المسرحي الليبي د. عماد خماج يكتب.. منيرة الغرياني.. حين يصبح المسرح انتماءً لا مهنة


فنانة اختارت الخشبة، فاختارتها الخشبة جزءاً من ذاكرتها في المشهد المسرحي الليبي، ثمة أسماء لا تُقاس قيمتها بعدد الأعمال التي شاركت فيها فحسب، ولا بحجم حضورها الإعلامي، وإنما بما راكمته من أثر فني وإنساني، وبما تركته من حضور داخل ذاكرة المسرح وجمهوره. ومن بين هذه الأسماء تبرز الفنانة والأكاديمية منيرة الغرياني، مديرة المسرح الوطني في طرابلس، بوصفها واحدة من التجارب الفنية التي ارتبط اسمها بخشبة المسرح ارتباطاً يتجاوز حدود المهنة إلى معنى الانتماء.
لم تكن علاقتها بالمسرح علاقة عابرة فرضتها ظروف العمل أو مرحلة من مراحل المسيرة الفنية؛ فقد اختارت الخشبة عن وعي، وظلت وفية لهذا الاختيار على امتداد سنوات طويلة من العطاء. وعلى خشبة المسرح، قدمت الغرياني شخصيات متعددة ومتباينة، وأظهرت قدرة لافتة على الانتقال بين الحالات والشخصيات، مستندة إلى أدوات الممثل، وإلى خبرة تراكمية صنعتها سنوات الممارسة والبحث والتجربة.
ولعل خصوصية تجربتها لا تكمن في تعدد الشخصيات التي جسدتها فحسب، وإنما في قدرتها على منح كل شخصية خصوصيتها الداخلية والجسدية والنفسية، بحيث لا تبدو الشخصية تكراراً لما سبقها، بل تجربة جديدة تُبنى من داخل النص ومنظومة العرض والرؤية الإخراجية. وهنا تحديداً تظهر قيمة الممثل الذي لا يكتفي بأداء الدور، بل يسهم في إنتاج معناه وفي تشكيل حضوره على الخشبة.
المسرح بوصفه اختياراً جمالياً وأخلاقياً
من أكثر الجوانب دلالة في تجربة منيرة الغرياني موقفها الواضح من علاقتها بالمسرح مقارنة بالدراما والسينما. فقد عُرض عليها، في مناسبات متعددة، الانتقال إلى مجالات الدراما التلفزيونية والسينمائية، وحاول عدد من المخرجين استقطابها للمشاركة في أعمال مختلفة.
لكنها ظلت متمسكة بخيارها.
ولم يكن هذا الرفض نابعاً من موقف سلبي تجاه الدراما أو السينما، بل من قناعة فنية راسخة بأن خشبة المسرح هي المجال الذي اختارته، وأن علاقتها بها أصبحت جزءاً من هويتها الإبداعية. فثمة فنانون يتعاملون مع المسرح بوصفه محطة ضمن مسارهم، وثمة آخرون يصبح المسرح بالنسبة إليهم وطناً فنياً لا يغادرونه بسهولة؛ ومنيرة الغرياني تنتمي بوضوح إلى الفئة الثانية.
إن الإخلاص للمسرح، في زمن أصبحت فيه الصورة التلفزيونية والسينمائية أكثر قدرة على الوصول إلى الجمهور والانتشار، يمثل في حد ذاته موقفاً فنياً يستحق التوقف عنده؛ لأن قيمة الفنان لا تُقاس دائماً باتساع مساحة الظهور، وإنما بعمق اختياره واستمراريته وقدرته على الدفاع عن المجال الذي يؤمن به.
#فنانة في ذاكرة المسرح الليبي.
منيرة الغرياني ليست مجرد ممثلة أدت أدواراً على خشبة المسرح، بل هي جزء من جيل ساهم في الحفاظ على استمرارية التجربة المسرحية الليبية، وراكم حضوراً فنياً ومعرفياً عبر عقود من العمل.
ومن هنا، فإن قراءة تجربتها لا ينبغي أن تنفصل عن تاريخ المسرح الليبي نفسه؛ فالفنان الحقيقي لا يُقرأ خارج السياق الذي نشأ فيه، ولا يمكن اختزال مسيرته في مشاهد أو أدوار متفرقة. إنما تُقرأ التجربة في سياقها التاريخي والفني، وفي علاقتها بالأجيال والمخرجين والمؤسسات والجمهور والتحولات التي عرفتها الخشبة الليبية.
ولهذا فإن الحديث عن منيرة الغرياني هو، في جانب منه، حديث عن مرحلة من مراحل المسرح الليبي، وعن جيل آمن بأن المسرح ليس مجرد مهنة، وإنما مسؤولية ثقافية وفنية، وأن المحافظة على الخشبة تعني المحافظة على جزء من الذاكرة الإبداعية للمجتمع.
أما الذين لا يعرفون من هي منيرة الغرياني، أو ماذا قدمت للمسرح الليبي، فإن الطريق إلى المعرفة لا يبدأ بإطلاق الأحكام، وإنما بالعودة إلى التاريخ، ومشاهدة الأعمال، وقراءة التجارب، والاستماع إلى شهادات من عاصروا تلك المراحل. فالفن لا يُحاكم بالانطباعات العابرة، ولا تُقاس التجارب الفنية الجادة بتعليقات عابرة على منصات التواصل الاجتماعي.
أما الذين يعرفون تاريخ المسرح الليبي ويقرأون تجاربه ضمن سياقاتها الفنية والتاريخية، فسيدركون أن اسم منيرة الغرياني ليس اسماً عابراً في المشهد، بل اسم ارتبط بخشبة المسرح، وبجيل من الفنانين الذين حملوا مسؤولية الاستمرار، وقدموا سنوات من أعمارهم خدمة لهذا الفن.
الخشبة التي اختارتها واختارتها
ربما يمكن اختصار تجربة منيرة الغرياني كلها في فكرة واحدة: أنها اختارت المسرح، ثم اختارت أن تظل وفية لهذا الاختيار.
وفي زمن تتعدد فيه المسارات وتتغير فيه أولويات الفنانين، يبقى هذا النوع من الوفاء نادراً؛ لأن المسرح، في نهاية المطاف، لا يمنح الفنان دائماً ذلك البريق الذي تمنحه الشاشة، لكنه يمنحه شيئاً آخر أكثر عمقاً: علاقة مباشرة وحية مع الجمهور، وذاكرة لا تُبنى في لحظة، وإنما تتشكل عرضاً بعد عرض، ودوراً بعد دور، وسنة بعد سنة.
لهذا تستحق الفنانة والأكاديمية منيرة الغرياني التحية والتقدير، ليس فقط لما قدمته من أدوار وتجارب فنية، وإنما أيضاً لموقفها من المسرح، ولإصرارها على أن تظل الخشبة فضاءها الإبداعي الأول.
إنها واحدة من أولئك الفنانين الذين لم يكتفوا بأن يعملوا في المسرح، بل جعلوا من المسرح جزءاً من سيرتهم ومن ذاكرتهم ومن هويتهم الفنية.
كل التحية لمنيرة الغرياني؛ للفنانة التي لم تبحث عن خشبة بديلة، لأنها آمنت أن خشبتها الأولى كانت، وما زالت، جديرة بكل هذا الوفاء.

شاهد أيضاً

بعد رحلة في أغاني الفيديو كليب : جمال أمل مخرجاً لأول مرة في مسلسلات الدراما.. ميرنا جميل إمرأة مطلقة .. ماشية عكس!!

كتب نادر أحمد بعد مشوار طويل في إخراج أغاني الفيديو كليب ، يخوض مخرج الكليبات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *