لم أكن أظن أن عودة اسمي إلى المشهد المسرحي، بعد سبع سنوات من الغياب، ستثير كل هذا الصخب.أربعون عامًا في رحاب المسرح، وثلاثون عامًا في مسيرة «مسرح الشارع»؛ أسست خلالها فرقة السويس لمسرح الشارع، وشاركت في مهرجانات مصرية ودولية، وحصدت جوائز وتكريمات، ودربت أجيالًا، وأسست فرقًا، وقدمت احتفالات أكتوبر ثلاثة عشر عامًا متصلة.ثم غبت سبع سنوات.كانت الساحة خلالها مفتوحة أمام الجميع، وكان بوسع من أراد أن يعمل أن يعمل، ومن أراد أن يصنع تجربة أن يصنعها. ولم أتابع أحدًا، ولم أنافس أحدًا، ولم أتدخل في عمل أحد.لكن عودتي إلى المشهد من خلال مشروع احتفالات السويس بعيدها القومي كشفت عن أمر آخر؛ فقد بدأت محاولات لإقصائي، بالتزامن مع ترديد أقاويل لا أساس لها من الصحة.فقد بلغني أن هناك من يردد أنني «ممنوع من الإخراج»، وأن «الإدارة العامة للمسرح منعتني من مزاولة الإخراج لمدة سبع سنوات».ومن المؤسف أن تُتداول مثل هذه الأقاويل.
فأين القرار الذي منعني من الإخراج؟ وأين الجهة التي أصدرت قرارًا بمنعي من مزاولة عملي طوال سبع سنوات؟
لم يصدر بحقي مثل هذا القرار.
وأقولها بوضوح: لا توجد جهة رسمية تمنعني من العمل، وإنما ما أواجهه هو سعي إلى إقصائي.
وهنا يصبح السؤال الأهم:
لماذا؟لماذا يصبح اختلاف الفنان سببًا لإبعاده؟
ولماذا تتحول الشللية والقبلية والتمييز إلى أدوات لتحديد من يُستدعى ومن يُستبعد؟
ولماذا يُستعان بصاحب نفوذ سياسي، وبأحد أبناء جلدته، في شأن فني يفترض أن يجمع ولا يفرّق؟ويتصل بذلك ما جرى مع الأستاذة هويدا، مدير عام فرع ثقافة السويس، التي وافقت على مشروعي ورفعته إلى الإدارة المركزية لإقليم القناة منذ شهر، ثم بدأت الحملة ضدها.وهنا يفرض التوقيت سؤالًا آخر:هل المشكلة في الأستاذة هويدا، أم في أنها وافقت على مشروع محمد الجنايني؟وهل أصبح المشروع، وصاحبه، سببًا في الاستعانة بنفوذ سياسي لمحاولة الإقصاء؟
القضية في جوهرها ليست مسألة دعم أو عدم دعم، وإنما تتعلق بمعايير التعامل مع الفنان، وبالشللية والقبلية والتمييز وإقصاء المختلف.ومن يرى نفسه أحق، فليضع تجربته أمام تجربة غيره، وليترك للمسرح والجمهور والتاريخ أن يقولوا كلمتهم.
أنا لا أطلب استثناءً، ولا مجاملة، ولا إقصاء أحد من أجلي.
أطالب فقط بأن يكون معيار الاختيار هو الفن، وأن تكون الساحة مفتوحة أمام الجميع، وأن يُقيَّم الفنان وفق تجربته وعطائه، لا وفق انتمائه أو علاقاته.
أربعون عامًا في المسرح، وثلاثون عامًا في مسرح الشارع، ومهرجانات وجوائز وتكريمات وفرق وأجيال واحتفالات؛ هذه مسيرة يعرفها أهل السويس وتشهد عليها المدينة.
لذلك أقولها بهدوء وحسم:
لن أدخل معركة أشخاص، لكنني لن أقبل أن تُشوَّه تجربتي، أو تُختلق بشأنها وقائع لم تحدث، أو يُستخدم النفوذ لإقصائي.
فمن أراد المنافسة، فليكن الميدان هو المسرح.ومن أراد الاختلاف، فليكن الاختلاف في الفن.
ومن يرى أن تجربته أحق بالحضور، فليقدمها للناس.
أما أن يصبح الانتماء أو الشللية معيارًا للحضور والغياب، فهذا ما أرفضه.فهل يكون معيار الفنان هو فنه… أم انتماؤه؟فالسياسة تتغير، والأشخاص يتبدلون، والتكتلات تنتهي.أما الفن الحقيقي، فيبقى.
والسويس تعرف أبناءها.
جريدة الاخبارية سياسية::شاملة::مستقلة
