لطالما وقفت إلى جانب حق الأقلية في ألا تُسحَق تحت وطأة الأغلبية. وربما كان هذا هو ما جعلني، في السادسة من عمري، أصبح بالفطرة مشجعًا للزمالك، في مواجهة الشعبية الطاغية التي كان يحظى بها الأهلي من حولي.
لماذا هذه المقدمة؟ لأنني في الحقيقة مندهش من اتجاه لافت بدأ يتضح مؤخرًا، وهو ميل أقلية إلى فرض رأيها على الأغلبية. والأمثلة كثيرة، لكنني سآخذ هنا مثالًا واحدًا، لا يهم إن كان عن فستان أو عن أي شيء آخر.
قرأت منذ أيام مقالًا عن «الفستان». وليس هذا أول ما أقرأه من هذا النوع من الكتابة، لكنني بدأت ألاحظ اتجاهًا كان موجودًا من قبل، وأصبح صوته أعلى في الآونة الأخيرة. وربما ساهم في ذلك عدد من الوقائع التي شهدتها مصر أخيرًا، وأعادت إلى الواجهة النقاش حول ملابس النساء وحدود الحرية الشخصية. فقد تعرضت شابة لانتقاد حاد بسبب ملابسها بينما كانت تعرّض نفسها لخطر كبير وهي تحاول إنقاذ أشخاص من انفجار في أحد المولات التجارية، كما مُنعت طالبة من حضور حفل تخرّجها بسبب ارتدائها فستانًا بلا أكمام، رغم أنها كانت ستضع فوقه رداء التخرج.
وأقول بوضوح: ما تعرضت له الفتاتان من إهانة وتشهير غير مقبول عندي بأي حال، ولا أراه سلوكًا يليق بمجتمعنا، ولا أعتقد أن الاختلاف حول الملابس يبرر مثل هذا التعامل مع أي امرأة. لكل واقعة ظروفها، ولكل مؤسسة أو مناسبة قواعدها التي يمكن مناقشتها على حدة. لكن هذه الوقائع، وما أثارته من ردود فعل، أعادت فتح سؤال أكبر: أين تنتهي الحرية الشخصية، وأين تبدأ الأعراف الاجتماعية؟ وهل يمكن أن نأخذ تصورًا للحرية نشأ في مجتمع آخر وننقله إلى مجتمع مختلف تمامًا، وكأنه منفصل عن بقية المنظومة الاجتماعية والثقافية التي نشأ فيها؟
في المجتمعات الغربية، تطورت مساحة واسعة من الحرية الفردية، بما فيها حرية المرأة في اختيار ملابسها، في إطار تحول اجتماعي وثقافي طويل ومترابط: تغير مفهوم الفرد، وتراجع الدور التقليدي للدين في الحياة العامة، وتغيرت نظرة المجتمع إلى الزواج والأسرة، وازدادت استقلالية المرأة. غير أن هذا كله ارتبط أيضًا بتحولات عميقة في بنية الأسرة: ارتفاع معدلات الطلاق، وانتشار الأسر ذات الوالد الواحد، وتراجع بعض أشكال الرعاية الأسرية التقليدية. لا أقول إن حرية الملابس هي التي أنتجت هذه الظواهر، فذلك تبسيط لا يصح. أقول فقط إننا أمام منظومة اجتماعية كاملة، وليس أمام فستان يمكن أن نأخذه من هذه المنظومة ونضعه في منظومة أخرى ثم نتوقع النتيجة نفسها.
وهنا السؤال الذي أعتقد أنه يجب أن نطرحه على أنفسنا: هل نريد لمصر أن تدخل في هذا المسار الاجتماعي كله.. أم نريد أن نوسع مساحة الحرية الشخصية ونطور مجتمعنا بطريقتنا، مع الاحتفاظ في الوقت نفسه بما نراه مهمًا في بنية الأسرة والقيم الاجتماعية؟ ولماذا نفترض أن الاختيار يجب أن يكون بين الحجاب من ناحية، والتحرر الكامل في الملبس من ناحية أخرى؟
الإسلام لديه تصور واضح للستر والاحتشام، لكن الاحتشام ليس بالضرورة حجابًا، والحجاب لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر للإكراه. ومصر ليست مجتمعًا مسلمًا فقط؛ فملايين المصريين أقباط، ولديهم هم أيضًا مفهوم واضح للاحتشام، خصوصًا في الحياة الكنسية، إذ تتحدث الكنيسة القبطية الأرثوذكسية عن «ثياب الحشمة» وتضع قواعد للمظهر المناسب داخلها، من دون أن يعني ذلك أنها تضع قانونًا لملابس المرأة في حياتها الخاصة. فالحشمة قيمة اجتماعية لها جذور دينية وثقافية متعددة داخل المجتمع المصري، وليست اختراعًا إسلاميًا حديثًا، وليست مرادفًا للحجاب، وليست مما ينبغي أن تتولى الدولة فرضه.
وإذا كان الحديث عن حرية المرأة، فمن حقنا أن نعرف ماذا تريد المرأة المصرية فعلًا، لا أن يتحدث أحد بالنيابة عنها. والحل بسيط: استطلاع رأي علمي وتمثيلي، مخصص للنساء المصريات وحدهن، يسأل بوضوح عن الملابس والاحتشام والاختيار الشخصي.. هذا هو الطريق الحقيقي لمعرفة رأيهن، بشرط أن تكون العينة ممثلة تمثيلًا صحيحًا لمختلف الأعمار والمناطق والمستويات التعليمية والاجتماعية.
ولا أعرف استطلاعًا أحدث يتناول هذه المسألة تحديدًا من استطلاع Arab Barometer، وهي شبكة بحثية أكاديمية مستقلة تُجريها جامعتَا برينستون وميشيغان الأمريكيتان، في مصر، الذي أظهر أن 61% من المصريين يؤيدون أن ترتدي المرأة ملابس محتشمة من دون أن يكون عليها بالضرورة ارتداء الحجاب، رغم أن هذا الاستطلاع يعود إلى عام 2011 ويشمل الرجال والنساء معًا. وغياب استطلاع أحدث، رغم مرور أكثر من عقد ونصف، هو في حد ذاته دليل على أن هذا النقاش نادرًا ما يُطرح بجدية علمية في مصر.. لكن الرقم يكفي على الأقل لتأكيد أن مفهوم الاحتشام من دون فرض الحجاب ليس فكرة هامشية أو غريبة عن المجتمع المصري.. ولذلك أعتقد أن السؤال يجب أن يبقى مفتوحًا إلى أن نسأل النساء المصريات أنفسهن.
لكن هناك نقطة أهم: حتى لو حسمت الأغلبية، من النساء أو من المجتمع ككل، اتجاهًا معينًا في هذه المسألة – سواء نحو مزيد من الحرية في الملبس أو نحو مزيد من التمسك بالاحتشام – فهل يعني ذلك أن على كل فرد أن يمتثل؟ الإجابة عندي لا. قرار الأغلبية يمكن أن يشكّل معيارًا اجتماعيًا عامًا، لكنه لا يتحول تلقائيًا إلى التزام يُفرض على كل امرأة بعينها. فالديمقراطية لا تعني أن تفرض الأقلية رؤيتها على الأغلبية، ولا أن تفرض الأغلبية بالقوة أسلوب حياتها على الأقلية؛ إنها تعني أن يعيش الجميع معًا، وأن يكون للفرد حق الاختلاف حتى عن الاتجاه العام، ما دام هذا الاختيار لا يمس حقوق الآخرين. ومن حق أي مجموعة من النساء أن تدافع عن رؤيتها، لكن ليس من حقها أن تتحدث باسم جميع النساء المصريات، كما أنه ليس من حق المحافظين أن يتحدثوا باسمهن جميعًا.
والأهم أن نميز بين الحق الفردي، والمعيار الاجتماعي، وتدخل الدولة. فالدولة لا ينبغي أن تفرض على المرأة كيف ترتدي ملابسها لمجرد أن أغلبية المجتمع تفضل شكلًا معينًا، كما أن مجرد المطالبة بحرية شخصية لا يمنح أي تيار الحق في إعادة تعريف القيم الاجتماعية لمجتمع كامل.
كما أخشى أن يؤدي طرح هذه المسألة باعتبارها معركة بين «التحرر» و«التخلف» إلى نتيجة عكسية، فالمجتمعات المحافظة لا تستجيب دائمًا للضغط الاجتماعي بمزيد من الانفتاح؛ أحيانًا يحدث العكس تمامًا، إذ يشعر الناس أن قيمهم تتعرض للهجوم فيتشبثون بها أكثر، ويتحول الخلاف الطبيعي في الأذواق إلى صراع اجتماعي. وهل تحتاج مصر إلى صراع اجتماعي جديد؟ لدينا ما هو أهم: التعليم، والصحة، والعمل، والسكن، وارتفاع تكاليف الحياة، ومشكلات تمس حياة ملايين المصريين كل يوم. قضايا المرأة مهمة بالتأكيد، لكن ليست كل قضية مهمة قضية عاجلة، وليست كل قضية خلافية تستحق أن تتحول إلى معركة وطنية. وأحيانًا يكون الإصلاح الحقيقي هو أن نعرف ما الذي يجب أن نغيره، وما الذي يمكن أن نتركه للمجتمع كي يتغير بطريقته الطبيعية.
فمصر ليست كندا، وليست فرنسا، وليست الولايات المتحدة، وليست مطالبة بأن تكون. لدينا تاريخ مختلف، وتركيبة دينية مختلفة، وبنية أسرية مختلفة، وتقاليد اجتماعية مختلفة. يمكننا أن نتعلم من الآخرين، وأن نأخذ منهم ما يناسبنا من دون أن نفترض أن كل ما جاء معهم يجب أن يأتي معه. المطلوب ليس أن نفرض الحجاب، ولا أن نفرض خلعه، وليس أن نجعل الدولة حَكَمًا في ملابس الناس.. المطلوب أن نفهم أن الحرية لا تعني بالضرورة استنساخ مجتمع آخر، كما أن الحداثة لا تعني التخلي عن كل ما يميز مجتمعنا.
ولذلك، قبل أن نقول للمجتمع المصري كيف يجب أن يرتدي، ربما علينا أن نسأل أنفسنا أولًا: هل نحن نتحدث عن مصر التي نعيش فيها، أم عن مصر التي نتمنى أن نعيش فيها؟ لأن الفرق بين الاثنين كبير. وأحيانًا، عندما يصبح الكلام بعيدًا إلى هذا الحد عن الواقع، لا أجد ما أقوله إلا:
هل أنتم عايشين فى المريخ؟!
مساعد وزير الخارجية السابق
جريدة الاخبارية سياسية::شاملة::مستقلة
