تشكّل الفرجة الشعبية هوية المجتمع، فمصارعة الثيران تشكل هوية في إسبانيا ورقصة السامبا في البرازيل، ويتم استثمارها لصالح المجتمع من الناحية الاقتصادية والسياحية، وتأتي المهرجانات لتعزّز من هذا، ولها عائد ثقافي، وجمالي، واقتصادي من خلال تعزيز النشاط السياحي.
لقد كانت الفرجة سائدة في المجتمع العماني، وإلى عهد قريب، كما في صور، والباطنة من خلال الفنون الشعبية سواء الرزحة، والميدان، وغيرها من أنواع الفرجة المختلفة، وهذا يفسّر تنوع أشكال الشعر الشعبي وإيقاعات الموسيقى الشعبية بتنوع الفرجة، وسباق الخيول والهجن، والمبارزات التي تدخل في إطار الفرجة ،ومصارعة الديكة، وتوزيع المياه في الأفلاج، إذ يأتي السائحون ليشاهدوا هذا المنظر، ، ويتّخذ خطاب الفرجة في المهرجانات صيغا رمزيّة متعددة، هذه الصيغ، وإن اختلفت باختلاف المهرجانات، لكنّها تلتقي في جانب واحد، هو إنّها توجّه خطابها إلى الجمهور، الذي يعد أحد مرتكزاتها، فالفرجة إحدى العناصر الثقافية للمهرجانات، فكما في أسواق العرب القديمة كان الشعر، والنقد، والأخبار، وغيرها عناصر ثقافية في تلك الأسواق، بالتعاضد مع العناصر الاجتماعية والاقتصادية التي تسهم في تنمية المجتمع، تأتي الفرجة كواحدة من العناصر الثقافية التي تؤكد عليها المهرجانات لأنها تتجه بخطابها للمجتمع من خلال الموسيقى، والفنون الشعبية، والجلسات الشعريّة، والندوات، لتقدّم إضاءة مهمّة حول المجتمع وظواهره، مما يدفع بدورها الاجتماعي والثقافي الى التفعيل والتفاعل.
فالفرجة لم تتوقّف عند شكل واحد بل تعدّت ذلك، إلى أشكال متعددة في المهرجانات ،ومنها فرجة الفنون التشكيلية، وقد ساهم مهرجان مسقط بتقديم هذا النوع من الفرجة من خلال ملتقى النحت بدوراته المتعدّدة، وآخرها هذا العام بحديقة النسيم، وفعالية “الدائرة للفن التشكيلي المعاصر” بإشراف الفنان حسن مير، لثلاث دورات احتضن منها النادي الثقافي دورتين ،والثالثة ،أقيمت بمطرح ،وقد لجأ المشاركون في هذه الفعالية، إلى آليات تعبيرية جديدة مثل الفيديو، والفن التركيبي، ورسوم الكمبيوتر، والتصوير الضوئي، والفن الأدائي، مركّزين على الفن المفاهيمي الذي تخلى عن المفاهيم التقليدية؛ وتخطى الفن من أجل رؤية جديدة للواقع؛ واختصار المسافة بين الفن والحياة لتصبح الفكرة هي الهدف الحقيقي للفن” كما يؤكّد الدكتور محسن عطيّة، فقدّمت الأعمال المشاركة فرجة تشكيلية، وجدت لها صدى لدى الجمهور بما ناقشت من ظواهر اجتماعية ونبّهت إلى مخاطر المجتمع الاستهلاكي.
وقد تعدّدت أشكال الفرجة في المجتمع العماني ،ويمثّل المسرح الشعبي البدايات الأولى لظهور المسرح في المجتمع ،سواء بظهور الحكواتي الذي يعرف بالراوي الذي يروي حكاية عنترة وعبلة، فيجتمع الناس للاستماع اليه أو مسرح العرائس، أو ما يسمى “بالتشابيه”، وهذه العناصر تشكّل ما يسمى بمسرح الفرجة، أو الفرجة الشعبية التي لا تحتاج إلى الاكسسوارات، والإضاءة وغيرها، وإنّما تخرج نفسها من خلال القائمين عليها، وتوزيع الأدوار بينهم ،وقد لعبت الفرجة الشعبية دورا هاما في بثّ رسائل اجتماعيّة ،وتوعويّة، و تعدّت حدود ونطاق المدينة فذهبت الى الريف، والقرية، والبادية، من هنا فإن الفرجة الشعبية تلعب دورًا كبيرًا في تغذية الوعي الاجتماعي وتثقفه، وما دامت الفرجة عنصرًا ثقافيًا لابد أن يكون خطابها موجهًا للمجتمع في عمومه الجماهيري، والمتلقي يمثّل قطبا أساسيّا من أقطاب العمليّة الإبداعيّة، وبدونه يصبح الخطاب كلاما تائهًا في فضاءات العدم ، ونسيًا منسيًّا، فالجمهور ذاكرة، وحَكَم، ومصدرٌ للتفاعل، ولذا فإقامة مباراة بدون جمهور تعدّ عقوبة قاسية على الفريقين اللذين يدخلان المستطيل الأخضر، فالجمهور يستطيع أن يغيّر المعادلة، والنتائج، ويصبح لاعباً أساسيًا حين يقف مع فريق ما ضدّ آخر، وكلّما كان العرض مبهرًا كانت الفرجة في أعلى مستوياتها، وهنا تصبح الفرجة هدفًا، يسعى الجميع لبلوغه، فحين يبذل الممثل جهدًا عاليًا لتحسين أدائه، فإنّه يحاول زيادة جرعة الفرجة ، التي تبثّ رسائل رمزيّة وصولا إلى تحقيق المتعة، لدى الجمهور الذي بدونه تختلّ المعادلة البنيويّة القائمة على رسالة، ومرسل، ومرسل إليه، وقد تحدّث رولان بارت عن موت المؤلف ،فألغى سلطة النص، وهذا ما فعله الطيب الصديقي لصالح “سلطة الفرجة” كما يؤكد الباحث عبد المجيد فنيش.
وقد شاهدت عام 1985م ببغداد عرضا للمخرج المغربي الطيب الصديقي هو “ألف ليلة وليلة في سوق عكاظ” لفرقة الممثلين العرب عن فكرة لنضال الأشقر كتبها د. وليد سيف، ولاحظت كيف جعل للفرجة سلطة على حساب سلطة النص. وهذا ما فعله التونسى المنصف السويسى قدّم اتحاد الفنانين العرب، بالتعاون مع المسرح القومى ضمن مهرجان بابل الدولي عام1988 م مسرحية أخرى هي “واقدساه” كتبها يسرى الجندى وأخرجها، وتمّ عرضها عام 1988، وشارك فيها نخبة من الفنانين العرب من مختلف الدول وكان محمود ياسين أحد أبطالها.
ولا تقتصر الفرجة على العروض المسرحية، بل تشمل كل مظهر احتفالي ، وطقوسي، سواء كان ضاربًا في الذاكرة الشعبية ،أو العروض المسرحيّة بشكلها المستعار من الغرب فلا يكتمل أيّ احتفال بدون حضور للمتفرّج، حتى لوكان ذلك الحضور رمزيًّا ، بل إن الثقل يلقي بكلكله على المتفرج، الذي يطلق عليه في عالم كرة القدم بـ”ملح الكرة” والألتراس” الشائعة في الثقافة المغربية وهي كلمة لاتينية تعني حرفيا “الفائق” أو “الزائد عن الحد”، يقول تفروت لحسن” ظهرت في العقود الأخيرة من القرن العشرين ثقافة جديدة في مجال كرة القدم، هدفها الفرجة والتشجيع، تحرص على تشجيع الفريق أو الكيان الذي تتبعه والتنقل معه أينما حل وارتحل، عن طريق شعارات وأغان وألوان خاصة بها ” وهذا يعطي ثقلا للمتفرّج الذي هو كما يرى المثل التونسي “الفارس” فالفارس الحقيقي ليس فارسا، بل المتفرّج هو الفارس باعتباره الحاكم الحقيقي الذي يقيّم، ويفصل بين الأشياء، ويوازن بينها ، فعندما يقول المتفرج إن العرض لم يعجبه، فقد حكم عليه بالفشل.
إن خطاب الفرجة في المجتمع العماني، يمكن استنباطه من المهرجانات، والاحتفالات التي تقام في المناسبات الاجتماعيّة، والدينية، والوطنيّة، والأفراح، والألعاب الرياضية، فهو فن وُجد قبل ظهور المسرح، وكانت الساحات العامّة ميدانه وكذلك الأسواق ،وهناك مصطلح ظهر في الثقافة الفرنسية عام1995م هو “الإثنوسينولوجيا ” كما يقول الدكتور جميل حمداوي يهتم بدراسة الفرجات المشهدية لدى الشعوب القديمة، باعتبارها ظواهر ثقافية اجتماعية وإثنوغرافية، تعبّر من خلالها عن رؤيتها للوجود والإنسان والحياة والكون والطبيعة والقيم والمعرفة، كما تعكس كذلك طبيعة التفكير لدى الإنسان القديم، وطريقة تعبيره، وتخييله، وانفعاله، وتحركه، وكيفية تعامله مع الموضوع الخارجي على المستوى الفني والجمالي والفلكلوري”1
وتدرس الإثنوسينولوجيا، حسب جان ماري برادي(2) الثقافة الشعبية، والفرجات الفلكلورية المتنوعة في مفرداتها ومكوناتها، وتلاقحها، واندماجها وعطاءاتها وجميع الأشكال التعبيرية الإنسانية سواء أكانت مقدسة أم دنيوية، مكتوبة أم شفوية، ذات ثقافة عالمة أم شعبية، احترافية أم غير احترافية، تقليدية أم معاصرة، كل هذا من أجل خدمة التراث الثقافي اللامادي للبشرية، فعلى العاملين في المسرح تجسير العلاقة بين هذه الفرجات والمسرح ، وصهرها في قالب فرجوي، وربط الفرجة بالقيم الانسانية ،والاجتماعية السائدة في المجتمع العماني .
ولكن قبل ذلك لابدّ لنا من تتبع مصطلح (الفرجة) من الناحية اللغويّة ، وقد وجدنا إنّ الأقرب إلى مفهومها المتداول هو ما جاء في “القاموس المحيط” للفيروز آبادي3، ففي باب الجيم، فصل الفاء جاء إنّ فرّج الله الغم أي كشفه، أفرجوا عن الطريق انكشفوا، والتفريج عن الشي انكشافه أي كشفت عنه الغمة، فمعنى الانكشاف إنّ المتفرج يطلّع على شيء مكشوف باعتبار إنّ الستارة تكون حجابا بين المشاهد والخشبة، وعندما تزاح تهيء للناظر الاطلاع، أو الانكشاف وتوضح ما خلفها ، وعلى المستوى المجازي، كأن الهم ستارا أزاحه الطقس الفرجوي، وفي الدعاء “يا كاشف الكرب العظام عن أيوب عليه السلام” اي يا من أزاح الكربة وفرّج عن النفس كربتها وضيقها، من حيث أن التفريج هو الترويح عن النفس.
ولو بحثنا في فلسفة الفرجة في الثقافة الجماهيرية، فإنّ الفرجة تنطلق من تحريض، وشحذ الفكر لما يحدث من ظواهر اجتماعية ينتقل عبرها المجتمع من حالة إلى حالة، أو يتقلب في محيطها المجتمع، والتأكيد على ثوابته الاجتماعية، والإنسانية، والوطنية، ويراد لنهرها أن يكون متدفقا، فهي لا تنطلق من الفراغ ،وإنّما من أهمية التحريض المجتمعي، والتنويه، والتنبيه إلى ظواهره المختلفة، وتهدف إلى جذب الجماهير وتفاعلها مع العروض، والتأثير في ثقافتها، وسلوكها، وقيمها، وإثارة فضولها، وتغيير رؤيتها النمطية للأشياء، وتثقيفها، وتغيير معتقداتها الفكرية.
وسائل وآليات التفاعل بين العروض والجمهور
من أهمّ الوسائل ذلك التفاعل فنون الإضاءة والديكور، والموسيقى التصويرية المصاحبة للعروض من حيث الشكل، مع مراعاة البساطة، والصدق في التعبير ولغة التواصل والتوصيل وفي مفهومية الخطاب، فلابدّ للقائمين على الفرجة أن يهتمّوا بها، عند الطرح ليتفاعل الجمهور ويندمج مع صنّاعها، وبذلك يمكن إحداث التغيير المطلوب فللفرجة تأثير على الوعي الثقافي والمجتمعي، ويسعى خطاب الفرجة إلى تغيير العادات والتقاليد، وزيادة الوعي بمشكلات المجتمع، والحياة الإنسانية، ونقل الخبرات الحياتية، والمعرفيّة، والثقافيّة.
وهناك دور مهم للفرجة يقوم بالحفاظ على الموروث، ونقله من جيل إلى جيل، وطبع التراث القديم في ذاكرة الأجيال الجديدة، وتنشط الذاكرة الشعبية واستدعاء الأبطال القدماء ولها دور في الحفاظ على موروث الكلمة المتداولة ومن ثم تجسيد بعض الظواهر الاجتماعية المتعلقة بالاجتماع الخاص أو العام ، ومن خلال هذه الظواهر تعلن رسالتها للمجتمع بما تحمله من مقاصد، فدورها لا يختلف عن دور المسرح ، ومن خلال الفرجة نستطيع مد جسور التفاعل والتواصل بين الثقافات المختلفة.
ولكن كيف نرقى بثقافة الفرجة في سائر الفنون السمعية والبصرية؟
إن الفرجة تتعامل مع الظواهر الاجتماعية، فهي تشكل شعبية المجتمع، وعليه فإن الدكتور عبد الرحمن بن زيدان يرى ضرورة مدّ جسور التواصل مع الثقافة الشعبية التي تعكس صورة الواقع في صوره كحقيقة اجتماعية تتغذّى ـ دوما ـ من متخيل يبني غرابته من خلال الطقس الفرجوي، ومن خلال الاحتفال بالإنسان، ومن خلال الكرنفال، وبواسطة اللعب المسرحي، وحضور الجسد، والكلام الساخر، وهي الغرابة التي تتوخى إشباع الحاجيات الجمالية للمتلقي على اختلاف مستوياته الذهنية، والفكرية، والإدراكية”4
وحتى تكون الفرجة ملتصقة بالمجتمع لابدّ أن تمتح موضوعاتها منه، وظواهره، ولا تكون غريبة عنه سواء كانت هذه الظواهر معاصرة أو تاريخية ، كتجربة الطيّب الصدّيقي الذي عقد حوارًا مع التراث في مسرحه التاريخي عامدًا إلى توظيف الأشكال التعبيرية التراثيّة في المسرح المعاصر ليخرج بشكل جديد، لذا ينبغي توظيف تلك الأشكال لصالح المعاصرة إذ خرج على العلبة الإيطاليّة عندما جعل الجمهور يتحلق حول البطل “الممثل” مستلهما شكل الحلقة في الفرجات الشعبية وفي التسعينيات استثمر مخرج عراقي هو الراحل كريم جثير مجالس تناول القات الشائعة في اليمن التي تكون على شكل مربع فأسس مسرحا أسماه “مسرح المقيل” وقد أتيحت لي فرصة مشاهدة أكثر من عرض من بينها “مسافر ليل” لصلاح عبدالصبور، وهذا الشكل الحلقي موجود في المجتمع العماني في الرقصات الشعبية كالرزحة والميدان، أو في الألعاب الشعبية ومصارعة الديكة، والمناسبات الدينية وحلقات المولد و”الحول حول” ومسرح العرائس ،والراوي أو الحكواتي الذي يسرد سيرة بني هلال، والزير سالم وغيرهما من القص الشعبي ، وقد استعان مهرجان مسقط عام2007 بممثل سوري ليتقمص دور الحكواتي في الجناح السوري ، وكان يجلس في مقهى يحاكي مقهى الروضة بدمشق ، ويروي قصصا من الف ليلة وليلة ، إحياء لتلك الشخصية التي كانت موجودة قبل ظهور المسرح.
من هنا ينبغي أن تكون الفرجة أكثر التصاقا بالمتفرج، ويمكن تفعيل ذلك من خلال:
إقامة العروض الفنية المتتابعة في الفنون كافة.
إقامة المهرجانات المحلية والمشاركة في المهرجانات الدولية.
إقامة المسابقات الفنية في سائر الفنون البصرية.
رصد جوائز قيمة للمشاركين.
رعاية الدولة والقطاع الخاص للفعاليات.
المراجع
1-حمداوي، د.جميل(2004) -صحيفة “طنجة الأدبية” الثقافية المغربية .
2 -لعجان، يوسف(2013) ، ديوان العرب .
3- الفيروز آبادي(2005) ، حمد بن يعقوب بن محمد بن إبراهيم-، “القاموس المحيط”،مؤسسة الرسالة ،بيروت .
4- أبوعون، ناصر، والربيعي، عبدالرزاق، باقر، عماد حسين (2015) “قضايا عمانية معاصرة” – إصدار مركز الدراسات والبحوث في مؤسسة عمان للصحافة والنشر والإعلان ، مطابع عمان – مسقط
لمزيد من الاخبار هنا
جريدة الاخبارية سياسية::شاملة::مستقلة
