السبت , 17 أكتوبر 2026

السفير عبدالرحيم شلبي يكتب : اليمن واختبار الردع: لماذا لا تجدى أنصاف الحلول؟

كنت أنوى، بعد مقالى الأسبوعى الماضى عن غزة، أن أخصص عمود هذا الأسبوع لتطورات السودان. غير أن الأحداث فى اليمن تسارعت بوتيرة لا تحتمل التأجيل: ضربات حوثية استهدفت مطار الرياض عقب هجوم تحالفى واسع أعاد المعركة إلى قلب العاصمة السعودية، واستدرجت إدانة دولية واسعة. الرئيس الأمريكى ترامب لمّح إلى أنه قد يفكر فى مساعدة السعودية، فيما دعا السيد عمرو موسى، الأمين العام الأسبق لجامعة الدول العربية، إلى اجتماع طارئ لوزراء الخارجية العرب. أربعة تطورات متلاحقة فرضت تأجيل السودان، وفرضت أن يكون اليمن موضوع هذا المقال.
ولم تعد المسألة مقتصرة على مطار الرياض. فقد امتدت الهجمات الحوثية إلى منشآت أرامكو، بما فيها مقر الشركة فى الظهران، فيما ردت السعودية بضرب منشآت لتخزين الوقود قرب صنعاء. واستمرت الهجمات المتبادلة حتى اليوم، 14 أكتوبر، مع اعتراض صواريخ استهدفت الرياض. وهكذا انتقلت المواجهة من استهداف منشأة مدنية ذات رمزية كبيرة إلى تهديد البنية الاقتصادية والاستراتيجية للمملكة، بما يرفع مخاطر اتساع الصراع ويجعل استمرار سياسة الردع الحالية موضع تساؤل جدى.
واللافت أن التحالف، رغم حدة عملياته الأخيرة، لا يزال حريصاً على تجنب الأهداف المدنية، بينما لا يبدى الحوثيون الحرص ذاته، بل يبدو أن استهداف مطار مدنى فى عاصمة بحجم الرياض جاء لما يحمله من رمزية وصدى يتجاوز أثره العسكرى المباشر: فحين تضيق الخيارات الميدانية، يصبح الضرب فى العمق الاستراتيجى للخصم بديلاً عن التقدم الميدانى، لا تعبيراً عن تكافؤ فى القدرات، بل عن محاولة ردع يائسة من طرف يشعر أن الزمن لا يعمل لصالحه. غير أن فهم هذا المنطق لا يعنى تبريره: فاستهداف مطار مدنى يرتاده مسافرون وعاملون لا شأن لهم بالصراع يظل فعلاً مداناً، ويفقد الحوثيين أى رصيد أخلاقى يحاولون التذرع به فى مواقف أخرى، وفى مقدمتها إدانتهم المتكررة لاستهداف إسرائيل للمدنيين الفلسطينيين؛ إذ لا يستقيم التنديد باستهداف المدنيين فى غزة بينما يُمارَس الفعل ذاته فى الرياض.
وهنا تجدر الإشارة إلى نقطة أخالف فيها من يصرّون على مساواة الحوثيين بحزب الله فى علاقتهما بإيران. فحزب الله امتداد منضبط لعقيدة الحرس الثورى وأوامره. أما الحوثيون، فرغم تلقيهم دعماً إيرانياً واضحاً فى السلاح والتدريب والتمويل، إلا أنهم لاعب أكثر استقلالية بكثير، تحكمه حسابات الحرب الأهلية اليمنية ذاتها لا تعليمات تصدر من طهران.
وهذا التمييز جوهرى لفهم ما جرى: ولا يكفى الدعم الإيرانى، فى حد ذاته، لإثبات أن قرار ضرب الرياض صدر من طهران؛ فالحوثيون يملكون أيضاً حساباتهم المحلية ومصالحهم الخاصة فى الحرب اليمنية. ومن يخلط بين الحالتين يخطئ التشخيص، وبالتالى يخطئ العلاج: فالضغط على طهران وحده لن يوقف الحوثيين، لأن القرار، فى جوهره، ليس قرارها.
وفى هذا السياق، يكتسب حلف مكة للدفاع المشترك، الذى وقّعته السعودية وتركيا وباكستان فى 7 أغسطس 2026، أهمية خاصة، إذ ينص على أن أى اعتداء مسلح على إحدى الدول الأعضاء يُعد اعتداءً على الجميع. وقد أعلنت الدول الثلاث فى أكتوبر خطوات لتنفيذ التزاماتها الدفاعية المشتركة، وإن كانت إجراءات التصديق الداخلى على الاتفاق لا تزال مستمرة. وبعد أيام قليلة، بادرت مجموعة «R4»- مصر والسعودية وباكستان وتركيا- إلى إصدار بيان مشترك فى 11 أكتوبر 2026، أدانت فيه بشدة الهجمات، وأكدت تضامنها المطلق مع المملكة ودعمها لكل الإجراءات المشروعة للتصدى لهذه التهديدات، محمّلة الحوثيين المسؤولية الكاملة، ومطالبة بوقف فورى وغير مشروط للهجمات. وانضمام مصر إلى هذا الموقف، وإن لم يكن انضماماً كاملاً لحلف الدفاع المشترك ذاته، يحمل دلالة مهمة، ويثير تساؤلاً مشروعاً عما إذا كان هذا التحرك سيتطور إلى آلية عمل فعلية، أم سيبقى، كغيره من الأطر الإقليمية السابقة، إعلان نوايا لم يُختبر ميدانياً بعد.
وهذا ما يقودنى إلى ما طرحته مراراً فى كتاباتى السابقة: أن أنصاف الحلول لا تجدى مع تهديد من هذا النوع. فالعمليات العسكرية المحدودة، مهما بلغت حدتها، لها سقف واضح؛ تستطيع استعادة مناطق فى تهامة، لكنها تعجز أمام شبكة التحصينات الجبلية العميقة التى تتطلب قدرات تفوق ما هو متاح للتحالف وحده. وفى الوقت نفسه، تبدو محاولات الردع التى راهنت عليها السعودية قد أخفقت على مستويين: الضربات المتكررة على الحدود الجنوبية، ثم هذه الضربات الرمزية التى بلغت قلب العاصمة. والخيار الحقيقى، إذن، ضيق وواضح: إما ضربة حاسمة تُستكمل فوراً بتسوية سياسية تمنح الحوثيين بعض مطالبهم الجوهرية، أو تفاوض دون مزيد من التصعيد. وما بين هذين الخيارين لا يوجد مجال حقيقى لحل وسط يدوم. أما تصريح ترامب بأنه قد يفكر فى المساعدة، فهو لا يزال تلميحاً لا التزاماً، وهذا بالضبط ما يجب أن يتغير إذا أرادت واشنطن أن يكون لتدخلها أثر حقيقى.
وفى ظل هذا المشهد، تبرز مصر كطرف تتداخل فيه اعتبارات الأمن القومى والالتزامات الإقليمية. فقد أعلن وزير الخارجية المصرى استعداد القاهرة لتقديم مختلف أشكال الدعم للسعودية، كما أكد أن مسألة انضمام مصر إلى حلف مكة للدفاع المشترك تخضع لدراسة جدية. وهذا تطور يتجاوز مجرد التضامن السياسى، وإن كان لا يعنى، فى حد ذاته، اتخاذ قرار بالتدخل العسكرى. وتبقى كيفية ترجمة هذا الموقف إلى التزامات عملية، وحدود تلك الالتزامات، من أهم ما يستحق المتابعة فى الأيام المقبلة.
أما دعوة السيد عمرو موسى لاجتماع طارئ لوزراء الخارجية العرب، فهى خطوة تحمل وزن خبرته الطويلة فى العمل العربى المشترك، وتستحق أن تُقرأ كفرصة حقيقية، لا كمجرد إجراء شكلى. والرهان أن تترجم هذه المبادرة إلى نتائج تتجاوز ما شهدته اجتماعات سابقة من اكتفاء بالإدانة اللفظية، خصوصاً أن مصر معنية مباشرة بأمن البحر الأحمر وباب المندب. وما تكشفه ضربات مطار الرياض، فى نهاية المطاف، أن الأزمة اليمنية باتت نقطة اختبار لقدرة المنطقة بأسرها على التعامل مع تهديد متجدد، دون الاكتفاء بردود فعل آنية أو أنصاف حلول أثبتت التجربة أنها لا تنتج سوى مزيد من التصعيد.

المساعد السابق لوزير الخارجية

شاهد أيضاً

د. إيهاب زايد يكتب.. معركة الوعي والإعلام: كيف هزمت الحقيقة المصرية إمبراطورية الحرب النفسية؟

حين تُذكر معارك التحرير وتُستعاد صولات المجد في السادس من أكتوبر عام 1973، تتجه العقول …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *