الأربعاء , 21 أكتوبر 2026

د. جيهان رفاعى تكتب.. التقاء الأرواح فى سجون الأقدار



الحب الحقيقي ليس مجرد نبضة قلب عابرة، بل هو الروح التي تنفخ الحياة في جسد الأيام، والعاطفة السامية التي تولد مع الإنسان فِطرةً نقية لا تتبدل. إنه النور الذي يضيء ظلمات النفس، والسر الخفي الذي يربط القلوب برباط أمتن من تعاقب السنين، فلا يعترف بمسافات، ولا يقاس بأثمان، ولا ينطفئ بغياب. سماوى هبط على الأرض، وقبس نورانى أضاء فى قلب البشر، لا يشترى بالأموال، ولا ينال بالإقبال، ولا يقاس بجمال الأجساد، ولا يوزن بكمال الأعداد. إنه بلسم الأرواح اذا ضاقت الأنفاس، وأنيس القلوب إذا استوحشت من الأنام.
سمعت بعض الناس يلغطون فى الحب، فمن قال إنه وصال واتصال، ومن قال إنه لقاء وبقاء، ومن قال إنه عقد ووعد، وزواج ومهر. فقلت في نفسي متعجبة: ما عرفتم الحب في صفائه، بل عرفتم الحب فى شقائه، وما أدركتم جوهرة، بل أدركتم مظهره!
إن الحب الذي أعرفه وأستشعره، غير الذي تعرفون وتسعون إليه.
أما هواكم الذي تعرفون، فهو حب يريد ليأخذ، ويطلب ليملك، ويسعى ليضمن؛ فإن ضمن هدأ وسكن، وإن ملك مل ووهن، وإن أخذ اكتفى وانتهى.. أوله لذة عابرة، وآخره عادة حائرة، ظاهره رحمة ترجى، وباطنه منفعة تزجى!
وأما الذى أعرفه، فهو حب طاهر الرداء، عفيف النجواء، شريف العهد، مستحيل الوصل. حب عذري طاهر، لا تلوثه شهوة طاغية، و عفيف لا تدنسه نزوة عابرة، و شريف لا تساومه مصلحة خفية، قيدته أغلال القدر عن الوصال فأصبح أبهى وأجمل حال.
فقد تحب المرأة رجلاً، فتحفظه في غيبته كما يحفظ الدعاء في صدر التقي؛ لا تريد أن تكشفه للعيون، ولا أن تفرط فيه للظنون، ولا أن تبيعه في سوق الأهواء. تراه من بعيد فتكتفي، وتسمع عنه فتسلم لمقادير السماء وترضى بحكم القضاء، وتستكين للقسمة وتقبل المكتوب بالرضا والبسمة، وتعلم أنه ليس لها فلا تجزع ولا تنتحب، لأنه يكفيها من الوجود أنه موجود.
وقد يحب الرجل امرأة، فيسكنها في سويداء قلبه، ويحيطها بدعواته الصادقة في جوف الخفاء كنبضة غالية تسكن فى خدره وتضىء فى فكره، وأمانة عميقه يحفظها فى سره؛ لا يريد أن يدنس طهرها، ولا أن يخدش عفتها، ولا أن يجعلها حديثاً في مجالس العابثين. يلمح طيفها من بعيد فيستريح خاطره، ويطمئن لسلامتها فيهدأ روعه، ويعلم أن اللقاء بينهما مستحيل فلا يسخط على الأقدار، لأنه يكفيه من الدنيا أن يعلم أنها سعيدة وتعيش في أمان واطمئنان.
وقد يبتسم القدر للحظات، فيصادفهما الحظ ويلتقيان عفويا بلا ميعاد؛ وهناك، في تلك الدقائق المعدودات، تشتعل حرارة اللهفة بينهما كجمر مخبوء تحت الرماد. تتلاقى الأعين في صمت بليغ، ويدور بينهما حوار طويل بلا كلمات، يتناجيان بقلبيهما ويهتف كل طرف لصاحبه بأنفاس الشوق الحارقة. ومع ذلك، يلوذان بالصمت، ويحيطان لهفتهما بسياج من الكتمان؛ فلا إعلان، ولا إفشاء لسرهما بين الأقران، ولا إظهار لما يعتلج فى الوجدان، كأنهما غريبان بين الجموع، بينما هما في الحقيقة أقرب من الروح إلى البدن، يقتسمان الوجع مع مرور الدهر فى ممشى الصبر، وتدور في عروقهما لغة سرية لا يترجمها إلا الدمع الشاخص، والشوق الحارق.
قد تكون هي أمانة في عنق رجل كريم، وقد يكون هو راعياً لامرأة أصيلة، وقد تكون بينهما بلاد وحدود، وأعراف وسدود، وأعمار مضت وأقدار انقضت؛ فحال الوفاء بالعهود دون الوصال، وكان المستحيل حائلاً بين قلبين لو التقيا لالتحما كالغصنين، ولو ائتلفا لما اختلفا مدى الحياة. وكأنهما نجمان في السماء، يهتدي كل منهما بنور الآخر، ولكنهما لا يلتقيان.
ومعاذ الله أن تكون هذه النجوى دعوة إلى خيانة، أو نقضاً لميثاق الأمانة؛ فالخيانة سقوط في الهاوية وليست حباً، والغدر مهانة للنفس وليس قرباً. إنما أتحدث عن قلب اشتهى فعف، ورأى فغض، وأحب فصمت؛ فكتم لوعته في صدره كما يكتم العابد مناجاته، ويخفي الصالح صدقته.
ومع كل هذا الحرمان.. يعيشان ويحبان!
يحبان بلا لقاء يجمعهما، ويشتاقان بلا عناق، ويبكيان بلا دموع، ويدعو كل منهما للآخر في سجدة خفية لا يعلم بها إلا الله. إنهما كالشمعتين، تحترقان في صمت لتضيئا طريقاً من الوفاء.
فإذا قيل لها في عتاب: ألا تنسين رسمه؟ قالت: وهل ينسى القلب نبضه؟ وهل يهجر الليل قمره؟
وإذا قيل له في ملام: ألا تمضي في طريقك؟ قال: وهل يمضي النهر عن مجراه؟ وهل يفارق العطر شذاه؟
هذا الحب السامي لا يهدم بيتاً معموراً، بل يبني روحاً منهكة. لا يخون عهداً قائماً، بل يحفظ فى الخفاء ودا صائنا. لا يطلب فراشاً للذة، بل يطلب غفراناً من الله ورحمة. هو الحب الذي يبقى بعد أن يذهب كل شيء؛ كما يبقى الأريج بعد أن تذبل الوردة، وكَمَا يَبْقَى الدِفء فِي الْمَكَانِ بعد رحيل النهار، وكَما يبقى صدى اللحنِ العذبِ بعد أَنْ تَصمت الْأَوتَار.”
فيا أيها العاشقون بلا أمل في الوصال، ويا أيها المحبون في زمن المحال:
لا تحزنوا لأن الحياة لم تنصفكم، ولا تظنوا أن عاطفتكم قد ذهبت سدى. إن الله لا يضيع حباً طاهراً سكن فؤاداً نقياً، وكما قيل في الأثر: “ما كان لله دام واتصل، وما كان لغيره انقطع وانفصل”.
يكفيكم شرفاً أنكم أحببتم بلا غرض، وأخلصتم بلا عوض، ووفّيتم بلا وعد؛ فكنتم في زمن الشهوات كالملائكة الأبرار، وفي زمن الصفقات كالشهداء الأخيار، وفي زمن العبث أنقياء كقطرات الأمطار.
وخلاصة القول خاتمة لهذه النجوى: طوبى لقلب أحب فعف، ثم كتم فصبر؛ فما مات هذا القلب بل خُلد شهيداً، وما فني بل عاش في سماء الطهر سعيداً. لقد عاش في الدنيا نقياً، ومات فيها صفياً، وسيبعث يوم القيامة على نور طهره، فإن الأرواح الطاهرة تحشر مع من أحبت.. بأشواق قلوبها، لا بأجسادها.

شاهد أيضاً

سامى حربى يكتب.. كلمتين وبس

مابين اليوم والامس كلمة تطلق تسمى حرب اليمن مع الفارق الكبير فى المعنى والمضمون والتدخل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *