شحاته زكريا يكتب.. الأزمة لم تعد هناك.. إنها هنا


يخيل للمرء أحيانا وهو يطالع نشرات الأخبار المسائية أن العالم ينقسم إلى فسطاطين لا يلتقيان: فسطاط تدور فيه الحروب وتشتعل في سمائه النيران وفسطاط آخر ينعم بالسكينة ويكتفي بمتابعة المأساة كمتفرج يملك رفاهية إغلاق شاشة التلفاز متى شاء. غير أن هذه الطمأنينة المصطنعة ليست سوى وهم كبير تبدده وقائع العصر يوما بعد يوم. فحين تحتدم نذر المواجهة بين واشنطن وطهران وتتحول مياه الخليج وبحار المنطقة إلى ساحة استعراض للقوة وتلويح بالدمار يتصور المواطن البسيط أن الأمر شأن يخص الجنرالات وساسة القوى العظمى وأن آلاف الأميال التي تفصله عن مسرح العمليات كافية لتبقيه في مأمن من الشظايا. لكن الحقيقة الأكثر قسوة ومباغتة في عالمنا المتشابك هي أن الأزمة لم تعد تقف هناك خلف الحدود والخرائط لقد تسللت بكل خفة لتستقر هنا في صلب تفاصيل يومنا وقوت بيوتنا.. تاريخ الحروب المعاصرة لم يعد يكتب بالبارود والدم وحدهما بل بحسابات الأرقام الباردة التي لا ترحم. فكل شرارة تتطاير في مضيق هرمز أو تلوح في أفق البحر الأحمر تجد صداها الفوري في غرف التجارة وشاشات البورصات العالمية. ترتفع ألسنة اللهب في السماء البعيدة فترتفع معها في اللحظة ذاتها أقساط التأمين على السفن وناقلات النفط، وتضطر كبرى خطوط الشحن إلى سلك طرق بديلة تلتف حول القارات حاملة معها تأخيرا في المواعيد وتراكما في الأعباء المالية. هذه الزيادات التي تبدو في ظاهرها مجرد أرقام في حسابات شركات عملاقة لا يبتلعها الفضاء الافتراضي بل تهبط بثقلها كله فوق رأس المستهلك النهائي. إنها تتحول إلى زيادة في سعر لتر الوقود وارتفاع في تكلفة تشغيل المصانع وضغط مستمر على أسعار الخضار والحبوب ومستلزمات المعيشة اليومية لم تكن تصريحات الحكومة المصرية اليوم بشأن التداعيات الخطيرة للاضطرابات الإقليمية مجرد حديث دبلوماسي عابر ولا استعراضا نظريا لأزمات الكوكب بل جاءت قراءة كاشفة ومسؤولة لواقع يمس كل بيت. وحين يتزامن ذلك مع اجتماعات مكثفة للقيادة السياسية لمتابعة احتياطيات السلع الاستراتيجية واستقرار إمدادات الطاقة فإن الرسالة تكون في غاية الوضوح: إننا نخوض معركة دفاعية لا تقل أهمية عن معارك الجيوش، لكن ميدانها هذه المرة هو الأسواق والمخازن وسلاسل الإمداد. إن الدولة التي ترى مسارات تجارتها ومواردها تتأثر بما يجري في جوارها الجغرافي المشتعل تجد نفسها مطالبة بإدارة أزمة عالمية بأدوات وطنية في ظل بيئة دولية تشهد تآكلاً غير مسبوق في اليقين الاقتصادي.. إن الخطأ الأكبر الذي يمكن أن تقع فيه المجتمعات في مثل هذه المنعطفات هو التعامل مع موجات الغلاء والضغوط الاقتصادية بمعزل عن سياقها الدولي المتفجر. فالتضخم الذي يطحن الميزانيات واضطراب تدفق السلع وتذبذب عائدات الممرات الملاحية ليست قرارات داخلية ولا أحداثا معزولة بل هي الموجات الارتدادية لزلزال يضرب عصب النظام العالمي برمته. فالرصاصة التي لا تصيب جدار بيتك مباشرة قد تصيب مصنعا في قارة أخرى يورد لك قمحك أو دواءك، فيكون أثرها عليك كأثر القذيفة سواء بسواء. لقد حولت العولمة الكوكب إلى سفينة واحدة في بحر هائج وأي ثقب في مقدمتها يهدد بالغرق كل من يجلس في مؤخرتها مهما ادعى الحياد أو تمنى السلامة لنفسه.. وهنا تبرز المسؤولية المشتركة بين الدولة والمجتمع إذ لا يمكن لأي اقتصاد مهما بلغت قوته أن يمتص صدمات خارجية بهذا الحجم بمفرده دون جبهة داخلية متماسكة وواعية. إن الوعي بطبيعة الأزمة لا يعني تبرير الصعوبات أو التغاضي عن المعاناة بل يعني تسمية الأشياء بأسمائها لمعرفة كيفية التعامل معها. إن هذا الظرف الاستثنائي يتطلب ترشيدا حكيما للموارد وإعادة ترتيب للأولويات على مستوى الدولة والأسرة معا مع إعطاء الأولوية القصوى لدعم الفئات الأكثر هشاشة في وجه العواصف السعرية والعمل الدؤوب على تعظيم الإنتاج المحلي والاعتماد على الذات لتقليل الارتهان لتقلبات سلاسل التوريد العالمية إن التاريخ يعلمنا أن الأمم لا تقاس بقوتها في أوقات الرخاء بل بصلابتها وقدرتها على التماسك حين تشتد الأزمات وتعصف الفتن بجوارها. إن العالم من حولنا يقف على حافة صفيح ساخن والصراعات التي تُدار اليوم بالوكالة أو بالأصالة تعيد رسم خرائط النفوذ والثروة بالقوة. وإذا كانت الجغرافيا قد وضعتنا في قلب هذه الدائرة العاصفة فإن السبيل الوحيد للنجاة ليس انتظار أن تهدأ الحرب هناك بل في تحصين البيت هنا بالوعي بالخطر والتكاتف الإنساني والوطني وحماية كرامة الإنسان البسيط وقوته حتى يعبر الجميع هذه العاصفة بسلام وكرامة.

شاهد أيضاً

حسن عمار يكتب.. نحو إعلام مصري يواكب الجمهورية الجديدة

نائب رئيس حزب مصر الفتاةلم يعد الإعلام اليوم مجرد ناقل للخبر أو مرآة تعكس ما …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *