السبت , 3 أكتوبر 2026

د. الضوي محمد الضوي يكتب .. تصحيحا للمفاهيم: هذا ليس ناقدا



من تخرجهم كليات الآداب ودار العلوم، وكلية اللغة العربية بجامعة الأزهر، وغيرها من الكليات المماثلة، من دارسي الأدب والنقد، قديمه وحديثه، ليسوا نقادا. ولا يصح أن يعتلوا المنصات ويُقال عنهم نقادا.
الدراسة وحدها لا تسوّغ وصف المرء بـلقب (الناقد) -وأي شيء يقال غير هذا هو تلبيس وتدليس على الناس، نحن لسنا نقادا- دارس اللغة والأدب والنقد، هو محض دارس، مثله مثل دارس علم الاجتماع والفلسفة وعلم النفس، يدرس قضايا، وتاريخا ومقدماتٍ وأبوابا علمية، يرصد ظواهر في مادته الدراسية، وصف ناقد شيء آخر، أن تكون ناقدا يعني أن تتسم بحساسية تجاه النصوص الأدبية، تمكنك من مواجهتها، تمييز الجيد والردئ منها، استنطاقها في ضوء سعة ثقافتك ونفاذها لمكنونات النصوص، وعيك بطريقة إنشاء النص، صنعة بنائه، وتحدياتها، وهذه أمور تقتضي أولا وربما أولا وأخيرا: الموهبة، والموهبة، والموهبة، يمكن أن تبدأ دارسا للأدب والنقد، وتتبدى لديك هذه الموهبة في رحلة دراستك، ويمكن ألا تكون أبدا، إنها ليست حقا أصيلا لكل دارسي الأدب والنقد!
أما أن تأتي بحاصل على الماجستير في الأدب أو النقد، درس صورة الحيوان في شعر الطرماح بن حكيم، أو أهاجي الراعي النميري، أو صورة الدم في شعر البردوني (موضوعات أتخيلها ولا أحيل على أشخاص بعينهم) وتقول لي هذا ناقد، ويجلس ويقيم نصوصا، ويقول هذا شاعر وهذا ليس شاعرا وهذه رواية جيدة تفوز بجائزة وتلك رديئة، فهذا سُخف. الأمر طبعا يسري على حاملي الدكتوراه والأستاذية المشاركة والأستاذية. كل هذه درجات علمية لا تخول لأصحابها لقب ناقد. نحن دارسو أدب ونقد، ولسنا نقادا، هل كل دارس للفلسفة فيلسوف؟! الناقد منّا هو الموهوب في النقد، وإن لم يكن حاصلا على درجة علمية كالتي نحملها، ربما كان يحمل ماجستير ويفوق أي أستاذ في مواجهة النصوص الأدبية، ربما كان يحمل درجة الليسانس في اللغة العربية، ربما كان ملما بعلوم العربية والأدب والنقد من واقع تحصيله الدراسي والتثقيفي دون أن يكون دارسا للغة العربية دراسة جامعية نظامية، المهم وقبل كل شيء توفر الموهبة، سمعتُ وقرأتُ كثيرا من الأساتذة الأجلاء أصحاب النفاذية العالية في التعامل مع النصوص، ممن لا يحملون أي شهادات جامعية تتعلق باللغة العربية، منهم الأستاذ أشرف البولاقي عليه رحمة الله تعالى، وصديقي الشاعر الأستاذ شعبان البوقي، وصديقي طبيب العيون الشاعر محمد المسلمي، والأستاذ كمال حشيش عليه رحمة الله تعالى، وغيرهم كثر، هؤلاء إذا كتبوا نقدا، فإنك ستقرأ نقدا حقيقيا يعتمد على وعي بالنص ونفاذ في استنطاقه، وفهمه وفهم سياقاته النصية والثقافية.

لماذا لا يصوب لك أحد من الأكاديميين الذين تدعوهم نقادا هذا المفهوم؟ لماذا لا يقولون لك إننا لسنا نقادا وإنما نحن دارسو أدب ونقد؟ لأن كثيرا منهم يستمرئ الهالة التي تصنعها حوله، يبحث عن دور خارج أسوار الجامعة، الذي يتعالم عليك ويقول لك (البنية الديالكتيكية في تشظي الذات وتقولب الآخر في أبعاد الأفنية الأسطورية للأنا الجمعية) هذا مُدَّعٍ، قولا واحدا، في الأكاديمية نتعلم من أساتذتنا ونعلم طلابنا أن أبسط آليات البحث العلمي أن يوضح الباحث جهازه المفاهيمي في الدراسة، يعني يشرح ما يقصده بكل مصطلح يذكره، ونتعلم ونعلّم أن اللغة العلمية هي اللغة التي يستطيع رجل الشارع المتعلم فهمها، ومن لا يستطيع الكتابة على هذا النحو فلديه مشكلة في الكتابة البحثية، أما اصطناع الألغاز فهو إدعاء قريب من إدعاء صفة ناقد، الأصل في منسوبي الأقسام والكليات التي تدرّس الأدب والنقد أنهم دارسو أدب ونقد وليسوا نقادا، حتى يثبت غير ذلك، (الناقد) وصف آخر له مقومات أخرى.

ماذا عن كاتب هذه السطور؟ هل هو ناقد؟ هل يرضيه أن يقال عنه ناقد؟ الإجابة: لا، أنا دارس للأدب والنقد، أتعلَّم وأعلِّم، بحكم طبيعة عملي، ودوري الذي ارتضيته، وأحببت أن أكون عليه، والأصل والمدخل إلى كل هذا هو أنني شاعر، وكاتب، وحسب، الناقد شخص آخر، له موهبة أخرى، لا أدّعيها. ولا أسلّم لمدّعيها بادعائها.

شاهد أيضاً

روضة الحاج تكتب.. في نعيمِ العُزلاتِ

في نعيمِ العُزلاتِ تنسجُ نَولاًفتصفُّ الأعوامَ عاماً… فعاما خيَّروها فقالتِ الصمتُ أحلىفرطَ ما قلتُ قد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *