وضعا للنقاط على الحروف
البنية الدرامية والحبكة
تتداخل الحبكة مع البنية الدرامية تداخلًا وثيقًا، إلا أن لكل منهما دلالته الخاصة.
البنية الدرامية: هي النظام أو الهيكل الكلي الذي تنتظم من خلاله عناصر العمل الدرامي وعلاقاتها، بما يحقق تطور الفعل والصراع عبر الزمن والمكان، وتتشكل في البناء الدرامي التقليدي، من مراحل تبدأ بالتقديم والتعريف بالشخصيات والموقف، ثم نشوء الصراع وتصاعده وتعقّد المواقف، وصولًا إلى الذروة، فالانفراج، ثم النهاية التي تكشف مآل الصراع ومصائر الشخصيات.
الحبكة: هي الطريقة التي تُرتَّب بها الأحداث وتُربط بعلاقات السببية والتصاعد والصراع، بحيث يقود كل حدث إلى ما يليه، وتتنامى الأفعال والمواقف وصولًا إلى نتيجة درامية.
وبذلك يمكن القول إن البنية الدرامية هي الهيكل الكلي الذي ينظم عناصر العمل وعلاقاتها، بينما الحبكة هي آلية تنظيم الأحداث والفعل والصراع والتحولات داخل هذا الهيكل، وتوجيهها نحو الذروة والانفراج والنهاية.
لكن العلاقة بينهما ليست جامدة إذ يمكن أن تتخذ الحبكة أشكالًا متعددة، كالحبكة الخطية أو الدائرية أو المتقطعة أو المتوازية أو غير الخطية، وفق الطريقة التي يُنظَّم بها الفعل الدرامي داخل البنية، وطبيعة الرؤية التي يعتمدها المؤلف أو المخرج.
يمكن تصنيف أنواع الحبكة الدرامية وفق طريقة ترتيب الأحداث والعلاقات بينها، وأبرزها:
الحبكة الخطية: تتتابع الأحداث زمنيًا ومنطقيًا من البداية إلى النهاية، بحيث يقود كل حدث إلى ما يليه.
الحبكة غير الخطية:لا تلتزم بالتتابع الزمني، وتستخدم الاسترجاع والاستباق والقفزات الزمنية وإعادة ترتيب الأحداث.
الحبكة الدائرية:تنتهي الأحداث عند نقطة أو حالة تعود إلى البداية أو تشبهها، بما يمنح العمل بناءً دائريًا.
الحبكة المتوازية:تتداخل مسارات أو خطوط درامية متعددة، تسير جنبًا إلى جنب وقد تتقاطع في نقاط معينة.
الحبكة المتقطعة أو المفككة:تتكون من مشاهد أو أحداث قد تبدو منفصلة، ولا ترتبط بالضرورة بعلاقات سببية تقليدية، ويُطلب من المتلقي إعادة تركيب دلالاتها.
الحبكة المتشعبة:تتفرع الأحداث من مسار رئيسي إلى مسارات متعددة، نتيجة تعدد الشخصيات أو الصراعات أو الاحتمالات.
الحبكة الإطارية:توجد قصة رئيسية تحتوي داخلها قصة أو قصصًا أخرى، كما في بعض أشكال الحكي داخل الحكي.
والأهم نقديًا: هذه الأنواع ليست دائمًا منفصلة تمامًا؛ فقد يجمع العمل الواحد بين أكثر من نمط، مثل حبكة غير خطية ودائرية في الوقت نفسه.
توظيف الحبكة بين كتابة النص المسرحي والإعداد والاقتباس والتوليف
الحبكة تختلف في طريقة توظيفها بين كتابة النص المسرحي الأصلي وبين الإعداد المسرحي، لكن أنواع الحبكة نفسها لا تتغير، الذي يتغير هو مصدر الحبكة وطريقة إعادة تشكيلها.
في كتابة النص المسرحي: يبتكر المؤلف الحبكة من البداية، ويحدد ترتيب الأحداث والعلاقات السببية ومسار الصراع وفق رؤيته.
في الإعداد المسرحي: تكون هناك حبكة أصلية موجودة في النص المصدر، ويقوم المعدّ بالاختزال أو الحذف أو إعادة الترتيب أو الدمج أو تفكيك الأحداث، وقد يحول حبكة خطية إلى غير خطية، أو يجعلها أكثر تكثيفًا أو دائرية، بحسب رؤيته الإخراجية أو الدراماتورجية.
الإعداد لا يعني اختصار الحبكة فقط؛ فقد يكون تدخل المعدّ في الحبكة عميقًا إلى درجة إعادة بناء بنيتها الدرامية، مع بقاء صلتها بالنص الأصلي.
الحبكة في النص الأصلي هي بناءٌ يؤسسه المؤلف، أما في الإعداد فهي بناءٌ يُعاد تشكيله انطلاقًا من مادة سابقة، مع الحفاظ على جوهر الصراع أو إعادة تعريفه وفق رؤية المعدّ.
مثال: إذا كان النص الأصلي يعتمد حبكة خطية طويلة، فقد يحذف المعدّ أحداثًا وشخصيات، ويعيد ترتيب بعض الوقائع، فينتج حبكة خطية مكثفة، وقد يعيد ترتيب الوقائع زمنيًا، فتصبح غير خطية، دون أن يفقد العمل صلته بالحبكة الأصلية.
الدراماتورج، والإعداد، والاقتباس، والتوليف
الدراماتورج: هو عملية فكرية وتحليلية تتعلق بفحص النص وبنيته الدرامية وشخصياته وصراعاته وإمكاناته المسرحية، وقد تمتد إلى إعادة تنظيم بعض عناصره أو اقتراح تعديلات عليه بما يخدم الرؤية المسرحية، الدراماتورج لا يعني بالضرورة إعادة كتابة النص، بل قد يقتصر دوره على التحليل والمشورة والتدخل في بنية العرض والنص بحسب طبيعة التجربة المسرحية.
الإعداد: هو إعادة صياغة مادة أدبية أو مسرحية سابقة لتصبح صالحة للعرض المسرحي، من خلال الاختزال والحذف والدمج وإعادة ترتيب الأحداث أو الشخصيات، مع إمكانية إعادة بناء بعض عناصر الحبكة والبنية الدرامية، مع بقاء صلة واضحة بالمادة الأصلية.
الاقتباس: هو الإفادة من عمل أدبي أو مسرحي سابق بوصفه مصدرًا أو منطلقًا لإنتاج عمل جديد، وقد يحتفظ المقتبس ببعض الشخصيات أو الأحداث أو الفكرة الأساسية، مع إجراء تغييرات تتفاوت في مدى قربها من الأصل، لذلك قد يكون الاقتباس قريبًا من المصدر أو حرًّا في معالجته له.
التوليف: هو بناء نص أو عرض جديد من خلال الجمع والانتقاء والتركيب بين مواد أو نصوص أو مصادر متعددة، بحيث تنتظم هذه المواد في صياغة جديدة تخدم رؤية واحدة، ولا يشترط أن يكون هناك نص أصلي واحد يُعاد تشكيله، إذ يمكن أن تتعدد مصادر التوليف وتختلف طبيعتها.
وبذلك، فإن الفارق الأساسي بينها يتمثل في طبيعة العلاقة بالمادة الأصلية وحجم التدخل فيها: فالدراماتورج يركز أساسًا على التحليل والبناء الدرامي وإمكانات تحويل النص إلى فعل مسرحي، والإعداد يعيد صياغة مادة قائمة لتلائم العرض المسرحي، والاقتباس ينطلق من عمل سابق لإنتاج صياغة جديدة بدرجات متفاوتة من القرب منه، بينما يقوم التوليف على جمع وتركيب مواد متعددة في بنية جديدة.
ولذلك قد يكون التوليف جزءًا من الإعداد أو الدراماتورجيا، وليس بالضرورة نوعًا مستقلًا منهما.
تعريف الدراماتورج
تعريف د. إبراهيم حمادة للدراماتورج على أنه : «المستشار الأدبي والفني» له قيمة تاريخية واصطلاحية، لكنه في رأيي ليس أدق تعريف جامع للدراماتورج المعاصر؛ لأنه يصف وظيفة مهمة من وظائفه أكثر مما يحدد طبيعة الوظيفة كلها.
فالمصطلح تطور تاريخيًا من الاهتمام بالنصوص وقراءتها والاستشارة الأدبية إلى مجال أوسع يشمل تحليل البنية الدرامية، والعمل مع النص، ومتابعة انتقاله إلى العرض، والتعاون مع المخرج والمؤلف وفريق العمل، وتؤكد بعض المراجع المسرحية العربية هذا الاتساع في مفهوم الدراماتورج، بحيث لا يقتصر على الاستشارة الأدبية.
ويعرف قاموس كامبريدج الدراماتورج بأنه: خبير في فن ونظرية كتابة المسرح وإنتاجه، يقوم بتحرير النص أو تقديم المشورة بشأنه.
الدراماتورج هو المتخصص في تحليل النص والبنية الدرامية وتطوير إمكاناتهما المسرحية، ويعمل مستشارًا وشريكًا إبداعيًا للمؤلف والمخرج، وقد يتدخل في إعداد النص أو إعادة صياغته أو متابعته خلال البروفات، بما يخدم الرؤية النهائية للعرض.
وهذا التعريف أفضل من «المستشار الأدبي والفني» وحدها؛ لأنه يوضح ماذا يفعل الدراماتورج، ولا يكتفي بتسمية وظيفته، ولكن يمكن الاستفادة من تعريف إبراهيم حمادة ونعرف الدراماتورج بأنه «المستشار الأدبي والفني»، وهو تعريف يعبّر عن جانب أساسي من وظيفته، إلا أن مفهوم الدراماتورج تطور ليصبح أكثر اتساعًا من مجرد الاستشارة، إذ يشمل تحليل النص وبنيته، وتطويره، ومتابعة تحوله من النص إلى العرض.
والتعريف بهذه الصيغة يمكن من التفرقة بوضوح بين الدراماتورج والإعداد والاقتباس والتوليف، فالدراماتورج ليس مرادفًا للمعدّ؛ قد يقوم بالإعداد، لكنه ليس بالضرورة معدًّا، كما أن عمله قد يمتد إلى ما قبل النص وما بعده وصولًا إلى البروفات والعرض.










