يقولونَ إنَّ الحدودَ رُسِمَتْ بالحبرِ على الخرائطِ، وأن بين مصر والسودان حدود، وأقول بل حبل وريد ممدود، و دم فى الشرايين موجود، وود يتخطى العهود. فكيفَ يفرقُ خطٌّ من رملٍ، بينَ شعبينِ شربا من نيلٍ واحدٍ، وصليا في محرابٍ واحدٍ، وتقاسما سراء العهود، وضراء الوجود؟
مصرُ والسودانُ ليستا جارتينِ، بل شقيقتينِ. توأمانِ خرجا من رحمِ النيلِ، فإذا اشتكى جنوبُ الوادي، أنَّ شمالهُ، وإذا تألمَ الشمالُ، بكى جنوبهُ. والتاريخُ يروى، والجغرافيا تطوى، وقلب القاهرة ونبض الخرطوم بالحب يدوى، أننا كنا وما زلنا أبناءَ وادٍ واحدٍ، لا يفرقنا قولُ عاذلٍ، ولا يقطعُ وصلنا حقدُ حاقدٍ.
ثمَّ طالعتنا فى الأيامِ الماضية غيمةٌ سوداءُ من دخانِ الصحراءِ. حادثٌ أليمٌ على الحدودِ، منقبونَ عن الرزقِ في الصحراءِ الشرقيةِ قضوا نحبهم، فاختلطَ الحزنُ باللغطِ، والدمعُ بالغلط.
وهنا.. خرجتْ علينا الفتنةُ من جحورها، تلبسُ ثوبَ الأقاويل المكتوبة والمشاهد المعروضة. صفحاتٌ مشبوهةٌ، وأقلامٌ مأجورةٌ، وأجنداتٌ خارجيةٌ لا تريدُ لمصرَ والسودانِ أن يظلا سنداً وسداً. أرادتْ أن تجعلَ من الحادثِ الأليمِ، حادثَ قطيعةٍ، ومن الدمِ المسفوحِ، وقودَ فتنةٍ. فأطلقتْ سهامَ السبِّ والقذفِ على مواقعِ التواصلِ، تسبُّ هذا وتقذفُ ذاكَ، وتُشعلُ النارَ بينَ الإخوةِ بكبسةِ زرٍّ.
وأقولُها بملءِ فمي: كذبتْ تلكَ الصفحاتُ وخسئتْ تلكَ الأجنداتُ.
إنَّ الجيشَ المصريَّ الذي نعرفهُ، ليسَ جيشَ عدوانٍ، بل جيشُ أمانٍ. جيشٌ إذا ضربَ، ضربَ الإرهابَ، وإذا حمى، حمى الثرواتِ والمقدراتِ. وما حملتهُ التي أعلنَ عنها في صحرائهِ الشرقيةِ ضدَّ التنقيبِ غيرِ المشروعِ، إلا رسالةٌ واضحةٌ: أنَّ حدودَ مصرَ مصونةٌ، وثرواتها محفوظةٌ، وسيادتها مفروضةٌ. جيشٌ يحمي ولا يعتدي، يصونُ ولا يبددُ، يبني ولا يهدمُ. فطوبى لجيشٍ هذا نهجهُ، وطوبى لشعبٍ هذا جيشهُ.
فمنذ يومين، والشاشات لا حديث لها إلا عن الحدود. حدودنا الجنوبية، حيث تلتقي مصر بالسودان، وحيث التقى الدم بالتراب
رأيتُ الخبرَ كما رآهُ الملايينُ: حادثٌ أليمٌ في الصحراءِ، منقبونَ عن الذهبِ يبحثونَ عن لقمةِ العيشِ حتى لو كانوا مأجورين، فعادتْ جثامينهم محمولةً على الأكتافِ ولا شك إنهم مدانون ولكنى أبحث عن الحل وكبح الفتنة وإحباط المؤامرة. وسمعتُ البيانَ والبيانَ المضادَّ، بيانُ الجيشِ المصريِّ يتحدثُ عن حملةٍ ضدَّ التنقيبِ غيرِ المشروعِ داخلَ حدودهِ، وبيانُ مجلسِ السيادةِ السودانيِّ يتحدثُ عن لجنةٍ لتقصي الحقائقِ، وكلا البيانينِ يؤكدُ على شيءٍ واحدٍ: أنَّ العلاقةَ أخويةٌ، وأنَّ الحقيقةَ يجبُ أن تُعرفَ.
ما الذي يدفعُ شاباً في مقتبلِ العمرِ أن يتركُ بيتَهُ وأهلَهُ، ويمضي أياماً ولياليَ في صحراءِ العويناتِ الموحشةِ، ينقبُ في بطنِ الأرضِ عن ذرةِ ذهبٍ قد تقتلهُ قبلَ أن تُغنيهِ؟
إنهُ الجوعُ يا سادة. إنهُ الفقرُ. إنهُ الفراغُ.. الإنسانُ حينَ لا يجدُ حقلاً يزرعهُ، يبحثُ عن منجمٍ يحفرهُ، حتى لو كانَ قبرَهُ.
فيا للعجبِ!
نقفُ على مثلثٍ من ذهبٍ، مثلثِ مصرَ والسودانِ وليبيا، جبلُ العويناتِ وما حولهُ، أرضٌ يقولونَ إنَّ باطنها ذهبٌ ونفطٌ ومعادنُ، وظاهرها صحراءٌ وتهريبٌ ودماءٌ. فأيُّ مفارقةٍ هذهِ؟ أرضٌ غنيةٌ وشعبٌ فقيرٌ، وباطنٌ عامرٌ وظاهرٌ بورٌ!
ولو أننا – أهلَ وادي النيلِ – فكرنا بعقلِ الزارعِ لا بعقلِ المنقبِ، لوجدنا الحلَّ.
إنَّ هذهِ الصحراءَ التي تشربُ الدمَ اليومَ، قادرةٌ أن تجودَ بالقمحِ غداً. هذا المثلثُ الذي يتصارعُ عليهِ المهربونَ، قادرٌ أن يكونَ سلةَ غذاءٍ للشعوبِ الثلاثةِ. مشروعٌ زراعيٌّ مشتركٌ، مصريٌّ سودانيٌّ وليبى، يزرعُ القمحَ والذرةَ والأعلافَ، ويقيمُ المصانعَ، ويشغلُ الشبابَ الذينَ يموتونَ الآنَ في مناجمِ الذهبِ الوهميِّ.
إنَّ اليدَ التي تحملُ الفأسَ، لا تحملُ السلاحَ. واليدَ التي تزرعُ القمحَ، لا تنقبُ عن الموتِ.
فهل نفعلها؟
هل نحولُ المثلثَ الحدوديَّ من مثلثِ موتٍ إلى مثلثِ حياةٍ؟ ومن معبرِ تهريبٍ إلى معبرِ خيرٍ؟ ومن حكايةِ “حادثٍ أليمٍ” إلى حكايةِ “حصادٍ عظيمٍ”؟
إنني أضمُّ صوتي إلى صوتِ القيادتينِ في البلدينِ: ننتظرُ الحقيقةَ من لجنتها، ونحفظُ الأخوةَ في قلوبنا، ولكننا نزرعُ المستقبلَ بأيدينا.
فهل نزرعها؟؟؟؟؟
الحمايةَ وحدها لا تكفي، والسيادةَ وحدها لا تُشبعُ.
إنَّ السؤالَ الذي يجبُ أن نسألهُ بعدَ أن تهدأَ الفتنةُ وتنجلي الحقيقةُ هو: ماذا بعدَ تأمينِ الحدودِ؟ هل نتركُ هذهِ الصحراءَ الشاسعةَ، صحراءَ العويناتِ والمثلثِ، بوراً موحشاً، يأوي المهربَ والطامعَ، ويُغري الشبابَ بالتنقيبِ عن الموتِ؟ أم نجعلها جنةً خضراءَ، تزرعُ القمحَ وتُطعمُ الجائعَ؟
وبما إنى حاصلة على دكتوراة فى الإرشاد الزراعي، أتقدمُ اليومَ بمقترحٍ، أضعهُ بينَ يدي صُنَّاعِ القرارِ في وادي النيلِ، علَّهُ يكونُ بذرةً لسنبلةٍ:
مشروعُ “وادي النيلِ الأخضرِ” المشتركِ: أرضُ العويناتِ ليستْ فقيرةً، بل هيَ أرضٌ بكرٌ، تصلحُ لزراعةِ القمحِ الصلبِ والنباتاتِ الطبيةِ التي تتحملُ الجفافَ. مشروعٌ زراعيٌّ مشتركٌ يعتمدُ على الطاقةِ الشمسيةِ والمياهِ الجوفيةِ، ويُدارُ بعقولِ مهندسينا وأيدي شبابنا الذينَ يموتونَ اليومَ في المناجمِ. نحولها من تعدى على منجمِ ذهبٍ يقتلُ أبناءنا، إلى منجمِ خير يُحيي أبناءنا. فأفضلُ طريقةٍ لتأمينِ الحدودِ، ليستْ بإقامةِ الأسلاكِ، بل بإقامةِ المزارعِ. فالزارعة هى خيرُ حارسٍ للأرضِ، والسنبلةُ هيَ خيرُ جنديٍّ يحرسُ الحدودَ.
يا أبناءَ وادي النيلِ..
لا تتركوا هاتفاً يصنعُ حدوداً بينكم، ولا منشوراً يهدمُ بيتاً بناهُ النيلُ منذُ آلافِ السنينِ. إنَّ السودانيَّ في مصرَ ليسَ ضيفاً، بل هوَ صاحبُ دارٍ. وملايينُ السودانيينَ الذينَ يعيشونَ بيننا اليومَ آمنينَ مطمئنينَ، همُ الدليلُ الحيُّ على أنَّ ما بيننا أكبرُ من شائعةٍ، وأبقى من فتنةٍ.
فيا صُنَّاعَ القرارِ.. هذهِ الأرضُ تنادينا: لا تجعلونى قبورا، بل ازرعوني بذورا، لا توارونى رفاتا، بل اجعلونى نباتا، لا تدفنوا فى الوعود، بل ازرعونى للخلود.
فهل نفعلها؟؟؟؟؟
جريدة الاخبارية سياسية::شاملة::مستقلة
