من رواية امرأة من زمن الحلم
كالضوء الخافت خلف الأبواب المغلقة، تطل براءتنا المنسية من شقوق الأيام، لا لتستعيد زمنًا مضى، وإنما لتسألنا لماذا تركناه يمضي بهذه السهولة. وربما كانت بعض الأماكن تحتفظ بأرواح الذين مروا بها أكثر مما تحتفظ بآثار أقدامهم؛ فالفصل الذي شهد أول أسئلتنا، والمقعد الذي احتمل ارتباك أصواتنا، والسبورة التي حملت كلماتنا الأولى، كلها تصبح مع الوقت نوعًا من الذاكرة التي لا تحتاج إلى أن نتذكرها حتى تتذكرنا هي.
كانت مدرسة السيدة خديجة في ذلك الصباح تبدو كأنها تستعيد شيئًا من سنواتها القديمة. الشمس لم تكن حادة، والهواء يحمل برودة خفيفة جعلت النوافذ نصف مغلقة، بينما كانت الطالبات يتنقلن بين الفصول بأصوات متداخلة. كنت أجلس في مكاني، وأمامى كتاب التاريخ مفتوح، لكنني لم أكن أقرأ. كنت أتأمل هامشًا صغيرًا في الصفحة، وقد كتبت فيه بالأمس سؤالًا لم أجد له إجابة: هل يصنع التاريخ الإنسان، أم أن الإنسان هو الذي يعيد اختراع التاريخ كلما عجز عن تغيير حاضره؟
لم أكن أعرف أن السؤال سيجد طريقه إليّ بعد دقائق.
دخل موجه التاريخ المدرسة في زيارة مفاجئة. كان رجلًا في منتصف العمر، يحمل ملفًا بني اللون، ويضع نظارة ذات إطار رفيع فوق أنفه. دخل الفصل برفقة أحد المدرسين، وتوقفت الهمسات دفعة واحدة. لم تكن زيارات الموجهين أمرًا عاديًا بالنسبة لنا؛ كانوا يدخلون فيصير الهواء نفسه أكثر انضباطًا، ويصبح كل طالب فجأة شديد الاهتمام بما كان يتجاهله منذ بداية العام.
جلس الموجه في الخلف قليلًا، ثم طلب من المدرس أن يطرح بعض الأسئلة.
كنت أتمنى ألا يصل إليّ الدور.
ولأن الحياة تعرف جيدًا كيف تفاجئنا بالأشياء التي نحاول تجنبها، رفع الموجه عينيه وقال: «أنتِ… هالة، أليس كذلك؟»
قلت: «نعم.»
قال: «سمعت عنكِ.»
لم أعرف ماذا أقول.
فتح الملف، ثم أغلقه دون أن ينظر إليه.
«بما أنكِ مهتمة بالتاريخ والفلسفة، سأترك الأسئلة التقليدية لزملائك.»
بدأت الطالبات ينظرن إليّ.
قال: «لو طلبت منكِ أن تفسري الاحتلال البريطاني لمصر، بعيدًا عن حفظ التواريخ والأسماء، فما الذي تقولينه؟»
ساد الصمت.
كان السؤال يبدو بسيطًا، لكنه لم يكن كذلك. لم يكن يريد تاريخ الاحتلال، وإنما تفسيره.
قلت بعد لحظة: «إذا أردنا أن نفهم الاحتلال البريطاني لمصر، فلا يكفي أن نقول إن بريطانيا احتلت مصر سنة 1882 بعد معركة التل الكبير، لأن التاريخ لا يبدأ يوم تدخل الجيوش بلدًا، بل يبدأ حين تصبح الدولة عاجزة عن حماية قرارها السياسي والاقتصادي.»
رفع الموجه حاجبه.
تابعت: «الاحتلال لم يكن حدثًا عسكريًا منفصلًا عن سياق طويل من الديون والتدخل الأوروبي وأزمة الحكم في عهد الخديوي إسماعيل ثم التوترات التي انتهت بالحركة العرابية والتدخل البريطاني. ولذلك فإن السؤال الأهم بالنسبة لي ليس: متى دخل البريطانيون مصر؟ وإنما: كيف أصبحت مصر في وضع يسمح لقوة خارجية بأن تجعل تدخلها يبدو وكأنه حل لأزمة داخلية؟»
لم يتحرك أحد.
حتى فتحي، الذي كان يقف قرب النافذة، رفع رأسه نحوي.
قال الموجه: «إذن أنتِ ترين أن الاحتلال يبدأ قبل الاحتلال؟»
قلت: «من حيث البنية السياسية والاقتصادية، نعم. أما من حيث الحدث العسكري فله تاريخ محدد. لكن الفرق بين الحدث وتهيئة الحدث هو الفرق بين أن نقرأ التاريخ كجدول زمني وأن نقرأه كحركة أسباب ونتائج.»
قال: «وماذا عن الثورة العرابية؟»
قلت: «كانت تعبيرًا عن صراع على السلطة والجيش والتمثيل السياسي في ظل تدخل أجنبي متزايد، ولا يمكن اختزالها في شخصية أحمد عرابي وحدها. ثم إننا لو جعلنا الاحتلال نتيجة الثورة العرابية فقط، فنحن نعفي الظروف السابقة من مسؤوليتها التاريخية.»
سألني: «وهل كان الاحتلال نتيجة ضعف مصر؟»
ترددت قليلًا.
ثم قلت: «ربما يكون السؤال نفسه بحاجة إلى تعديل. الضعف ليس صفة ثابتة في دولة أو شعب. هناك لحظة تاريخية يصبح فيها الضعف نتيجة تراكمات، ويصبح التدخل الخارجي قادرًا على استغلالها. لكنني لا أحب أن أصف شعبًا كاملًا بأنه ضعيف؛ لأن ذلك يجعل الاحتلال يبدو وكأنه نتيجة طبيعية، بينما الاحتلال فعل سياسي وعسكري له مصالحه وأطماعه.»
تغيرت ملامح الموجه.
قال: «جميل. لكن ماذا لو قلت لكِ إن بريطانيا جاءت لحماية مصالحها الاقتصادية فقط؟»
قلت: «هذا صحيح جزئيًا، لكنه ليس كافيًا.»
قال: «لماذا؟»
قلت: «لأن المصالح الاقتصادية لا تعمل وحدها. هناك موقع مصر الاستراتيجي، وطريق الهند، وقناة السويس، والتنافس الأوروبي، والديون، وكلها تداخلت. التاريخ لا يتحرك بعلة واحدة، يا أستاذ.»
ساد صمت قصير.
ثم قال: «لو كنتِ مكان مؤرخ، ماذا تفعلين بالوثيقة التي كتبها المنتصر؟»
ابتسمت.
قلت: «أقرأها مرتين.»
ضحك بعض الطالبات.
قال: «لماذا؟»
قلت: «المرة الأولى لأعرف ماذا يقول المنتصر، والمرة الثانية لأعرف ماذا يحاول ألا يقول.»
ضحك الموجه هذه المرة.
أما فتحي فظل صامتًا، لكنني رأيت ابتسامة صغيرة عبرت وجهه ثم اختفت.
قال الموجه: «وأين تضعين التاريخ في علاقتك بالفلسفة؟»
قلت: «التاريخ يخبرنا بما حدث، والفلسفة تسألنا ماذا يعني ما حدث. لكن الخطر يبدأ حين تجعل الفلسفة التاريخ مجرد مادة لإثبات فكرة جاهزة، أو حين تجعل التاريخ نفسه يرفض الأسئلة ويكتفي بالرواية.»
أغلق الموجه ملفه.
قال: «يكفي.»
ثم التفت إلى المدرس وقال: «واضح أن عندكم هنا طالبة لا تحفظ التاريخ فقط.»
كنت أريد أن أختفي.
لكن فتحي قال من مكانه: «هي أصلًا بتكره الحفظ.»
نظر إليه الموجه ثم إليّ.
«وهذا واضح.»
خرج بعد دقائق، لكن أسئلته ظلت معي.
لم أكن أعرف أن اليوم لم ينتهِ بعد.
في نهاية الأسبوع كان موعد حلقة جديدة من برنامج الفلسفة المدرسي. كانت الأستاذة عزة قد أصرت أن أتولى الحلقة بنفسي، رغم أنني طلبت منها أن نعطيها لطالبة أخرى.
قالت لي: «البرنامج فكرتك يا هالة، وأنا لا أريد أن أسمع منكِ مرة أخرى أنكِ متعبة.»
لم أجادلها.
اخترت موضوع الحلقة: ابن رشد… حين يصبح العقل سؤالًا في وجه الخوف.
لم أكن أريد أن أقدم ابن رشد كاسم محفوظ في كتاب، ولا أن أتحدث عنه بطريقة مدرسية مألوفة. كنت أريد أن أضعه في مواجهة سؤالنا نحن: ماذا يحدث عندما يصبح التفكير نفسه تهمة؟
بدأت الحلقة، وكان صوتي مختلفًا في الإذاعة. أكثر هدوءًا من المعتاد، لكنه أكثر حدة.
قلت: «حين نتحدث عن ابن رشد، لا ينبغي أن نسأل فقط: ماذا قال؟ بل علينا أن نسأل: لماذا كان من الضروري أن يقول ما قاله في زمنه؟ لأن قيمة الفيلسوف لا تقاس بعدد الأفكار التي نرددها عنه، وإنما بقدرته على فتح نافذة في جدار اعتقد الجميع أنه لا يمكن اختراقه.»
ثم انتقلت إلى العلاقة بين العقل والنقل، وقلت إن ابن رشد لم يكن يريد إلغاء النص، كما يتصور البعض، وإنما كان يناقش حدود التأويل وحق العقل في النظر والاستدلال.
قلت: «المشكلة ليست في أن يختلف الإنسان مع الفيلسوف، بل في أن يمنع الفيلسوف من أن يُسأل. لأن السؤال ليس عدو الحقيقة؛ السؤال هو الطريق الذي نعرف من خلاله إن كانت الحقيقة التي نحملها حقيقة أم مجرد خوف قديم ورثناه دون أن نفكر فيه.»
كان الفناء هادئًا.
حتى الطالبات اللاتي اعتدن الحركة أثناء البرنامج توقفن.
تابعت: «ربما لهذا لا يموت الفيلسوف حين يموت جسده. يموت حين يصبح كلامه محفوظًا بلا فهم، وتتحول أفكاره إلى تماثيل لا يسمح أحد بلمسها. ابن رشد لم يكن تمثالًا. كان عقلًا يتحرك داخل زمنه، ويصطدم بحدوده، ويحاول أن يفتح للإنسان مكانًا بين الإيمان والعقل دون أن يجعل أحدهما سيفًا على الآخر.»
وحين وصلت إلى نهاية الحلقة، قلت: «لكنني لا أريد أن أنهي حديثي عن ابن رشد بإجابة. أريد أن أنهيه بسؤال: إذا كان العقل لا يحق له أن يسأل، فمن الذي يملك حق تعريف الحقيقة؟»
سكتُّ لحظة.
ثم قلت: «وهنا أترككم مع أستاذتنا الفاضلة، التي طلبت مني في نهاية الحلقة أن توجه لي سؤالًا لا أعرف إجابته.»
كانت الأستاذة تقف بجوار الميكروفون.
قالت: «هالة، إذا كنتِ تدافعين عن العقل، فهل تقبلين أن يستخدم العقل نفسه لنقض الفكرة التي تدافعين عنها؟»
ابتسمت.
قلت: «إذا لم أقبل، فأنا لا أدافع عن العقل، بل أدافع عن نفسي.»
سكتت الأستاذة.
ثم قالت: «وماذا لو قادك العقل إلى نتيجة تخالف ما تؤمنين به؟»
قلت: «سأعيد النظر في إيماني قبل أن أتهم عقلي.»
كانت جملة قصيرة، لكنها جعلت الأستاذة تنظر إليّ طويلًا.
ثم قالت: «وهل الإنسان حر في كل ما يفكر فيه؟»
قلت: «قد لا يكون حرًا في النتائج التي تفرضها عليه الظروف، لكنه مسؤول عن الطريق الذي يسلكه إليها. الحرية ليست أن تفكر في أي شيء فقط، بل أن تملك شجاعة مراجعة ما فكرت فيه.»
سألَتني: «وهل الشك فضيلة؟»
قلت: «إذا كان الشك طريقًا إلى المعرفة، نعم. وإذا كان غاية في ذاته، يتحول إلى شكل آخر من أشكال العجز.»
ساد الصمت.
ثم قالت الأستاذة: «آخر سؤال.»
انتظرت.
«ما الفرق بين الإنسان الذي يفكر، والإنسان الذي يملك معلومات كثيرة؟»
قلت: «المعلومات تستطيع أن تملأ الرأس، لكن التفكير هو الذي يمنعه من أن يتحول إلى مخزن. الإنسان الذي يملك معلومات يعرف ماذا قيل، أما الذي يفكر فيسأل لماذا قيل، وهل ما قيل ما زال صالحًا لأن يُقال.»
رفعت الأستاذة رأسها قليلًا.
ثم ابتسمت.
قالت: «إذن أنتِ لا تدرسين الفلسفة يا هالة.»
قلت: «أنا أحاول أن أفهمها.»
قالت: «وهذا أصعب.»
انتهت الحلقة، لكنني لم أخرج.
قلت للأستاذة عزة: «ممكن نختم باستضافة أحد المدرسين؟»
قالت: «من؟»
قلت: «الأستاذ فتحي.»
نظرت إليّ بدهشة.
«فتحي؟»
قلت: «هو مدرس تاريخ، لكنني أريد أن أسأله عن علاقة التاريخ بالفلسفة.»
قالت: «وأنتِ واثقة أنه سيوافق؟»
ابتسمت.
«لو رفض، هعرف أستفيد من رفضه.»
ضحكت وقالت: «أنتِ مشكلة.»
بعد دقائق جاء فتحي.
جلس أمام الميكروفون، وكنت في المقعد المقابل.
قلت: «أستاذ فتحي، هل يستطيع المؤرخ أن يكون فيلسوفًا؟»
قال: «لا أظن أن المسألة بهذه البساطة.»
قلت: «لماذا؟»
قال: «لأن المؤرخ يبحث في الوقائع، والفيلسوف يبحث في المعنى.»
قلت: «لكن ألا يمكن للوقائع أن تكون بلا معنى؟»
نظر إليّ.
«ممكن.»
قلت: «وألا يكون معنى التاريخ هو ما يجعلنا نعيد قراءته؟»
قال: «ممكن أيضًا.»
ثم ابتسم وقال: «واضح إنكِ مش ناوية تسهلي الحلقة.»
قلت: «أنا فقط أسأل.»
قال: «والأسئلة عندك أخطر من الإجابات.»
قلت: «لأن الإجابة تغلق الباب أحيانًا.»
قال: «والسؤال؟»
قلت: «يفتحه.»
كان الجميع يستمع.
قال فتحي: «إذن أنتِ ترين أن التاريخ لا ينتهي؟»
قلت: «ينتهي الحدث، لكن لا ينتهي أثره. وربما لهذا نعود إليه كل مرة ونحن نظن أننا نبحث عن الماضي، بينما نحن في الحقيقة نبحث عن أنفسنا.»
سكت فتحي.
ثم قال: «دي مش إجابة طالبة.»
قلت: «يمكن لأن السؤال مش سؤال طالبة.»
ابتسم.
لكنني لم أبتسم.
كنت أعرف أنني في تلك اللحظة لم أعد أتحدث عن ابن رشد وحده، ولا عن التاريخ وحده. كنت أتكلم عن الإنسان الذي يعيش داخل زمنه، ثم يكتشف أن بعض الأسئلة أكبر من المناهج، وأن بعض الإجابات لا تولد إلا حين نجرؤ على الاقتراب من المناطق التي يخاف الآخرون الاقتراب منها.
انتهت الحلقة، وخرجت الطالبات من الفناء، وبقيت الميكروفونات صامتة.
أما أنا، فعدت إلى الفصل وفتحت دفتري.
كتبت في الصفحة الأخيرة:
«ربما كانت البراءة هي أول ما نفقده حين نتعلم أن نسأل، لكنني لم أندم يومًا على السؤال. فالطفلة التي كانت تنظر إلى العالم بدهشة، لم تمت تمامًا؛ لقد اختبأت فقط خلف امرأة صغيرة تتعلم كيف تفهمه.»
أغلقت الدفتر.
ولم أكن أعرف أن فتحي كان قد وقف عند باب الفصل، وقرأ الجملة الأخيرة من بعيد.
لكنه لم يقل شيئًا.
فقط نظر إليّ نظرة طويلة، ثم مضى.
وبقيت أنا وحدي، أشعر للمرة الأولى أنني لم أعد مجرد طالبة تقف أمام ميكروفون مدرسي، وإنما صوت صغير بدأ يجد طريقه في مكان لم يكن يعرف بعد إلى أين يمكن أن يقوده.
جريدة الاخبارية سياسية::شاملة::مستقلة
