الخميس , 15 أكتوبر 2026

د. حَمَادَةَ السَّيِّدِ عَلِيٍّ يكتب.. سَدُّ النَّهْضَةِ وَمَغَالِيطُ أَدِيسَ أَبَابَا: حِينَمَا تُنْتَهَكُ قَوَاعِدُ القَانُونِ الدَّوْلِيِّ بِاسْمِ التَّنْمِيَةِ


تَسْتَمِرُّ أَدِيسُ أَبَابَا فِي تَرْوِيجِ أُطْرُوحَاتٍ تُجَانِبُ الحَقِيقَةَ وَتَفْتَقِرُ إِلَى المَنْطِقِ القَانُونِيِّ، حِينَ تَدَّعِي أَنَّ مِصْرَ شَيَّدَتِ السَّدَّ العَالِيَ دُونَ اسْتِشَارَتِهَا؛ فِي مُحَاوَلَةٍ جَلِيَّةٍ لِتَضْلِيلِ الرَّأْيِ العَامِّ الدَّوْلِيِّ وَالتَّنَصُّلِ مِنَ الِالْتِزَامَاتِ القَانُونِيَّةِ المُنَظِّمَةِ لِلْأَنْهَارِ العَابِرَةِ لِلْحُدُودِ.
إِنَّ الطَّرْحَ الإِثْيُوبِيَّ يَغْفُلُ عَنْ قَاعِدَةٍ قَانُونِيَّةٍ وَجُغْرَافِيَّةٍ أَسَاسِيَّةٍ؛ فَمِصْرُ، بِوَصْفِهَا دَوْلَةَ المَصَبِّ، تَسْتَغِلُّ حِصَّتَهَا المَائِيَّةَ الَّتِي تَصِلُ إِلَيْهَا بِالْفِعْلِ دُونَ أَنْ تُؤَثِّرَ أَيُّ إِنْشَاءَاتٍ دَاخِلَ أَرَاضِيهَا عَلَى دُوَلِ المَنْبَعِ مِنْ قَرِيبٍ أَوْ بَعِيدٍ.
فِي المُقَابِلِ، يَقَعُ “سَدُّ النَّهْضَةِ” فِي دَوْلَةِ المَنْبَعِ، مِمَّا يَجْعَلُ لَهُ تَأْثِيرًا بَالِغًا وَمُبَاشِرًا عَلَى دَوْلَتَيِ المَمَرِّ وَالمَصَبِّ (السُّودَانِ وَمِصْرَ).
وَوَفْقًا لِمَبَادِئِ القَانُونِ الدَّوْلِيِّ لِلأَنْهَارِ، يُحْظَرُ إِقَامَةُ أَيِّ مَشَارِيعَ عَلَى أَعَالِي النَّهْرِ إِلاَّ بَعْدَ الإِخْطَارِ المُسْبَقِ وَالتَّوَصُّلِ إِلَى اتِّفَاقٍ مُلْزِمٍ مَعَ الدُّوَلِ المِشَاطِئَةِ.
وَبِذَلِكَ تَكُونُ إِثْيُوبِيَا قَدْ تَجَاوَزَتِ الْمَعَايِيرَ الدَّوْلِيَّةَ، وَانْتَهَكَتِ “اتِّفَاقِيَّةَ عَامَ 1902م” الَّتِي حَظَرَتْ صَرَاحَةً إِقَامَةَ أَيِّ مُنْشَآتٍ عَلَى نَهْرَيِ “النِّيلِ الْأَزْرَقِ” وَ”السُّوبَاطِ” مِنْ شَأْنِهَا إِعَاقَةُ التَّدَفُّقِ الْمَائِيِّ.
وَعَلَى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّ الْقَاهِرَةَ أَبْدَتْ مُرُونَةً كَبِيرَةً وَتَفَهَّمَتْ حَقَّ أَدِيسَ أَبَابَا فِي تَوْلِيدِ الْكَهْرُبَاءِ عَبْرَ سَدٍّ بِسِعَةٍ تَخْزِينِيَّةٍ مُنَاسِبَةٍ لَا تُحْتَجَزُ مَعَهَا الْمِيَاهُ بَعْدَ الْمَلْءِ، إِلَّا أَنَّ الْجَانِبَ الْإِثْيُوبِيَّ أَصَرَّ عَلَى فَرْضِ سِيَاسَةِ الْأَمْرِ الْوَاقِعِ.
وَلِتَوْضِيحِ الفَارِقِ بَيْنَ السُّلُوكِ المَسْؤُولِ وَالإِجْرَاءَاتِ المُنْفَرِدَةِ، يُشِيرُ التَّارِيخُ إِلَى أَنَّهُ عِنْدَمَا شَيَّدَتْ مِصْرُ السَّدَّ العَالِيَ وَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ ارْتِفَاعُ مَنْسُوبِ المِيَاهِ فِي بَعْضِ المَنَاطِقِ النُّوبِيَّةِ السُّودَانِيَّةِ، سَارَعَتِ القَاهِرَةُ إِلَى التَّنْسِيقِ مَعَ الخُرْطُومِ.
وَأَسْفَرَ ذَلِكَ عَنْ تَوْقِيعِ “اتِّفَاقِيَّةِ مِيَاهِ النِّيلِ” فِي 8 نُوفَمْبَرَ 1959م، حَيْثُ قَدَّمَتْ مِصْرُ تَعْوِيضَاتٍ عَادِلَةً لِلْمُتَأَثِّرِينَ، وَحَصَلَ السُّودَانُ بِمُوجِبِهَا عَلَى 14.5 مِلْيَارِ مِتْرٍ مُكَعَّبٍ مِنَ الْوُفُورَاتِ الْمَائِيَّةِ، فِي حِينِ حَصَلَتْ مِصْرُ عَلَى 55.5 مِلْيَارَ مِتْرٍ مُكَعَّبٍ؛ مِمَّا جَسَّدَ أَعْلَى دَرَجَاتِ الِالْتِزَامِ بِالْقَانُونِ الدَّوْلِيِّ وَمُرَاعَاةِ حُسْنِ الْجِوَارِ.
إِنَّ حِمَايَةَ الحُقُوقِ المَائِيَّةِ التَّارِيخِيَّةِ المِصْرِيَّةِ تَتَطَلَّبُ حَزْمًا مُتَوَاصِلًا فِي مُوَاجَهَةِ التَّعَنُّتِ، وَفِي هَذَا الصَّدَدِ تَجْدُرُ الإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ التَّعَقِيدَاتِ الدَّاخِلِيَّةَ فِي إِثْيُوبِيَا وَطَبِيعَتَهَا الجُغْرَافِيَّةَ كَدَوْلَةٍ حَبِيسَةٍ تَعْتَمِدُ عَلَى المَنَافِذِ المَائِيَّةِ لِدُوَلِ الجِوَارِ مِثْلِ إِرِيتْرِيَا وَالصُّومَالِ وَجِيبُوتِي، تَجْعَلُ الخِيَارَ العَقْلَانِيَّ الوَحِيدَ لِأَدِيس أَبَابَا هُوَ الِالْتِزَامَ بِالأُطُرِ القَانُونِيَّةِ وَالتَّعَاوُنَ المُنْصِفَ مَعَ دُوَلِ المَصَبِّ لِضَمَانِ اسْتِقْرَارِ المِنْطَقَةِ وَأَمْنِهَا المَائِيِّ.

الْكَاتِبِ الصَّحَفِيِّ الْمُتَخَصِّصِ فِي الشُّؤُونِ السِّيَاسِيَّةِ

شاهد أيضاً

د. سامي المسلم يكتب.. النسيان نعمة.. مقاربة فسيولوجية ونفسية وإيمانية

لطالما نُظر إلى النسيان على أنه خلل في وظيفة الذاكرة، أو عرض لمرض، أو بداية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *