كلما اتجهت مصر شرقا يسطع النور ويعم الاشراق جنبات كثيرة من الأرض ..مؤشرات البوصلة تتجه نحو الاتزان..حالة من التفاؤل والاقتراب من الرضا تغمر الارجاء.. جولات القيادة السياسية خير شاهد ودليل..تستطيع ان تقرأ كل ذلك مع كل واي جولة اسيوية للرئيس عبد الفتاح السيسي..سواء الى الصين الهند اليابان كوريا ماليزيا اندونيسيا وغيرها ..
الجولة الأخيرة الى كوريا الجنوبية ماليزيا واندونسيا..كانت كاشفة كان لها وقع خاص واصداء غير متوقعة لأول مرة نسجل بوضوح زيارات مبهجة ومفرحة اكثر من اللازم .. ابتداء من اللحظات الأولى للاستقبال الرسمي والشعبي وامتدادا لاجواء المباحثات..اعتقد ان هذا يحدث للمرة الأولى في الزيارات الرسمية.. مزيج رائع من تعانق الرسمي والشعبي بالاغاني والرقصات والفلوكلور حتى في بلاد يصعب عليها النطق العربي الفصيح ( كوريا الجنوبية مثلا) ورغم ذلك رددت في الاستقبال اهازيج مصرية عريقة وشعبية لها دلالا تها في الحب والقرب ..
الموقف كان اكثر قربا ولعلعة في ماليزيا.. تعبير لا متناهي عن الحب والارتباط والتعلق بالتراث والفنون المصرية ليس من فرق شعبية او غنائية بل في تصريحات رئيس الوزراء أنور إبراهيم الذي بدا وكانه في حالة عشق ووله عبر عنه بكل صدق في احاديثه العفوية مع الرئيس السيسي وقوله صراحة انهم في ماليزيا كانوا يتشوقون من فترة طويلة زيارة رئيس مصر..وفي تصريحاته الرسمية خلال المؤتمر الصحفي المشترك ..ليؤكد ان الامر يتجاوز الحدود التي يتخيلها البعض وان الحضور المصري في الوعي الماليزي لا يتوقف عند القلعة الإسلامية العريقة وكعبة العلم الازهر الشريف.. قال رئيس الوزراء: «اسأل أي أحد في الشارع بماليزيا فإنه يعلم مصر ومكانتها وتاريخها ليس فقط منذ زمن جمال عبد الناصر ولكن حتى من عصر الفراعنة وقال إن المصريين القدماء ومنهم توت عنخ آمون، وجمال عبد الناصر، وأم كلثوم، والأوبرا المصرية، والأزهر الشريف، كلهم جزء من الصورة اللي الماليزيين يعرفوا بيها مصر.
ثم فاجأ رئيس الوزراء الماليزي الجميع حين وجّه كلامه للرئيس السيسي وقال له مازحًا إنه نسي يذكر سامية جمال الراقصة الشهيرة في الأفلام المصرية القديمة!واراد ان يقدم ادلة حقيقية على ان تأثير مصر في بلاده ليس دينيا فقط لكنه ممتد للفن والثقافة والسينما.
ما صدر عن المسئول الماليزي الكبير كان تفاعلا وتجاوبا مع ما قاله الرئيس السيسي:«نفخر بطلاب ماليزيا وبكل من يأتي لمصر لكي يتعلم، ومصر على استعداد لاستقبال عدد أكبر من الوعاظ والعلماء العاملين، وهو أمر نقوم به في مصر الآن».
وما كشف عنه خلال المباحثات الرسمية قال الرئيس:”تحدثنا حديثًا موسعًا حول أهمية إعداد الوعاظ لممارسة الوسطية المعتدلة وأشرتُ إلى أن الأزهر الشريف مؤسسة عريقة تقوم بهذا الدور منذ أكثر من ألف عام ويستقبل طلابًا من كل الدول، بما في ذلك من ماليزيا. ونحن مستعدون لزيادة عدد الطلبة من ماليزيا ومستعدون كذلك لاستقبال وعاظ ومُعلمين من ماليزيا”.وهذه نقطة في غاية الأهمية والدلالة ليس فقط فيما يتعلق باندونيسيا بل والعالم كله ..
سالني كثيرون عن اسرار الحب الماليزي الخاص للازهر ومصر وانه غير أي بلد إسلامي اخر له علاقات وطيدة أيضا مع الازهر؟
قلت ببساطة شديدة:يرجع سر هذا الحب وتعلق الشعب والقيادة الماليزية بالأزهر إلى توليفة فريدة تجمع بين المرجعية الدينية الوسطية والتاريخ المشترك الممتد لقرون والدور السياسي والتنموي الذي لعبته هذه المؤسسة في بناء الدولة الماليزية الحديثة.
فقد كان الازهر اكبر الداعمين لحركة استقلال ماليزيا من الاحتلال البريطاني عام 1957م.وهوما منح الأزهر رصيداً سياسياً كبيراً في وجدان الماليزيين وبعد الاستقلال عاد خريجو الأزهر إلى بلادهم ليقودوا حركة التعليم الشرعي والقضائي والسياسي ويساهموا في صياغة الهوية الإسلامية للدولة الناشئة.
تشير الإحصاءات الى ان خريجي الازهر من الماليزين تجاوز المائة الف على مدى السنوات الماضية وهم بالفعل خير سفراء للازهر ومصر ويعرفون لها الفضل دائما هؤلاء الخريجون أصبحوا ملوكاً ووزراء ومفتين وأساتذة جامعات وقضاة.فمعظمهم يشغلون مواقع قيادية في البلاد ويتحكمون في مفاصلها الحيوية.. هذا الحضور القيادي جعل المجتمع الماليزي يربط مباشرة بين جودة الفكر والسلوك المتميز وبين التخرج في الأزهر مما يفسر تصريح القيادات الماليزية الدائم بأن لديهم “غيرة طيبة” تجاه من يدرس هناك.
المعروف ان الازهر كان يخصص في اروقته الشهيرة بالجامع الازهر قديماً رواقاً شهيراً عُرف باسم “رواق جاوة” (الرواق الجاوي) لاستضافة وإعاشة طلاب منطقة جنوب شرق آسيا (ماليزيا، إندونيسيا، الفلبين). هذا الحضن التاريخي جعل السفر للأزهر تقليداً تتوارثه الأجيال وعلامة على الوجاهة العلمية والبركة..
ويبلغ عدد الطلاب حالياً 7 آلاف طالب وطالبة في مختلف المراحل التعليمية من رياض الأطفال وحتى الدراسات العليا ..كما يمتد التعاون التعليمي إلى داخل ماليزيا حيث يوجد مجمع أزهري يحمل اسم «دار القرآن» ويضم 8 مبعوثين أزهريين يتولون تدريس العلوم الشرعية واللغة العربية لآلاف الطلاب الماليزيين.وخمس مدارس معادلة لشهادات الأزهر هي: الشهادة الدينية العالية ومعهد تحفيظ القرآن بسلطنة ترنجاتو وكلية إسماعيل فترا الإسلامية ومعهد دار القرآن الكريم جاكيم ومعهد تحفيظ القرآن الكريم والقراءات.
يعزز هذا ما يتعلق بالمنهج الأشعري والفقه الشافعي حيث يتبع غالبية مسلمي ماليزيا المذهب الشافعي في الفقه وهو المذهب السائد والمدعوم رسمياً في البلاد.ولأن الأزهر يُعد المعقل الأكبر والأهم لحماية وتدريس الفقه الشافعي والعقيدة الأشعرية السنية فإن العائلات والمسؤولين في ماليزيا يجدون فيه الامتداد الفكري الطبيعي والآمن لأبنائهم بعيداً عن الأفكار الاخرى.
كان من نتيجة العلاقة الخاصة هذه ان يتم التنسيق بين البلدين في كثير من القضايا الاقتصادية والشرعية..ومنذ وقت مبكر ويضربون على ذلك مثالا بتجربة صندوق الحج.. فقد حدث في العام 1962ان زار شيخ الأزهر الأسبق الشيخ محمود شلتوت ماليزيا وبارك تجربة الصندوق وهي فكرة استثمارية شرعية مبتكرة لجمع مدخرات المواطنين الراغبين في الحج ويتم استثمارها في مشروعات حلال توافق الشريعة الإسلامية ثم يتم إيفادهم للحج. ومباركة الأزهر الشرعية منحت المشروع ثقة هائلة ساهمت في نجاحه ليصبح اليوم واحداً من أكبر الصناديق الاقتصادية في ماليزيا.
انه الازهر وقوة مصر الحقيقية..
والله المستعان ..
جريدة الاخبارية سياسية::شاملة::مستقلة
