استردت الصين عرش الحواسيب بمعالجاتٍ لا تحتاج إلى إذن الحاسوب”لاين شاين” ليس مجرد آلة، بل هو رمز لسيادة تكنولوجية، ودليل على أن المستقبل لا يُبنى بالتراخيص، بل بالعقول. إنه يختصر سنوات من البحث في أيام، ويفتح الباب أمام اكتشافات كان يحلم بها العلماء. ورغم ثمنه الباهظ من الطاقة، فإن ما يقدمه من قوة حاسوبية قد يغير شكل البشرية.
البداية في صالةٍ بألمانيا، حيث سقط عرشٌ أمريكي
في قاعةٍ مزدحمة بمدينة هامبورغ الألمانية، حيث يجتمع نخبةُ علماء الحوسبة في العالم في مؤتمر ISC 2026، أُعلنَ خبرٌ هزَّ أركانَ صناعة التكنولوجيا. لم يكن مجرد تحديثٍ في قائمةٍ دورية، بل كان إعلاناً عن تحولٍ في ميزان القوى التكنولوجية. ففي 23 يونيو 2026، ولأول مرة منذ تسع سنوات، استعادت الصين لقبَ أسرع حاسوبٍ فائق في العالم، وفقاً لقائمة TOP500 الشهيرة.
لم يكن هذا الحاسوب، الذي يحمل اسم “لاين شاين” LineShine ، مجرد آلةٍ سريعة. لقد كان رسالةً، بل كانت صفعةً مدويةً للغرب. فهذا الصرح الحاسوبي، الموجود في المركز الوطني للحوسبة الفائقة بشنتشن,صُنع بالكامل من مكوناتٍ صينية، دون شريحةٍ واحدة من إنفيديا، أو إي إم دي، أو إنتل. إنه دليلٌ على أن الإرادةَ والعلمَ، حين يجتمعان، يستطيعان تحدي أقوى الحصار.
هذه المقالة ليست مجرد استعراضٍ لأرقامٍ تقنية، بل هي رحلةٌ في أعماق هذا الإنجاز، لفهم كيف استطاعت الصين، عبر شركة هواوي ومعالجاتها المحلية، أن تزيح الولايات المتحدة من على عرشٍ ظلت تحتفظ به لسنوات، وما الذي يعنيه هذا للمستقبل العلمي والتقني للعالم.
عندما يكون “الرقم الأول” رسالةً لا مجرد إنجاز
لم تخض الصين هذا السباقَ من فراغ. فمنذ أن شددت الولايات المتحدة قيودَها على تصدير الرقائق المتطورة إلى الصين، كان واضحاً أن واشنطن تراهن على خنق التطور التكنولوجي الصيني. لكن بكين، وكما يروي المحللون، اختارت طريقاً مختلفاً. توقفت الصين عن إرسال أنظمتها إلى قائمة TOP500 عام 2023، احتجاجاً على تلك القيود. ولذلك، كان قرارُها بإدراج “لاين شاين” في القائمة هذه المرة رسالةً سياسيةً بامتياز، وليس مجرد إجراءٍ تقني.
ويقول آديسون سنيل، من شركة أبحاث Intersect360، معلقاً على هذه الخطوة: “لستُ مندهشاً من كون النظام في المرتبة الأولى، لكن ما يُدهشني هو أنهم قاموا بتسجيله”. فالصين كانت تمتلك قدراتٍ فائقة قبل ذلك، لكنها اختارت هذا التوقيت تحديداً لتقول للعالم: قيودكم لم تنجح، ونحن نبني مستقبلنا بأيدينا.
وقد عبرت مجلة وول ستريت جورنال عن هذا المعنى، نقلاً عن المركز الوطني للحوسبة الفائقة، بأن نجاح “لاين شاين” “يمثل خطوة تاريخية لصناعة الحواسيب الفائقة الصينية في تشكيل نظام بيئي مستقل من البرامج والأجهزة، رغم القيود التكنولوجية الأجنبية”.
الرقم الذي هزَّ العالم: 2.2 كوينتليون عملية في الثانية
لكن وراء هذه الرسالة السياسية، هناك أرقامٌ مذهلة تجعل القلب يتسارع. فقد سجل “لاين شاين” أداءً بلغ 2.198 إكسافلوب (أي 2.2 كوينتليون عملية في الثانية) على اختبار Linpack القياسي. هذا الرقم يجعله أول نظام في العالم يتجاوز حاجز الإكسافلوبين باستخدام المعالجات التقليدية فقط CPUs ، وهو أسرع بنسبة 22% من النظام الأمريكي الثاني “إل كابيتان”.
وهذا الإنجاز لم يقتصر على أداء Linpack فقط، بل تصدر “لاين شاين” أيضاً قائمة HPCG (التي تقيس الأداء في التطبيقات الواقعية). وقد أكد جاك دونغارا، أحد منظمي قائمة TOP500، بعد تفقده للجهاز، أن “الصين تفوقت علينا بتطوير نظام لا يعتمد على وحدات معالجة الرسوميات”.
ولتحقيق هذا الأداء الخارق، زود المهندسون الصينيون الجهاز بـ 13.79 مليون نواة حاسوبية موزعة على 92 خزانة، تعتمد على معالجات LX2 المطورة محلياً. هذه المعالجات، التي يُعتقد أن هواوي شاركت في تصميمها، تعمل بتردد 1.55 غيغاهرتز، وكل منها يحوي 304 أنوية مبنية على معمارية Armv9.
التحدي الأكبر: كيف بنوا صرحاً دون رقائق الغرب؟
القصة الحقيقية هنا ليست في سرعة الجهاز، بل في كيفية بنائه. فمعظم الحواسيب الفائقة في العالم تعتمد على وحدات معالجة الرسوميات GPUs من شركات مثل إنفيديا وإي إم دي، والتي تعتبر العمود الفقري في عصر الذكاء الاصطناعي. لكن “لاين شاين” صُنع بدون أي معالج رسوميات من الغرب.
فبدلاً من ذلك، صمم المهندسون الصينيون معالجات LX2 لتؤدي وظائف مشابهة لتلك التي تؤديها وحدات المعالجة الرسومية، من خلال دمج وحدات حسابية متخصصة داخل المعالج نفسه. وقد جمعوا ما يقرب من 45 ألف معالج من طراز LX2، كل منها يحوي 304 أنوية، ليصلوا إلى هذا الأداء الأسطوري.
وكل هذا يعمل تحت نظام تشغيل كايلين Kylin OS ، وهو نسخة صينية من لينكس, ويرتبط عبر شبكة خاصة تسمى “لينغتشي” LingQi إنه نظام بيئي متكامل، صُنع من الصفر ليكون صينياً خالصاً.
الثمن الباهظ: 42 ميغاواط واستهلاك مدينة صغيرة
لكن كل هذه القوة تأتي بثمن. فكما يوضح تقرير فوربس، فإن “لاين شاين” يستهلك 42.2 ميغاواط من الكهرباء، وهو ما يعادل استهلاك مدينة صغيرة. هذا الرقم يجعله الأكثر استهلاكاً للطاقة بين العشرة الأوائل في القائمة، وأقل كفاءة من حيث استهلاك الطاقة لكل وحدة أداء مقارنة بـ “إل كابيتان” الأمريكي (52.07 مقابل 60.94 غيغافلوب/واط).
ويشير المحللون إلى أن هذا هو ثمن الالتفاف حول القيود. فبما أن الصين لا تستطيع شراء الرقائق الأكثر كفاءة، فإنها اختارت طريق “القوة الغاشمة”: المزيد من الأنوية، والمزيد من الكهرباء، لتحقيق الهدف. ورغم أن هذا قد يكون كافياً للفوز في سباق السرعة، إلا أن البعض يتساءل: هل هذا هوالطريق للفوز في سباق الذكاء الاصطناعي؟
ماذا يعني هذا للعالم؟ من المحاكاة النووية إلى الذكاء الاصطناعي
ما يجعل “لاين شاين” أكثر من مجرد آلةٍ سريعة هو ما يمكنه فعله. فهذه القدرة الحاسوبية الهائلة تفتح آفاقاً كانت مغلقة أمام البشرية. فتخيل، كما يصف تقرير The Next Web، أنه يمكنه محاكاة نظام الأرض بالكامل، أو نمذجة الدماغ البشري. هذا النوع من المحاكاة كان يحتاج إلى سنوات، والآن يمكن إنجازه في أيام.
وتتيح هذه المنصة إمكانيات واسعة، من أبرزها:
أولاً: إجراء محاكاة علمية معقدة، بما في ذلك النماذج المستخدمة في الأبحاث النووية، دون الحاجة إلى العديد من التجارب الواقعية المكلفة والخطيرة.
ثانياً: تحسين التنبؤ بالكوارث الطبيعية، مثل الأعاصير والفيضانات، بما يساعد على الحد من الخسائر البشرية والمادية.
ثالثاً: دعم تطوير تقنيات الأمن السيبراني والأنظمة الإلكترونية المتقدمة، مما يعزز السيادة الرقمية للدول.
رابعاً: تسريع اكتشاف مواد جديدة وتطوير تطبيقات صناعية وإلكترونية متقدمة، مما قد يغير شكل الصناعات التقليدية.
خامساً: تعزيز تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي وتسريع الأبحاث العلمية في مختلف المجالات من الفيزياء إلى الكيمياء إلى الطب.
وهذا ما يجعل الحواسيب الفائقة ركيزة أساسية في تقدم الدول، فهي تختصر سنوات من البحث والمحاكاة، وتسرّع تحويل النتائج النظرية إلى تطبيقات عملية في مجالات الصناعة والطب والطاقة والفضاء.
الخاتمة: عرشٌ انتقل إلى الشرق، ورسالةٌ وصلت إلى الغرب
في صالة مؤتمر هامبورغ، حيث أُعلن عن القائمة الجديدة، لم يكن الإعلان عن “لاين شاين” مجرد خبرٍ تقني. لقد كان إعلاناً عن تحولٍ في ميزان القوى العالمي. فبعد سنوات من التضييق والعقوبات، أثبتت الصين أن الإرادة والعلم يمكنهما تحدي أقوى الحصار.
في المرة القادمة التي تسمع فيها عن حاسوب فائق، تذكر “لاين شاين”. تذكر أنه ليس مجرد صندوق من السيليكون، بل هو رسالة من الشرق إلى الغرب: بأن سباق التكنولوجيا لم ينتهِ بعد، وأن من يملك العقول، يملك المس تقبل.
جريدة الاخبارية سياسية::شاملة::مستقلة
