د. حَمَادَةَ السَّيِّدِ عَلِيٍّ يكتب.. لِمَاذَا تَتَقَدَّمُ أُمَمٌ وَتَضْمَحِلُّ أُخْرَى؟


تُعَدُّ مَسْأَلَةُ صُعُودِ الْأُمَمِ وَاضْمِحْلَالِهَا مِنْ أَهَمِّ الْقَضَايَا الَّتِي شَغَلَتِ الْمُفَكِّرِينَ وَالِاقْتِصَادِيِّينَ عَبْرَ التَّارِيخِ.
وَانْطِلَاقًا مِنْ ذَلِكَ نَتَسَاءَلُ: هَلْ تَتَقَدَّمُ الدُّوَلُ حَقًّا بِسَبَبِ وَفْرَةِ الْمَوَارِدِ الطَّبِيعِيَّةِ، أَمْ أَنَّ هُنَاكَ أَسْبَابًا أُخْرَى؟
وَالْإِجَابَةُ الْعِلْمِيَّةُ الْحَاسِمَةُ وَالْقَاطِعَةُ هِيَ: لَا، لَا تَتَقَدَّمُ الدُّوَلُ بِسَبَبِ وَفْرَةِ الْمَوَارِدِ الطَّبِيعِيَّةِ، وَخَيْرُ مِثَالٍ هُوَ دَوْلَةُ رُووَنْدَا، الَّتِي تَكَادُ تَنْعَدِمُ فِيهَا الْمَوَارِدُ الطَّبِيعِيَّةُ، لَكِنَّهَا تَنْهَضُ بِسُرْعَةٍ مَذْهُولَةٍ مِنْ رُكَامِ الْمَاضِي لِتُسَجِّلَ قَفَزَاتٍ تَنْمَوِيَّةً هَائِلَةً، بَيْنَمَا دَوْلَةٌ كَنِيجِيرِيَا—أَكْبَرُ قُوَّةٍ نَفْطِيَّةٍ فِي الْقَارَّةِ الْإِفْرِيقِيَّةِ—يُعَانِي شَعْبُهَا وَيَعِيشُ تَحْتَ وَطْأَةِ فَقْرٍ مُدْقِعٍ.
وَعَلَى النَّهْجِ نَفْسِهِ، اسْتَطَاعَتْ دُوَلٌ مِثْلُ سِنْغَافُورَةَ وَالْيَابَانِ وَكُورِيَا الْجَنُوبِيَّةِ أَنْ تُحَقِّقَ طَفَرَاتٍ اقْتِصَادِيَّةً هَائِلَةً دُونَ يَوْمٍ وَاحِدٍ مِنَ الِاعْتِمَادِ عَلَى الْمَوَارِدِ، فِي حِينِ أَنَّ دَوْلَةَ فَنَزُويِلَا -الَّتِي تَمْتَلِكُ أَكْبَرَ احْتِيَاطِيِّ نَفْطٍ فِي الْعَالَمِ- يَتَضَوَّرُ شَعْبُهَا جُوعًا وَتَعِيشُ تَحْتَ وَطْأَةِ أَزَمَاتٍ سِيَاسِيَّةٍ وَخَارِجِيَّةٍ خَانِقَةٍ.
فَهَلْ يَعُودُ السَّبَبُ إِذَنْ إِلَى طَبِيعَةِ الْمُوَاطِنِ وَسِمَاتِهِ الْعِرْقِيَّةِ؟ إِنَّ الْإِجَابَةَ – مَرَّةً أُخْرَى – هِيَ: لَا؛ فَالْمُوَاطِنُ السِّنْغَافُورِيُّ أَوِ الصِّينِيُّ قَبْلَ مَوْجَةِ النَّهْضَةِ كَانَ يُوصَفُ بِالْكَسَلِ وَالْإِدْمَانِ وَتَدَنِّي الْإِنْتَاجِيَّةِ، لَكِنَّهُ تَغَيَّرَ كُلِّيًّا وَجَوْهَرِيًّا عِنْدَمَا تَغَيَّرَتِ الْبِيئَةُ الْمُحِيطَةُ بِهِ.
وَيَكْفِي أَنْ نُقَارِنَ بَيْنَ إِنْتَاجِيَّةِ وَتَعْلِيمِ الْمُوَاطِنِ فِي كُورِيَا الْجَنُوبِيَّةِ وَنَظِيرِهِ فِي كُورِيَا الشَّمَالِيَّةِ؛ فَالشَّعْبُ وَاحِدٌ وَالتَّارِيخُ وَاحِدٌ، لَكِنَّ الِاخْتِلَافَ الْجَذْرِيَّ بَرَزَ بَعْدَ الْحَرْبِ الْعَالَمِيَّةِ الثَّانِيَةِ بِسَبَبِ اخْتِلَافِ نِظَامَيِ الْحُكْمِ.
إِذًا، مَا الَّذِي يَجْعَلُ دَوْلَةً تَصْعَدُ وَأُخْرَى تَسْقُطُ؟ لَقَدْ قَدَّمَ عِلْمُ الِاقْتِصَادِ الْمُؤَسَّسِيِّ (Institutional Economics) الْإِجَابَةَ الْحَاسِمَةَ فِي جُمْلَةٍ وَاحِدَةٍ:
«إِنَّ الْمَسَافَةَ الَّتِي تَفْصِلُ بَيْنَ الْأُمَمِ الْمُزْدَهِرَةِ وَالْفَاشِلَةِ لَيْسَتْ مَسَافَةَ مَوَارِدَ، بَلْ مَسَافَةُ مُؤَسَّسَاتٍ؛ إِمَّا مُؤَسَّسَاتٌ شَامِلَةٌ تُتِيحُ الْفُرَصَ لِلْجَمِيعِ، أَوْ مُؤَسَّسَاتٌ إِقْصَائِيَّةٌ تَحْتَكِرُ السُّلْطَةَ وَالثَّرْوَةَ.»

  • الْمُؤَسَّسَاتُ الرَّشِيدَةُ هِيَ الَّتِي تَسْتَخْرِجُ أَبْهَى مَا فِي الْمُوَاطِنِ، فَتَدْفَعُهُ إِلَى الْإِبْدَاعِ وَالْعَمَلِ، بَلْ وَالتَّضْحِيَةِ بِحَيَاتِهِ فِدَاءً لِوَطَنِهِ حِينَمَا يَشْعُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأَمَانِ، وَعِنْدَمَا تَقُومُ الْمُؤَسَّسَاتُ عَلَى أُسُسٍ عَادِلَةٍ تَنْمُو الثِّقَةُ فِي الدَّوْلَةِ، فَتَغْدُو مَغْنَاطِيسًا يَجْذِبُ الثَّرَوَاتِ وَالْعُقُولَ الْمُبْدِعَةَ مِنْ كُلِّ بِقَاعِ الْأَرْضِ.
  • الْمُؤَسَّسَاتُ الْمُنْغَلِقَةُ: لَا تَضْمَحِلُّ الدُّوَلُ لِفَقْرِهَا، بَلْ لِأَنَّ مُؤَسَّسَاتِهَا الْمُنْغَلِقَةَ قَتَلَتْ طَاقَاتِ مُوَاطِنِيهَا، وَنَشَرَتِ الْخَوْفَ بَدَلًا مِنَ الثِّقَةِ، وَاعْتَمَدَتْ عَلَى الْوَلَاءِ لَا الْكَفَاءَةِ. وَمِنَ الطَّبِيعِيِّ جِدًّا أَنْ تَتَجَبَّرَ الْمُؤَسَّسَاتُ حِينَمَا تُعْفَى مِنَ الْمُسَاءَلَةِ وَالْمُحَاسَبَةِ.
    دَائِرَةُ الِاضْمِحْلَالِ الْمُفْرَغَةُ:
    تَتَحَوَّلُ الْمُؤَسَّسَاتُ الْمُنْغَلِقَةُ إِلَى أَدَوَاتٍ لِقَمْعِ الْمُوَاطِنِ بَدَلًا مِنْ خِدْمَتِهِ، وَمَعَ اسْتِشْرَاءِ الْقَمْعِ يَتَفَشَّى الْفَقْرُ وَتَتَرَادَعُ مَوَارِدُ الدَّوْلَةِ، فَيَلْجَأُ الْحَاكِمُ إِلَى فَرْضِ الْجِبَايَاتِ مِمَّا يُضَاعِفُ وَطْأَةَ الْفَقْرِ.
  • عَنِ الْإِبْدَاعِ: لَا تُحَدِّثْنِي عَنِ الْإِبْدَاعِ؛ فَالْمُوَاطِنُ الْفَقِيرُ مُسْتَغْرِقٌ فِي تَأْمِينِ لُقْمَةِ الْعَيْشِ.
  • عَنِ الْحُرِّيَّةِ: لَا تُحَدِّثْنِي عَنْ حُرِّيَّةِ الرَّأْيِ؛ فَالْخَائِفُ لَا يَسْتَطِيعُ مُسَاءَلَةَ السُّلْطَةِ.
  • عَنِ التَّعْلِيمِ: لَا تُحَدِّثْنِي عَنِ التَّعْلِيمِ؛ فَالْمُؤَسَّسَاتُ الْمُنْغَلِقَةُ لَا تُرِيدُ عُقُولًا نَاقِدَةً تَطْرَحُ الْأَسْئِلَةَ، بَلْ تُرِيدُ عُقُولًا مُطِيعَةً، فَتَفْرِضُ الْحِفْظَ وَالتَّلْقِينَ بَدِيلًا عَنِ الْفَهْمِ.
    وَمَعَ فَسَادِ الْمُؤَسَّسَاتِ، تَتَآكَلُ رُوحُ الِانْتِمَاءِ لِلْوَطَنِ؛ إِذْ يَشْعُرُ الْمُوَاطِنُ أَنَّ الْقَانُونَ لَا يَحْمِيهِ، بَلْ يَحْمِي الْمُؤَسَّسَاتِ وَالْفَاسِدِينَ، فَيَفْقِدُ الْإِيمَانَ بِالْوَطَنِ نَفْسِهِ، لَا بِالنِّظَامِ وَحْدَهُ.
    وَعِنْدَئِذٍ، يُصْبِحُ حُلْمُهُ الْأَسَاسِيُّ هُوَ الْهِجْرَةُ، وَالْكَارِثَةُ أَنَّ الَّذِينَ يَمْتَلِكُونَ قُدْرَةَ الْهِجْرَةِ هُمْ كَفَاءَاتُ الْأُمَّةِ مِن عُلَمَاءَ وَأَطِبَّاءَ وَمُهَنْدِسِينَ؛ فَنَقَعُ فِي السُّؤَالِ الْمَرِيرِ: كَيْفَ تَنْهَضُ بَلَدٌ تُهَاجِرُ مِنْهَا كُلُّ كَفَاءَاتِهَا؟.
    إِنَّ هَذَا التَّنَاقُضَ الصَّارِخَ يُثْبِتُ أَنَّ الثَّرْوَةَ الْحَقِيقِيَّةَ لَا تَكْمُنُ فِيمَا تُخْفِيهِ بَطْنُ الْأَرْضِ مِنْ مَعَادِنَ وَنَفْطٍ، بَلْ فِيمَا تُقِيمُهُ الدُّوَلُ مِنْ مُؤَسَّسَاتٍ عَادِلَةٍ تُحَرِّرُ طَاقَاتِ الْإِنْسَانِ وَتَبْنِي مَجْدَ الْأَوْطَانِ.
    كَمَا يُبَيِّنُ أَنَّ اضْمِحْلَالَ الْأَوْطَانِ لَا يَحْدُثُ بَغْتَةً، بَلْ هُوَ تَرَاكُمٌ بَطِيءٌ يَبْدَأُ مِنْ حَالَةِ اللَّا مُبَالَاةِ الَّتِي يَقُولُ فِيهَا الْمُوَاطِنُ: («هِيَ بَلَدُهُمْ»)، ثُمَّ يَنْتَقِلُ إِلَى الصَّمْتِ فَيَقُولُ: («خَلِّينَا فِي حَالِنَا»)، وَيَنْتَهِي بِالِانْسِحَابِ الْجَمَاعِيِّ مِنَ الْحَيَاةِ الْعَامَّةِ. أَمَّا النَّهْضَةُ، فَتَبْدَأُ حَتْمًا مِنْ لَحْظَةِ نَشْرِ الْوَعْيِ؛ حَتَّى يُدْرِكَ الْمُجْتَمَعُ أَنَّ الْعَدَالَةَ لَيْسَتْ رَفَاهِيَةً، وَأَنَّ الْحُرِّيَّةَ لَيْسَتْ تَرَفًا، بَلْ هُمَا شَرْطَا الْبَقَاءِ وَالِابْتِكَارِ.

الْكَاتِبِ الصَّحَفِيِّ الْمُتَخَصِّصِ فِي الشُّؤُونِ السِّيَاسِيَّةِ

شاهد أيضاً

مأمون الشناوي يكتب.. لا أحترمهم !!

ثروت الخرباوي وحسام الغمري وغيرهما من أمثال هؤلاء ، الذين انشقوا عن جماعة الإخوان ، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *