في مطلع القرن العشرين، انفتحت بوابات الفن والأدب على فضاءات كانت تُعد حتى الأمس القريب من المحرمات الاجتماعية، ولم يكن هذا الانفتاح، في حقيقته، مجرد رغبة في التحرر أو كسر القيود، بل كان انعكاسًا لبنية اجتماعية واقتصادية جديدة فرضتها الحداثة الغربية، ولعل “أدب المواخير” – ذلك النتاج الإبداعي الذي اتخذ من بيوت الهوى والظلال الخلفية للمدن موضوعًا له.
وكلمة الماخور في معجم المعاني الجامع هو مصطلح يُطلق على بيت الدّعارة أو مجلس الفسق والفجور وشاربي الخمر، ويُجمع على “مواخِر” و”مواخير”، ويعد الماخور: مجمع أهل الريبة والفساد، أو المكان الذي يُدار لأعمال الدعارة والقوادة، وطبقا لقاموس النور الماخور كلمة معرّبة أو دخيلة وليست عربية أصيلة بمبناها، وأصلها من الفارسية (ميخور) المركبة من (مي) بمعنى خمر و(خور) بمعنى شرب، ثم أُطلقت مجازاً على كل مكان يُرتكب فيه الفساد والمنكر.
ويمثل هذا الاتجاه الفني ذروة هذا التحول؛ حيث تحول الجسد الإنساني هناك إلى مادة للاستهلاك، وسلعة تُباع وتُشترى لتلبية رغبات عابرة، هذا النتاج الفني لم يكن يهدف إلى تمجيد الإنسان، بل كان يسجل، بوعي أو بدون وعي، لحظة تاريخية فارقة جرى فيها تجريد الفرد من خصوصيته الروحية ليصبح مجرد أداة لإمتاع الآخرين، وتحويل الألم البشري والفقر إلى مادة قابلة للقراءة والفرجة الفنية تحت مسمى “الواقعية”، وتتجلى هذه النظرة التشييئية بوضوح في الرواية العربية والعالمية؛ فنرى في رواية ” زقاق المدق ” لنجيب محفوظ كيف تحولت شخصية ” حميدة ” من كائن إنساني له أحلامه إلى سلعة جرى تشكيلها واستهلاكها في حانات ومواخير الشوارع الخلفية لتلبية رغبات الجنود الإنجليز، وفي الأدب العالمي نجد فكتور هوجو في ” البؤساء ” يقدم مأساة ” فانتين ” التي باعت جسدها وشعرها وأسنانها مدفوعة ببطش الحاجة المادية، مما يثبت أن الفن حين يقترب من هذه المساحات غالبًا ما يوثق جريمة الرأسمالية في حق الجسد البشري لا تحرره.
من هذا المنطلق، يمكننا قراءة ظاهرة ” موديل الرسم ” التي يتباكى البعض على انقراضها، لا باعتبارها مظهرًا من مظاهر التنوير، بل كأحد تمثيلات الاستغلال الرأسمالي والحداثي لجسد الإنسان، إن النظر إلى الجسد البشري، رجلاً كان أو امرأة، بوصفه مجرد ” مرجع حي ” لدراسة الظلال والأبعاد والتشريح، هو اختزال مادي مجحف ينزع عن الإنسان بعده الأخلاقي والروحي، أليس من الإهانة بمكان أن يُطلب من كائن بشرى، كرمه الخالق، أن يتجرد من ثيابه تمامًا، ويثبت لساعات طويلة تحت وطأة البرد أو التعب، ليتحول إلى ” طبيعة صامتة ” تشبه الفاكهة أو الجماد، فقط لكي يتسلى فنان برسم خطوطه؟
إن فلسفة الحداثة والمنظومة الرأسمالية قامت أساسًا على فكرة تسليع كل شيء، ولم يسلم الجسد البشري من هذه الدوامة، وتتضح هذه الرؤية بعمق عند فيلسوف مدرسة فرانكفورت النقدي ” تيودور أدورنو ” في تحليله لـ ” صناعة الثقافة “، حيث جادل بأن الرأسمالية المتقدمة نجحت في تحويل الفن من أداة للتحرر إلى آلية لـ ” التشييؤ ” ، أي تحويل العلاقات الإنسانية والجسد البشري إلى علاقات بين أشياء قابلة للتبادل التجاري والمنفعة المادية، فالرأسمالية لا ترى في الجسد قيمة عليا بذاته، بل ترى فيه أداة للإنتاج أو مادة للاستهلاك والتربح، وحين يدافع البعض عن عُري الموديل بدعوى البحث عن الجمال، فإنهم يغفلون عن حقيقة أن هذا الفعل يمثل في جوهره عملية نفعية؛ حيث يتم استخدام حاجة الموديل المادية (الفقر في كثير من الأحيان) لإجباره على وضعية مهينة لا تليق بكرامته الإنسانية، إن الإبقاء على الجسد عاريًا أمام حشد من الرسامين والطلاب، وتحويل حركته الحرة إلى جمود قسري، هو امتداد صريح لمنطق ” السوق ” الذي يبيح استخدام الإنسان كوسيلة لا كغاية في حد ذاته، وهو ما يتناقض تمامًا مع ” الأمر المطلق ” في الفلسفة الكانطية الذي يحتم معاملة الإنسان دائمًا كغاية وليس كمجرد وسيلة.
لذلك، فإن تراجع هذه المهنة وانقراضها في مجتمعاتنا لم يكن بفعل ” دوغمائية دينية ” أو تراجع ثقافي كما يُروج، بل كان انتصارًا لوعي فطري يرفض المهانة ويأبى أن يتحول ابن آدم إلى معروض فني، إن كرامة الجسد البشري تنبع من كونه غلافًا للروح والنفس الإنسانية، وليس مجرد كتلة عضلية أو أبعاد تشريحية تُقاس بالمسطرة والقلم، والجمال الحقيقي لا يكمن في تعرية الجسد وعرضه للاستهلاك البصري، بل في صون حرمته واحترام خصوصيته، إن التمسك برفض هذه الظواهر ليس انغلاقًا، بل هو دفاع أصيل عن الإنسان ضد محاولات التجريد والسلعتة الحداثية التي تريد نزع القداسة عن كل ما هو بشري وإنساني.
باحث في علم الاجتماع والانثروبولجي









