د. حسام عبدالغفار يكتب .. أسمعُك.. ولكنّي لا أراك

«يرنّ الهاتف قرب منتصف الليل. صوتٌ قلِق على الطرف الآخر: «معلش يا دكتور على الإزعاج.. أبويا عنده دوخة من العصر، أدّيله إيه؟». وقبل أن تجيب، تأتي الجملة التي يعرفها كل طبيب: «أنا عارف إنك مش هتكشف، بس قولّي بس…». وفي هذه الـ«بس» تحديدًا يسكن واحدٌ من أخطر الأوهام في علاقتنا بالطب: أن التشخيص معلومةٌ جاهزة في رأس الطبيب، يكفي أن تطلبها بالكلمات لتحصل عليها بالكلمات.
قد يبدو غريبًا أن يقول أستاذٌ في علوم السمع إن السمع وحده لا يكفي، لكننا في عيادات السمع لا نكتفي بقول المريض «لا أسمع»، بل نقيس ونتحقق؛ فالشكوى إشارةٌ ثمينة، لكنها ليست القياس.
والمكالمة الطبية قناةٌ ضعيفة الإشارة كثيرة الضوضاء: قلق المتصل ونسيانه، وأنه غالبًا ينقل عن غيره، ثم عجز الكلمات عن وصف الإحساس. فكلمة «دوخة» وحدها قد تعني دوارًا من الأذن الداخلية، أو قربَ إغماءٍ من القلب أو الضغط، أو اختلالَ اتزانٍ عصبي المنشأ، بل قد تكون بداية سكتة دماغية. وانسداد الأذن المفاجئ الذي يُنصح له هاتفيًا بـ«نقطتين للشمع» قد يكون فقدانًا عصبيًا مفاجئًا للسمع، تتضاءل فرص علاجه مع كل يوم تأخير.
صحيحٌ أن الإصغاء يقود إلى معظم التشخيصات، لكن الطبيب في العيادة يسمع ويرى معًا: لون الوجه، والعرق، وإيقاع التنفس، والمشية. وما لا يكشفه السؤال هو بالضبط موضع الحالات الخطرة غير النمطية، كجلطة القلب التي تأتي في صورة «حموضة».
الطب قرارٌ في ظل عدم اليقين، يُبنى على احتمالاتٍ تُعدَّل مع كل معلومة جديدة. والمكالمة تحرم الطبيب من أدوات هذا التعديل، فيتوقف عند أول تفسيرٍ مقبول لا عند التفسير الصحيح. وحين يكون ثمن الطمأنة الخاطئة حياةً أو حاسّة، لا يملك الطبيب المسؤول إلا أن يطلب المعاينة.
الهاتف يصلح لسؤال «متى؟» لا لسؤال «ما هو؟»: الطوارئ الآن، أم العيادة اليوم، أم الانتظار مع المراقبة. أما ألم الصدر، وضيق التنفس، والصداع المفاجئ الشديد، والضعف في جانبٍ من الجسم، وفقدان السمع أو البصر المفاجئ، فتستوجب التوجه إلى الطوارئ أو الاتصال بالإسعاف (١٢٣) فورًا.
واعتذار الطبيب عن التشخيص الهاتفي ليس تقصيرًا في المودة، بل هو أعلى درجات المسؤولية. فإذا قال لك طبيبك: «أسمعك.. ولكني لا أراك»، فاعلم أنه لا يرفض مساعدتك، بل يرفض أن يخاطر بك.

شاهد أيضاً

محافظ المنوفية يتابع تنفيذ مستشفى الشهداء الجديدة باستثمارات تجاوزت مليار و300 مليون جنيه

ويوجه بتذليل العقبات وتسريع وتيرة العمل المحافظ يتفقد وحدة طب الأسرة بكفر دنشواي ويطمئن علي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *