الأربعاء , 14 أكتوبر 2026

د. سامي المسلم يكتب.. النسيان نعمة.. مقاربة فسيولوجية ونفسية وإيمانية

لطالما نُظر إلى النسيان على أنه خلل في وظيفة الذاكرة، أو عرض لمرض، أو بداية للضعف. لكن التأمل الفسيولوجي والنفسي يكشف أن النسيان ليس نقيض التذكر، بل هو وجهه الآخر، وهو آلية حيوية لحفظ اتزان الإنسان.
فالإنسان لا يستطيع أن يحمل كل ما يمر به، وإلا لتحولت ذاكرته إلى عبء لا يُطاق.
أولاً: الطبيعة الفسيولوجية والنفسية للنسيان:
إن تعاملنا مع المعلومة والحدث يخضع لمنظومة معقدة تشمل الذاكرة القصيرة والطويلة الأمد. ولا ينتقل الحدث من القصيرة إلى الطويلة إلا إذا توفرت له شروط:
عمق التفاعل: فما لامس الوجدان بعمق يترسخ، وما مر مرورًا سطحيًا يذبل ويضمحل.
الأهمية والتكرار: فما نحتاجه في حياتنا اليومية نكرره فيبقى ويثبت في الذاكرة.
في هذا السياق نلاحظ فسيولوجيا: بأن النوم والراحة النفسية يعززان هذا التثبيت، والتوتر والقلق يعيقانه.
إذن، النسيان عملية انتقاء حكيمة، لا فشل عشوائي.
ثانيًا: الفرق بين ذاكرة الآلة وذاكرة الإنسان:
ذاكرة الآلة، كالذكاء الاصطناعي، تحفظ المعلومة مجردة من الشعور. تحفظها كاملة لا تنقص. وهذه دقتها وفقرها في آن واحد.
أما ذاكرة الإنسان فتحفظ المعلومة محملة بالمشاعر. ولذلك كان لا بد لها من النسيان، رحمة بها. فالإنسان الذي يتذكر كل آلامه بكل مشاعرها الأصلية، لا يمكنه أن يستمر.
ثالثًا: التوظيف العلاجي للإيمان والنسيان:
في الممارسة الطبية، وخاصة مع الأمراض المزمنة الميؤوس من شفائها، وحالات الفقد والفجيعة، يظهر قصور المقاربة الدوائية وحدها.
وهنا يأتي دور المؤثرات العقائدية و الإيمانية بمختلف روافدها، كجزء من الرعاية الشاملة.
فالمدخل النفسي البحت يقول للمريض: كيف تتعايش مع الألم.
أما المدخل الإيماني فيقول له: ما معنى الألم، وما أجر الصبر عليه، وما وعد الله به للصابرين.
وهو بذلك لا يطلب من المريض أن ينسى الحدث، بل يعلمه ماذا ينسى وماذا يتذكر. ينسى سؤال الجزع “لماذا أنا؟” ويتذكر سؤال الرضا “كيف يرضى الله عني؟”. ينسى ضيق الدنيا حين يتذكر سعة الآخرة، وينسى ألم الفقد حين يتذكر وعد اللقاء.
وهذا هو “النسيان الانتقائي الرحيم”، وهو أعلى مراتب التكيف النفسي.
إن النسيان في حقيقته ليس ضد الحياة، بل هو شرط لها. ولولا النسيان لما طابت لنا حياة، ولا سكن لنا قلب.
والطب الذي يجمع بين معالجة الجسد ومداواة الروح بالإيمان، هو الطب الذي يعالج الإنسان كله، لا جزءًا منه.
فنسأل الله أن يرزقنا ذاكرة تحفظ ما ينفع، ونسيانًا يصرف ما يضر.

شاهد أيضاً

سامى حربى يكتب.. كلمتين وبس

الصمود فى الهزيمة والصمود فى الثورة كلمة كانت من اهم اسباب النصر فى المرحلتين وكان …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *