انطلاقا من متابعاتي ورؤيتي لواقع خريجي المعاهد الفنية التي تختص بتعليم الفنون، والتي أكدتها تلك التصريحات النقابية للدكتور أشرف زكي، نقيب المهن التمثيلية، الأستاذ بأكاديمية الفنون والعميد الأسبق للمعهد العالي للفون المسرحية في جلسة للحوار الوطني في يونيو 2023 بأن البطالة تبلغ 80% بين خريجي المعاهد والكليات المتخصصة في قطاع الفن، مع الوضع في الاعتبار أن هذه نسبة واردة في تصريح نقابي، وليست معدلًا رسميًا موثقًا لجميع خريجي الفنون في مصر، لذا اعتمدت على البيانات الرسمية الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء،
البطالة
قبل العرض لمفهوم البطالة في المهن الفنية لابد أن نضع في الاعتبار تلك النقاط:
أولا: لا بد من فهم الأوضاع المهنية لخريجي الفنون؛ لأن طبيعة العمل الإبداعي تختلف عن كثير من الوظائف التي تعتمد على التعيين الدائم أو ساعات العمل المنتظمة.
ثانيا: لا يجوز جمع هذه الحالات في رقم واحد، لأنها تختلف من حيث التعريف وطريقة القياس. كما ينبغي تجنب وصف كل خريج يعمل خارج تخصصه بأنه عاطل، أو اعتبار كل من يعمل بعقود مؤقتة خارج قوة العمل.
ثالثا: من الضروري التمييز بين خمسة مؤشرات:
أ. البطالة الصريحة: الخريج الذي لا يعمل ويبحث عن عمل وفق التعريف الإحصائي المعتمد.
ب. العمل خارج التخصص: الخريج الذي يعمل في وظيفة لا ترتبط بمجال دراسته، سواء كان ذلك باختياره أو بسبب محدودية الفرص.
ج. العمل الفني المتقطع: الخريج الذي يشارك في أعمال أو عروض أو مشروعات متباعدة، دون انتظام كافٍ في العمل أو الدخل.
د. ضعف فرص الممارسة: الخريج الذي يمتلك التأهيل المطلوب، لكنه لا يجد فرصًا كافية للعمل في تخصصه.
هـ. عدم التناسب بين التأهيل والطلب: وجود فجوة بين المهارات التي تقدمها المؤسسات التعليمية والمهارات التي تحتاج إليها جهات الإنتاج.
ظاهرة تدعو لهجر العمل بالفن
مؤشر اجتماعي واقعي خطير يقف كحجر عثرة وعقبة كؤود أمام آمال وأحلام الخريجين ألا وهو سيطرة فئة معينة من العاملين بالفن على فرص العمل المتاحة ما بين أولاد نجوم أو بعض ذوي الاتصالات مع شركات الإنتاج الخاص أو حتى الحكومي وتحركهم في الوسط بنظام الشلل ليرسخ في أذهان الخريجين أنه بلا واسطة ولا علاقات فلا أمل والبطالة هي واقعهم، مما جعل البعض يهجر حلمهم ويعمل في مجالات أخرى، إذ أن الكفاءة ز الموهبة ليست المعيار .
مؤسسات التعليم الفني والإبداعي
لابد من وقفة لبحث العلاقة بين مؤسسات التعليم الفني والإبداعي في مصر واحتياجات سوق العمل، مع التركيز على أعداد الطلاب المقيدين والخريجين، وفرص التشغيل، والبطالة التخصصية، والعمل غير المنتظم، ومدى قدرة المؤسسات المسرحية والسينمائية والتلفزيونية وغيرها من مجالات الإنتاج الإبداعي على استيعاب مخرجات التعليم.
واضعين في الاعتبار أن تقييم كفاءة التعليم الفني لا ينبغي أن يقتصر على أعداد المقبولين والخريجين، بل يجب أن يمتد إلى قياس قدرتهم على ممارسة تخصصاتهم، ومدى انتظام عملهم، وملاءمة تأهيلهم لمتطلبات المهنة. وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في المجال المسرحي، الذي يتطلب جهدًا تدريبيًا طويلًا، وقد تتسم فرص العمل فيه بالتقطع وضعف العائد المادي مقارنة ببعض مجالات الإنتاج المرئي والرقمي.
إن القياس العلمي يتطلب الربط بين أعداد الدارسين والخريجين، وطبيعة المهارات المكتسبة، وفرص العمل المتاحة، ومدى انتظام الممارسة المهنية. كما يتطلب التمييز بين البطالة الصريحة والعمل خارج التخصص والعمل الفني المتقطع، وهي حالات لا ينبغي اختزالها في مؤشر واحد.
وفي المجال الفني عامة، تكتسب هذه المسألة بعدًا إضافيًا؛ لأن استمرار الفنان في المهنة يرتبط بتوافر الإنتاج، وظروف العمل، والأجور، وفرص التدريب والممارسة، وليس بالمؤهل العلمي وحده.
وعليه، فإن الإصلاح المنشود لا يتمثل في زيادة أعداد المقبولين أو تقليلها بصورة آلية، بل في بناء علاقة أكثر توازنًا بين التعليم والإنتاج، اعتمادًا على بيانات موثقة ودراسات ميدانية دورية. ومن شأن هذا المسار أن يساعد على تطوير المناهج، وتحسين التدريب، وتوجيه سياسات القبول، وتهيئة ظروف تسمح للخريجين بتحويل تأهيلهم الأكاديمي إلى ممارسة إبداعية منتجة.
أعداد الطلاب دارسي الفنون المقيدين في المعاهد والكليات الفنية
يبلغ إجمالي عدد الطلاب المقيدين في مرحلة التعليم العالي بمصر حوالي 3.76 مليون طالب وطالبة، يتوزعون على مختلف الجامعات والمعاهد؛ وبينما تستوعب الكليات النظرية والعملية التقليدية النسبة الأكبر، تحظى المؤسسات التعليمية المتخصصة في الفنون (مثل أكاديمية الفنون وكليات التربية النوعية) بأعداد مقيدين متباينة تخضع لشروط قبول واختبارات قدرات صارمة، مما يضع خريجيها أمام تحديات فريدة في سوق العمل ترتبط مباشرة بـمشكلة البطالة.
وإليك تفصيل لأعداد الطلاب المقيدين في هذه الجهات وطبيعة أزمة البطالة التي تواجه خريجيها:
أولاً: أعداد الطلاب المقيدين في المعاهد والكليات الفنية
تُصنف هذه الكليات والمعاهد ضمن قطاع التعليم الفني والأكاديمي المتخصص، وتأتي أعداد المقيدين بها على النحو التالي:
1- أكاديمية الفنون (بمعاهدها الـ 7 العليا المتخصصة):
• تندرج الأكاديمية إحصائياً ضمن قطاع “الأكاديميات والجامعات المتخصصة” في مصر والذي يضم إجمالاً نحو 47.4 ألف طالب وطالبة.
تتميز الأكاديمية (التي تضم معاهد مثل: المعهد العالي للسينما، المعهد العالي للفنون المسرحية، والموسيقى العربية، والباليه، والكونسرفتوار) بأنها تقبل أعداداً محدودة جداً ونوعية من الطلاب سنوياً بناءً على اختبارات موهبة وقدرات قاسية. فعلى سبيل المثال، يتراوح إقبال وقبول الطلاب ببعض معاهدها الحيوية بين عشرات إلى مئات الطلاب فقط لكل قسم سنوياً لضمان كثافة منخفضة وتعليم أكاديمي مكثف.
2. كليات التربية النوعية:
تنتشر كليات التربية النوعية في أكثر من 16 جامعة حكومية مصرية (مثل عين شمس، القاهرة، طنطا، والمنصورة).
تستوعب هذه الكليات أعداداً أكبر بكثير مقارنة بأكاديمية الفنون؛ حيث تضم أقساماً متعددة تشمل (التربية الفنية، التربية الموسيقية، الإعلام التربوي، وتكنولوجيا التعليم).
كمؤشر على أعداد الطلاب، تضم كلية التربية النوعية بجامعة واحدة مثل جامعة عين شمس وحدها ما يزيد عن 5200 طالب وطالبة مقيدين بمختلف المراحل الدراسية.
ثانياً: مشكلة البطالة لدى خريجي الفنون والتربية النوعية
تعاني فئة خريجي الفنون (سواء الأكاديمية أو التربوية) من طبيعة بطالة خاصة تُعرف بـ “البطالة الهيكلية أو بطالة المتعلمين”، وتعود جذور المشكلة إلى عدة أسباب رئيسية:
سبب البطالة وطبيعة المشكلة وتأثيرها على الخريجين
– الفجوة مع سوق العمل المناهج التقليدية تركز على الجانب الأكاديمي أو التدريس، بينما يتطلب سوق العمل الحالي مهارات رقمية متقدمة في الفنون (مثل: التصميم الرقمي ثلاثي الأبعاد 3D، تصميم واجهات المستخدم، والمؤثرات البصرية.
– تقلص التعيينات الحكومية: كان خريجو كليات التربية النوعية يعتمدون بشكل أساسي على التعيين كمعلمين للموسيقى أو الفنون بالمدارس الحكومية، ومع توقف التعيينات المباشرة تفاقمت الأزمة بشكل ملحوظ.
– الاعتماد على آليات السوق والموهبة: في مجالات السينما والمسرح والموسيقى، لا تضمن الشهادة الأكاديمية وحدها فرصة العمل؛ إذ تخضع الفرص لآليات السوق، “الكاريزما”، والعلاقات داخل الوسط الفني، مما يترك قطاعاً كبيراً من الخريجين دون عمل ثابت.
– المنافسة من غير الأكاديميين : انتشار “الدورات التدريبية والورش الحرة” (المكثفة) مكّن خريجي الكليات الأخرى (حقوق، تجارة، إلخ) من دخول مجالات الجرافيك، الديكور، والتصوير، ومنافسة خريجي الكليات الفنية المتخصصة بأجور أقل في بعض الأحيان.
وتبرز هنا مجموعة من المشكلات التي ينبغي إخضاعها للبحث ووضع حلول لها:
1. محدودية وعدم انتظام فرص العمل المتاحة مقارنة بعدد الراغبين في العمل، إذ تتفاوت فرص العمل بين المؤسسات الحكومية والجامعية وجهات الإنتاج الحكومية والخاصة مما لا يتيح مصادر للدخل يمكن الاعتماد عليه بصفة مستقرة.
2. وجود فجوة بين التدريب الذي يتلقاه الطالب والمهارات التي تتطلبها بيئات الإنتاج الحديثة.
3- عدم العمل في مجال التخصص الفني واللجوء إلى العمل في مجالات فنية بخلاف التخصص أو العمل في مجالات أخري بعيدة تماما عن الفن لتحقيق دخل مادي يساعدهم على القيام بمستلزماتهم الضرورية.
جهود مواجهة الأزمة
تسعى الدولة والجامعات حالياً إلى دمج مسارات ريادة الأعمال الابتكارية، وتعديل اللوائح الدراسية لتتحول إلى “نظام الساعات المعتمدة”، مع إدخال برامج وتخصصات تكنولوجية لتمكين الخريج من العمل الحر (Freelancing) دولياً ومحلياً والحد من الاعتماد على الوظائف التقليدية.
ولعل الحل الأمثل ليس كما قلنا في تقليل أو زيادة أعداد المقبولين للدراسة بل في توظيف إمكانياتهم وإعدادهم بما يتلاءم مع طبيعة تخصصاتهم وذلك بتطوير مناهج وأساليب تعليم الفنون والأخذ بالتقنيات الحديثة مع الاهتمام بالجانب العملي التطبيقي لا التلقين.
– الاستعانة بهم وتوزيعهم على الكليات والمدارس ومراكز الشباب للنهوض بالفن ، مما يؤمن حياتهم ماديا بتوفير مصادر دخل لهم ، ما يتيح لهم التركيز في استخدام علمهم وقدراتهم .
ختام المقال
التوصيات
في ضوء الإشكالية التي تتناولها الدراسة، يمكن اقتراح التوصيات التالية:
1. إنشاء قاعدة بيانات موحدة للتعليم الفني والإبداعي تربط بين أعداد المقبولين والمقيدين والخريجين بحسب المؤسسة والتخصص والسنة.
2. إجراء دراسات تتبع للخريجين لقياس معدلات التشغيل والعمل خارج التخصص والعمل الفني المتقطع.
3. مراجعة سياسات القبول استنادًا إلى الأدلة، دون افتراض أن خفض أعداد الطلاب هو الحل الوحيد أو أن زيادة أعداد الخريجين مشكلة في ذاتها.
4. تطوير التدريب العملي عبر شراكات واضحة بين المؤسسات التعليمية والجهات الحومية المنتجة للأعمال الفنية وشركات الإنتاج والمؤسسات الثقافية.
5. تطوير المهارات المرتبطة بالإنتاج الرقمي والتصوير والمونتاج والتصميم والتقنيات الحديثة، وفق احتياجات سوق العمل الفعلية.
6. تعزيز التنسيق بين التعليم والجهات المهنية والإنتاجية بحيث تشارك المؤسسات المنتجة في تحديد المهارات المطلوبة وتقييم البرامج التدريبية.
7. نشر مؤشرات دورية عن التشغيل الفني تتجاوز معدل البطالة العام، لتشمل انتظام العمل والتشغيل داخل التخصص والعمل بالمشروعات.
خاتمة
تكشف القضية التي تتناولها هذه الدراسة عن ضرورة إعادة النظر في الطريقة التي نقيس بها نجاح التعليم الفني والإبداعي. فعدد الطلاب المقيدين، أو عدد الخريجين، أو معدل البطالة العام، لا يكفي أي منها منفردًا للحكم على مدى كفاءة منظومة التعليم أو قدرتها على تلبية احتياجات سوق العمل.
المراجع الأساسية
1. الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، *النشرة السنوية للطلاب المقيدين وأعضاء هيئة التدريس 2024/2025.\
[https://metadata.capmas.gov.eg/ar/index.php/catalog/1952](https://metadata.capmas.gov.eg/ar/index.php/catalog/1952)
2. الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، *النشرة السنوية لبحث القوى العاملة 2024.\
[https://www.censusinfo.capmas.gov.eg/…/ind…/catalog/1927](https://www.censusinfo.capmas.gov.eg/…/ind…/catalog/1927)
3. الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، بيان معدل البطالة السنوي عام 2024.\
[https://mediadr.sis.gov.eg/handle/123456789/102643](https://mediadr.sis.gov.eg/handle/123456789/102643)
جريدة الاخبارية سياسية::شاملة::مستقلة
