الأربعاء , 30 سبتمبر 2026

د. عادل عامر يكتب.. أزمة الطاقة الأوروبية.. هل تتحول من تهديد لمصر إلى فرصة اقتصادية؟

لم تعد أزمة الطاقة في أوروبا مجرد أزمة أسعار، وإنما أصبحت واحدة من أهم نتائج التحولات الجيوسياسية التي يشهدها العالم. فالحرب الروسية الأوكرانية دفعت الاتحاد الأوروبي إلى إعادة بناء منظومة إمداداته من الطاقة، ثم جاءت الحرب والتوترات العسكرية في الشرق الأوسط لتضيف طبقة جديدة من المخاطر على أسواق النفط والغاز، وتعيد طرح سؤال الأمن الطاقي الأوروبي من جديد.

وفي سبتمبر 2026، أكدت المفوضية الأوروبية أن أسواق الطاقة العالمية ما زالت تمر بظروف استثنائية، وأن التوترات الجيوسياسية تؤدي إلى تقلبات كبيرة في الأسعار، رغم أن الاتحاد الأوروبي يرى أنه لا يواجه في الوقت الحالي خطرًا فوريًا على أمن إمدادات الغاز، مستفيدًا من تنويع مصادر الاستيراد وزيادة قدرات استيراد الغاز المسال وانخفاض الطلب.

أوروبا تدفع ثمن التحولات الجيوسياسية

أصبح أمن الطاقة الأوروبي أكثر تعقيدًا منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، إذ عمل الاتحاد الأوروبي على تقليل اعتماده على الغاز الروسي وتنويع مصادره، بالتوازي مع التوسع في الطاقة المتجددة والغاز المسال.

وتشير وكالة الطاقة الدولية إلى أن أوروبا سجلت خلال شتاء 2025/2026 مستويات قياسية من واردات الغاز الطبيعي المسال، في ظل انخفاض واردات الغاز عبر خطوط الأنابيب وتراجع الإنتاج المحلي.

ثم جاءت اضطرابات الشرق الأوسط لتزيد حساسية السوق الأوروبية؛ إذ أدت اضطرابات الملاحة عبر مضيق هرمز إلى اضطراب جزء مهم من تجارة الغاز المسال العالمية، وهو ما دفع أسعار الغاز في أوروبا وآسيا إلى مستويات مرتفعة وزاد تقلبات السوق.

ارتفاع أسعار الطاقة يهدد النمو الأوروبي

المشكلة لا تتوقف عند فاتورة الطاقة التي تدفعها الأسر الأوروبية، وإنما تمتد إلى الصناعة والنقل والزراعة والخدمات.

فالطاقة تدخل في تكلفة إنتاج معظم السلع والخدمات، ولذلك فإن ارتفاع أسعار الغاز والنفط يمكن أن ينتقل تدريجيًا إلى أسعار المنتجات، ويرفع التضخم ويضغط على القوة الشرائية للمستهلكين.

وتشير دراسة للمفوضية الأوروبية إلى أن سيناريو استمرار اضطراب الطاقة في الشرق الأوسط كان يمكن أن يدفع سعر الغاز إلى نحو 80 يورو لكل ميغاواط/ساعة في الربع الأخير من 2026، مقارنة بنحو 42.2 يورو في السيناريو الأساسي، مع انخفاض نمو الناتج المحلي الأوروبي وارتفاع التضخم. وهذا يوضح أن أزمة الطاقة ليست أزمة قطاع واحد، وإنما أزمة تمتد آثارها إلى الاقتصاد الأوروبي بأكمله.

أين تقع مصر من هذه الأزمة؟

هنا تتحول المسألة بالنسبة إلى مصر من مجرد تهديد إلى فرصة محتملة مشروطة بعدة عوامل.    فمصر تتمتع بموقع جغرافي فريد، وتمتلك بنية تحتية للغاز الطبيعي المسال، وموقعًا استراتيجيًا بين منتجي الطاقة في الشرق الأوسط والأسواق الأوروبية، فضلًا عن قناة السويس وموانئ البحر المتوسط.

ومن ثم فإن أوروبا، وهي تبحث عن تنويع مصادر الطاقة، تحتاج إلى شركاء متعددين قادرين على توفير إمدادات مستقرة وآمنة. لكن مصر لا تستطيع التعامل مع هذه الفرصة باعتبارها مصدرًا مضمونًا للغاز في كل الظروف؛ فالاقتصاد المصري نفسه يحتاج إلى تأمين احتياجاته المحلية من الطاقة، وقد يتحول ارتفاع الأسعار العالمية إلى عبء على فاتورة الاستيراد المصرية.

وهنا تظهر المعادلة الدقيقة:

كلما ارتفعت قيمة الغاز في السوق الأوروبية زادت فرصة مصر للتصدير، لكن كلما ارتفعت أسعار الطاقة عالميًا زادت أيضًا تكلفة تأمين احتياجات السوق المصرية.

قناة السويس.. ورقة اقتصادية استراتيجية

تحتل قناة السويس موقعًا بالغ الأهمية في هذه المعادلة.

فاضطراب طرق الطاقة والتجارة العالمية يجعل الممرات البحرية الآمنة أكثر أهمية، ويمنح مصر أهمية إضافية باعتبارها دولة تتحكم في أحد أهم طرق التجارة العالمية. ومن هنا فإن أمن قناة السويس والبحر الأحمر ليس قضية إيرادات فقط، بل أصبح جزءًا من الأمن الاقتصادي والطاقة العالميين. وكلما ازدادت مخاطر الطرق البديلة، ازدادت أهمية استقرار قناة السويس وقدرة مصر على تقديم بيئة آمنة ومستقرة لحركة التجارة والطاقة.

فرصة لجذب الاستثمارات الأوروبية

هناك فرصة أخرى قد تكون أكثر أهمية من تصدير الغاز نفسه.

فارتفاع تكلفة الطاقة في أوروبا يمكن أن يدفع بعض الصناعات الأوروبية إلى البحث عن مواقع إنتاج أكثر تنافسية من حيث الطاقة والعمالة والأسواق والنقل. وهنا تستطيع مصر أن تقدم نفسها ليس فقط باعتبارها سوقًا استهلاكية كبيرة، وإنما باعتبارها قاعدة صناعية وتصديرية إلى أوروبا وأفريقيا والشرق الأوسط. وتزداد أهمية هذه الفرصة إذا اقترنت بتطوير المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، وتحسين البنية الأساسية، وزيادة إنتاج الطاقة المتجددة، وتوفير بيئة مستقرة للاستثمار.

من تصدير الغاز إلى تصدير القيمة المضافة

الخطأ الاستراتيجي هو أن تنظر مصر إلى الأزمة الأوروبية باعتبارها فرصة لبيع الغاز فقط.

الأكثر أهمية هو استخدام الطاقة كأداة لجذب الصناعة.

فبدلًا من تصدير: الغاز → أوروبا يمكن بناء منظومة أكثر قيمة: الغاز والطاقة → صناعة → منتجات ذات قيمة مضافة → تصدير إلى أوروبا وأفريقيا والأسواق العربية.

وهذا يعني أن العائد الاقتصادي لا يأتي من بيع وحدة الطاقة وحدها، وإنما من تشغيل المصانع والعمالة وسلاسل الإمداد والخدمات اللوجستية وزيادة الصادرات.

الطاقة المتجددة.. الفرصة الثانية لمصر

لا ينبغي أن تكون الاستراتيجية المصرية قائمة على الغاز وحده.

فالاتحاد الأوروبي نفسه يسعى إلى تقليل اعتماده على الوقود الأحفوري، ويواصل الاستثمار في الطاقة المتجددة ضمن استراتيجية REPowerEU. وتؤكد المفوضية الأوروبية أن الخطة تستهدف تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري الروسي وتسريع التحول إلى الطاقة النظيفة.

وهذا يفتح أمام مصر مجالًا آخر يتمثل في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والهيدروجين منخفض الكربون والصناعات المرتبطة بها. وبالتالي فإن الميزة المصرية المستقبلية لا ينبغي أن تقوم فقط على امتلاك الغاز، وإنما على امتلاك مزيج متكامل من الغاز والطاقة المتجددة والبنية التحتية والموانئ والممرات التجارية.

الخطر الذي يجب ألا نغفل عنه

رغم هذه الفرص، فإن الأزمة الأوروبية يمكن أن تتحول إلى ضغط على الاقتصاد المصري إذا أدت إلى ارتفاع عالمي مستمر في أسعار النفط والغاز. فمصر تحتاج إلى الطاقة لتشغيل محطات الكهرباء والمصانع والنقل، كما أن ارتفاع أسعار الوقود يرفع تكاليف الإنتاج والنقل والخدمات.

كما أن تباطؤ الاقتصاد الأوروبي نتيجة ارتفاع تكاليف الطاقة قد يؤدي إلى انخفاض الطلب على بعض الصادرات المصرية، وبالتالي فإن العلاقة ليست خطية:

ارتفاع أسعار الطاقة في أوروبا = فرصة لمصر في بعض القطاعات، لكنه قد يكون خطرًا في قطاعات أخرى. وهنا يجب أن تقوم السياسة الاقتصادية المصرية على إدارة المخاطر وليس على انتظار مكاسب الأزمة.

الأمن الاقتصادي قبل المكاسب قصيرة الأجل

إن الدرس الأهم الذي تفرضه الأزمة الأوروبية هو أن الدول لم تعد تستطيع الفصل بين الأمن القومي والسياسة الاقتصادية.

القمح أصبح قضية أمن قومي. والغاز أصبح قضية أمن قومي. والعملة الأجنبية أصبحت قضية أمن قومي. وقناة السويس أصبحت قضية أمن قومي. وسلاسل الإمداد أصبحت قضية أمن قومي.

ومن ثم فإن قدرة مصر على مواجهة الأزمات الدولية لا تقاس فقط بحجم احتياطياتها أو قدرتها العسكرية، وإنما بقدرتها على تأمين الطاقة والغذاء والعملات الأجنبية وسلاسل الإنتاج والتجارة في أوقات الأزمات.

مصر أمام فرصة تاريخية ولكن بشروط

أزمة الطاقة الأوروبية لا تعني تلقائيًا أن مصر ستصبح مستفيدًا اقتصاديًا منها.

الفرصة تحتاج إلى سياسات واضحة تقوم على:

أولًا: زيادة إنتاج الغاز المحلي واستعادة القدرة التصديرية بصورة مستدامة.

ثانيًا: تنويع مصادر الطاقة وعدم الاعتماد على مصدر واحد.

ثالثًا: التوسع في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح.

رابعًا: جذب الاستثمارات الأوروبية إلى التصنيع وليس فقط العقارات والخدمات.

خامسًا: توظيف المنطقة الاقتصادية لقناة السويس كمركز للصناعة والتصدير.

سادسًا: تطوير البنية التحتية للغاز المسال والموانئ والنقل.

سابعًا: تحويل الموقع الجغرافي المصري إلى ميزة إنتاجية وتصديرية.

ثامنًا: حماية الاقتصاد من تقلبات أسعار الطاقة العالمية من خلال أدوات التحوط وتنويع مصادر الاستيراد.

الخلاصة

إن أزمة الطاقة الأوروبية تمثل اختبارًا حقيقيًا للاقتصاد المصري.

فإذا تعاملت مصر معها باعتبارها مجرد فرصة لزيادة صادرات الغاز، فإن المكاسب ستكون محدودة ومؤقتة. أما إذا تعاملت معها باعتبارها تحولًا في خريطة الطاقة والصناعة والتجارة العالمية، فإن الفرصة تصبح أكبر بكثير.

فأوروبا تبحث عن الطاقة الآمنة، والصناعة تبحث عن التكلفة التنافسية، والشركات تبحث عن مواقع إنتاج مستقرة، والعالم يبحث عن طرق تجارية آمنة.

ومصر تمتلك جزءًا مهمًا من هذه المعادلة: الموقع، وقناة السويس، والبنية التحتية، والغاز، والطاقة المتجددة، والسوق المحلية، والاتصال بأفريقيا وأوروبا والشرق الأوسط.

ومن هنا فإن السؤال الحقيقي ليس:

هل أزمة الطاقة الأوروبية فرصة لمصر؟

وإنما: هل تستطيع مصر تحويل أزمة الطاقة العالمية من مجرد ظرف خارجي إلى استراتيجية اقتصادية طويلة الأجل تزيد الإنتاج والصادرات والاستثمار وتدعم الأمن القومي؟ فالفرص الاقتصادية لا تصنعها الأزمات وحدها، وإنما تصنعها قدرة الدول على تحويل الأزمات إلى سياسات واستثمارات وقيمة مضافة.–

دكتور القانون العام والاقتصاد الدولي

ومدير مركز المصريين للدراسات بمصر ومحكم دولي معتمد بمركز جنيف للتحكيم الدولي التجاري

وعضو ومحاضر بالمعهد العربي الأوربي للدراسات السياسية والاستراتيجية بفرنسا


شاهد أيضاً

مأمون الشناوي يكتب.. زلات اللسان .. وثمنها !!

رغم أن البشر جميعاً معرضون لزلات ألسنتهم ، إلا أنهم غالباً مايدفعون ثمن ذلك ، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *