الأحد , 11 أكتوبر 2026

د. خالد محسن يكتب: حين.. يعترف “الممول” !

خطيئة “السد الإثيوبي”..بين الأمس واليوم !

من الحقائق التي لا تقبل الجدل والمراء والمزايدة ،أن قضية المياه بالنسبة لمصر مسألة وجود ومصير، فهي ليست مجرد مورد طبيعي يُستغل، بل هي شريان الأمل والحياة الذي قامت عليه أعرق حضارات التاريخ.
وسيظل نهر النيل هو المصدر الرئيسي للبقاء والنمو الاقتصادي والاجتماعي للشعب المصري على مر العصور.
ومن هذا المنطلق، تُعتبر قضية الأمن المائي المصري خطاً أحمر لا يقبل المساومة أو التهاون، حيث ترتبط حماية الحقوق التاريخية لمصر في مياه النيل بصلب أمنها القومي. إن أي مساس أو إضرار بحصة بأرض الكنانة المائية يُعد تهديداً مباشرًا لحياة الملايين، مما يجعل الدفاع عن هذه الحقوق المشروعة واجباً وطنياً واستراتيجياً لا خيار فيه سوى الحفاظ عليه كاملاً دون نقصان.
وفي هذا الشأن جاء تصريح “دونالد ترامب” مساء أول أمس الجمعة الموافق 9 أكتوبر 2026 في “سيراكيوز” ،فعندما يقف رئيس الولايات المتحدة، القوة الأعظم في العالم، ليقول “مولنا سد إثيوبيا وهذا كان أمراً غبياً”، فهو لا يصف حجراً وإسمنتاً، هو يعترف بجريمة “جيوسياسية” مكتملة العناصر ،وموثقة بصوت وصورة.
لأول مرة تقول أمريكا بلسان رئيسها: نعم، نحن من صنعنا “السكين” التي وُضعت على رقبة مصر!.

ـ أولاً: توصيف المشهد.. ماذا قال ترامب وماذا يعني؟
ترامب قال ثلاث جمل قصيرة لكنها ثقيلة كالسد نفسه.
قال: إثيوبيا بنت واحداً من أكبر السدود في العالم. وهذه حقيقة، تكلف 4 مليارات دولار، ويتسع لـ 74 مليار متر مكعب سعة تخزينية، كأكبر سد كهرومائي في أفريقيا، وقد افتتحته أديس أبابا بشكل أحادي في 2025 رغم أنف كل الاتفاقيات.
وأضاف: أن تمويله جاء من الولايات المتحدة وهذا شيء “غبي”.. هنا الاعتراف،والحقيقة أن السد لم يبن بأموال إثيوبيا وحدها، بل بتمويل دولي ومؤسسات أمريكية ودعم سياسي غربي.
وكانت أديس أبابا تقول طوال الوقت ، “نبني السد بأموال شعبنا”، واليوم يأتي ترامب ليقول “لا، نحن من مولناه”.
وكلمة “غبي” هنا ليست سباً، بل هي توصيف سياسي أمريكي يعني”قرارا ضد مصالح واشنطن وضد حليفنا الاستراتيجي مصر”..
وتابع: لقد أخذوا كل مياه النيل وهذا ليس جيداً لمصر، النيل أصبح “شبه خالٍ”، لكنني قمة بحل المشكلة.
وهنا مربط الفرس، فهل النيل “شبه خالٍ” فعلاً؟.
“ترامب” يقول ذلك لجمهوره الانتخابي لتصوير حجم الكارثة.
أما جملة ” قمت بحل المشكلة” ،فهي الأخطر، لأنها تعني أن الرجل يرى نفسه الوسيط الوحيد القادر على فرض حل، وأن الملف عاد بقوة إلى البيت الأبيض بعد سنوات من التجميد!.
وحقيقة المشهد تكشف أن أمريكا التي رعت المفاوضات في 2019 ،و2020 بحضور البنك الدولي، ثم انسحبت وتركت مصر تواجه السد وحيدة، تعود اليوم لتقول “نحن من صنعنا المشكلة، ونحن من سنحلها”..
وهذا اعتراف متأخر لكنه مفيد جداً في دنيا السياسية والقانون الدولي.
ـ ثانياً: الهدف من الطرح.. لماذا الآن؟
لا شيء يقوله ترامب بلا هدف انتخابي، ولماذا الآن تحديداً في أكتوبر 2026؟.
ـ الهدف الأول: رسالة إلي الداخل، “ترامب” يريد أن يظهر لجمهوره أنه الرئيس الذي يراجع القرارات الغبية للإدارات السابقة، هو يريد أن يقول: “أوباما وبايدن ساعدا في بناء سد أضر حليفاً لنا، وأنا أصلح الغباء”..وهذا خطاب محبوب جداً في أوساط اليمين الأمريكي.
ـ أما الهدف الثاني فهو رسالة لمصر ،فمصر هي حجر الزاوية في منطقة الشرق الأوسط، في أي سلام في غزة، في ليبيا، في السودان، في البحر الأحمر.
كما أن “ترامب” يعرف أن مصر غاضبة من الموقف الأمريكي السلبي طوال السنوات الماضية ومنذ تدشين السد، وفي يناير الماضي أرسل رسالة للرئيس السيسي قال فيها بوضوح “لا يجب لدولة أن تتحكم بشكل أحادي في موارد النيل”!.
ـ الهدف الثالث: رسالة لإثيوبيا ،فأديس أبابا كانت تعتمد على الحماية الأمريكية والصينية..
و” ترامب” يقول لها الآن “أموالنا التي أخذتيها كانت غباء منا، ولن نستمر في حماية مشروع يهدد ملايين المصريين ،وهذا تحول استراتيجي كبير.
ـ الهدف الرابع والأخطر: خلق ورقة تفاوض جديدة، فعندما تعترف أمريكا أنها الممول، فهي تضع نفسها كطرف مسؤول وليس وسيطا محايدا.
والطرف المسؤول يمكنه الضغط على إثيوبيا لوقف الملء الأحادي أو لتوقيع اتفاق ملزم..
وظاهر الأمر أن “ترامب” يريد أن يبيع لمصر حلاً، ويبيع لإثيوبيا تهدئة، ويقبض هو ثمن السلام كنوبل جديدة.

ـ ثالثاً: التحديات.. لماذا الاعتراف وحده لا يكفي؟.
ـ الاعتراف مهم، لكنه يروي أرضا جفت، ولا يملأ كوب ماء لمزارع في الدلتا.
ـ التحدي الأول: السد أصبح أمراً واقعاً،وقد انتهت إثيوبيا من البناء والملء،والاعتراف بتمويله لا يهدمه. نحن الآن أمام سد قائم يتحكم في 85% من مياه مصر التي تأتي من النيل الأزرق، والتفاوض الآن لم يعد حول “هل تبني؟” بل حول “كيف تشغل؟”.
ـ التحدي الثاني: غياب الآلية الملزمة، فمصر والسودان يطالبان منذ 2015 باتفاق قانوني ملزم حول قواعد الملء والتشغيل وتبادل البيانات والتعامل مع سنوات الجفاف. وعلي الجانب الآخر ترفض إثيوبيا كلمة “ملزم” ،وتقول “اتفاق استرشادي”،وطالما أمريكا نفسها كانت تمول وتتفرج، فمن سيجبر أديس أبابا على التوقيع؟.
ـ التحدي الثالث: تسييس المياه ،فقط حولت إثيوبيا السد من مشروع تنموي لتوليد الكهرباء إلى مشروع قومي للكرامة ،أي ضغط خارجي الآن يعتبره الإثيوبيون إهانة وطنية،وهذا يجعل الحل الفني صعباً لأنه أصبح نفسياً.
ـ التحدي الرابع: توقيت “ترامب”،فهو يتحدث اليوم كمرشح ورئيس، لكن تصريحاته متقلبة. اليوم يقول “غبي” وغداً قد يقول “إثيوبيا صديقة”.. والاعتماد على شخص واحد خطر، ولا جدوي منه،لكن يجب تحويل الاعتراف إلى موقف مؤسسي أمريكي.

ـ رابعاً: الحلول والفرص
وهنا نطرح تساؤلا مهما كيف نحول هذا الاعتراف إلى مكسب؟.
في تقديري أن هذه هي اللحظة التي يجب أن تلتقطها الدبلوماسية المصرية بذكاء، لا بعواطف.
ـ الفرصة الأولى: تدويل الاعتراف، فهذا التصريح يعطي القاهرة ورقة قانونية قوية لإعادة فتح الملف دولياً،ومن ثم يجب طرح القضية مجددا أمام مجلس الأمن، الاتحاد الأفريقي، والبنك الدولي.
ـ الفرصة الثانية: ربط الحل بالمصالح الأمريكية فـ “ترامب” تاجر فلا تحدثه عن التاريخ والحقوق فقط، حدثه عن مصالح واشنطن وأمن قناة السويس، والبحر الأحمر، وقف الهجرة غير الشرعية، كلها مرتبطة باستقرار مصر المائي.
وإذا عطشت مصر، سيهتز الشرق الأوسط كله ،هذا هو ما يفهمه ترامب.
ـ الفرصة الثالثة: محاولة إبرام اتفاق تشغيل لا هدم ، فالحل الواقعي يكمن في اتفاق تشغيل ملزم يضمن لمصر حصتها المائية المعهودة علي الأقل في سنوات الوفرة والجفاف، مع آلية إنذار مبكر وتبادل بيانات يومي عبر الأقمار الصناعية، وتعزيز الشراكة المصرية الإثيوبية في إدارة الكهرباء المولدة،ومن ثم يمكن أن يتحول الخصم إلي شريك.
ـ الفرصة الرابعة: البديل المائي المصري، فيجب أن نستثمر لحظة الاعتراف لنقول للعالم: مصر لا تبكي فقط، لكنها شرعت بالفعل في إنشاء مشروعات تحلية المياه، تبطين الترع، معالجة مياه الصرف، تغيير التركيب المحصولي.
وعندما يرى العالم أن مصر تبحث عن حلول بينما إثيوبيا تتعنت، يصبح التعاطف الدولي معنا أكثر جدوي ونفعا.
وخلاصة الأمر أنه حين تعترف أمريكا بتمويل السد الإثيوبي، فهي لا تمنحنا الماء، بل تمنحنا الحجة..حجة تقول إن ما حدث لم يكن تنمية “بريئة”، بل كان مشروعاً “مسيسا” بتمويل دولي أضر بدولة حليفة.
والمطلوب الآن ليس أن نفرح بالتصريح ونصمت، بل أن نحول التصريح لوثيقة، والوثيقة لضغط، والضغط لاتفاق ملزم بين جميع الأطراف،يحفظ لإثيوبيا حقها في التنمية، ويحفظ لمصر والسودان حقهما في الحياة.
ويبقي النيل ما حييينا هو مصر نفسها، ومن يمول سداً ليقطع النيل، إنما يمول مشروعاً لقطع شريان الحياة.. والاعتراف بالخطأ أول طريق لتصحيحه،وإنا لناظرون.

شاهد أيضاً

عبد المحسن سلامة يكتب.. ما بين زيادة الإيرادات وترشيد الإنفاق

خلال فعاليات منتدى السياسات الاقتصادية للجمعية الاقتصادية المصرية، أكد د. أحمد كجوك، وزير المالية، خلال …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *