السبت , 24 أكتوبر 2026

د.نهال أحمد يوسف تكتب .. سيادة الرئيس

سيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي،

حين قرأت دعوتكم للمصريين للمشاركة في «منتدى مصر 2026»، شعرت أن من واجبي أن أكتب. ربما لم أستطع التسجيل والحضور إلى المنتدى، لكنني أستطيع أن أضع بين أيديكم ما كنت أتمنى أن أقوله لو جلست أمامكم مواطنة مصرية، لا تتحدث باسم حزب، ولا مؤسسة، ولا تيار، وإنما باسم نفسها فقط.

أكتب إليكم وأنا أحمل تقديرًا حقيقيًا لما شهدته مصر خلال السنوات الماضية من عمل ومشروعات ومحاولات لبناء دولة أكثر قدرة وحداثة، لكنني أكتب أيضًا لأن حب الوطن لا يعني الصمت حين نقلق عليه. وأحيانًا يكون القلق نفسه أحد أشكال الانتماء. أنا أحب هذا البلد، ولهذا أخاف عليه، وأخاف أن نتقدم في اتجاهات كثيرة، لكننا نفقد في الطريق شيئًا من روحه وذاكرته.

أنا لست ضد التطوير، ولا أرى أن كل قديم يجب أن يبقى كما هو، لكنني أؤمن أن هناك فرقًا بين أن نطوّر المكان وبين أن نفقده. في مدننا شوارع وبيوت وأحياء ومبانٍ لا تساوي فقط ثمن الأرض التي تقوم عليها، وإنما تحمل تاريخًا وذاكرة وحكايات أجيال. وأحيانًا تكون القيمة الاقتصادية الحقيقية للمكان في بقائه نفسه: أن يُرمم، ويُعاد توظيفه، ويصبح مقصدًا سياحيًا أو ثقافيًا، أو مساحة حية للفنون والحرف والمطاعم والمتاحف والأنشطة. ليس كل استثمار يبدأ من الهدم، وأحيانًا يكون الحفاظ هو الاستثمار الأذكى والأطول عمرًا. قبل أن نغير ملامح مكان قديم، أتمنى فقط أن نسأل: هل يمكن أن نستفيد منه وهو باقٍ؟ لأن بعض الأشياء إذا اختفت، لا يعيدها المال.

وأنا، مثل ملايين الناس، أعيش أيضًا تفاصيل يومية قد تبدو صغيرة أمام ملفات الدولة الكبرى، لكنها بالنسبة للمواطن هي حياته نفسها. أذهب إلى عملي وأعود كل يوم، وأعبر طرقًا ومحاور وأدفع رسومًا أكثر من مرة، وليس لدي اعتراض على أن أدفع مقابل طريق جيد أو خدمة جيدة، لكن ما يرهقني أحيانًا ليس قيمة الرسوم نفسها، وإنما الوقت الذي يضيع معها. وإذا كنا نتحدث عن التحول الرقمي، فلماذا لا نتوسع أكثر في نظم التحصيل الإلكتروني التي تسمح للسيارات بالمرور من دون توقف؟ وقت المواطن أيضًا له قيمة، وهو جزء من إنتاجه وحياته.

والفكرة نفسها تحضر في ذهني حين يتوقف الطريق لمرور مسؤول. أنا أتفهم ضرورات التأمين والأمن، ولا أقلل منها، لكنني أفكر ببساطة أن المسؤول ذاهب إلى عمله، ونحن أيضًا ذاهبون إلى أعمالنا. وأنا حين أتأخر لا يكون الأمر مجرد خصم محتمل من راتبي، بل هناك أيضًا شخص ينتظرني في موعد، أو طلاب في محاضرة، أو اجتماع بدأ من دوني. احترام الوقت ليس فقط حقًا شخصيًا لي، بل هو أيضًا احترام لمن ينتظرني عند الوصول. أتمنى أن نجد دائمًا معادلة تحمي المسؤول وتحترم في الوقت نفسه وقت الناس والتزاماتهم.

ويشغلني التعليم أكثر من أشياء كثيرة أخرى، لأنه يتعلق بمستقبل أولادنا. كثير من الأسر المصرية اختارت لأولادها تعليمًا خاصًا أو دوليًا، ودفعت من دخلها الخاص، ليس لأنها أقل انتماءً لمصر، ولا لأن أبناءها أقل مصرية، وإنما لأنها تبحث لهم عن تعليم تراه أفضل لمستقبلهم. نحن لم نطلب من الدولة أن تتحمل عنا تكلفة هذا التعليم، بل تحملناها بأنفسنا، ولذلك يؤلمني أن نشعر أحيانًا وكأن علينا أن نثبت انتماء هؤلاء الأبناء من خلال امتحان أو إجراء خاص بهم. أنا أريد لأولادي أن يعرفوا العربية، وأن يعرفوا تاريخ بلدهم ودينهم وثقافتهم، لكنني أؤمن أن الانتماء أكبر من ورقة امتحان. الانتماء يُبنى حين يشعر الطفل أن بلده تحترمه، وأنه يجد فيها ما يجعله يريد أن يبقى قريبًا منها مهما سافر أو تعلم.

وأنا كمواطنة أسجل عقاري، وأدفع الضرائب والرسوم المستحقة، وأدفع في المعاملات والخدمات والطرق والتعليم، وأدفع حين أحتاج إلى علاج أفضل، وليس لدي اعتراض من حيث المبدأ على أن أدفع نصيبي في تكلفة الدولة. أنا أعرف أن الدولة لا تُدار مجانًا، وأن بناء الطرق والمدارس والمستشفيات والبنية الأساسية يحتاج إلى موارد. لكن ما أتمناه هو أن أشعر بأن هناك شيئًا يعود إليّ في المقابل، لا مالًا، وإنما جودة حياة: طريق لا يستهلك يومي، وتعليم يطمئنني على أولادي، وخدمة صحية أستطيع الاعتماد عليها، ومؤسسة تحترم وقتي، وشعور بأن ما أدفعه يتحول إلى شيء ألمسه في حياتي.

أنا لا أقول: لا تجعلوني أدفع. بل أقول: اجعلوني أشعر بما أحصل عليه مقابل ما أدفعه. لأن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس أن يدفع المواطن كثيرًا فقط، وإنما أن يشعر بمرور الوقت أنه يدفع في كل اتجاه، ثم يبحث عن المساحة التي يشعر فيها أن الدولة ترعاه لمجرد أنه مواطن. الدولة ليست شركة خدمات، والمواطن ليس مجرد عميل، والعلاقة بينهما يجب أن تكون أعمق من ذلك؛ علاقة حقوق وواجبات وثقة وانتماء.

سيادة الرئيس، أعرف أن من موقع المسؤولية تبدو الصورة أكبر بكثير مما يراه المواطن؛ هناك اقتصاد وموارد والتزامات وتحديات وأمن ومسؤوليات لا نرى منها إلا جزءًا صغيرًا. لكن المواطن يرى أشياء أخرى: الوقت الذي يقضيه في الطريق، والراتب الذي يحاول توزيعه، وقسط المدرسة، وفاتورة الطبيب، والرسوم التي يدفعها، والشارع الذي تغير، والمبنى الذي اختفى، والمكان الذي كان جزءًا من ذاكرته ولم يعد موجودًا. قد تبدو هذه الأشياء صغيرة أمام ملفات الدولة، لكنها بالنسبة إلينا هي الحياة نفسها.

أنا لا أطلب من الدولة أن تتحمل عني كل شيء، ولا أرفض أن أدفع نصيبي، ولا أتوقع أن تحل الحكومة كل مشكلة في حياتي. ما أريده أن أشعر أنني شريكة في هذا البلد، لا مجرد من يدفع فاتورته. أريد أن أشعر أن صوتي يمكن أن يصل قبل أن تتغير ملامح مكان أحبه، وأن القلق من قرار أو الاعتراض على طريقة تنفيذه لا يعني الخصومة مع الدولة. أحيانًا يكون السؤال نفسه شكلًا من أشكال الحب.

أنا لا أخاف من أن تتغير مصر، بل أتمنى أن تتغير إلى الأفضل. لكنني أتمنى أن نبني الجديد من دون أن نمحو القديم، وأن نستثمر في المستقبل من دون أن نفقد ذاكرتنا، وأن نطلب من المواطن أن يشارك في تكلفة الدولة من دون أن ننسى أنه ليس مجرد من يدفع. أتمنى أن تبقى لنا أماكن نحكي عنها لأولادنا، وشوارع لها روح، ومبانٍ نقف أمامها ونقول لهم: هنا كانت حكايتنا.

أنا مستعدة أن أستمر في دفع نصيبي في بناء مصر الجديدة، لكنني أتمنى، ونحن نبنيها، ألا نفقد مصر التي أحببناها في الطريق.

أستاذ مساعد الاعلام والاتصال والدراسات الثقافية، رئيس وحدة الأعمال التنفيذية بالمنظمة العربية للحوار والتعاون الدولي

شاهد أيضاً

د.سامح صابر يكتب.. عباس بن فرناس”حكيم الأندلس” الذي ظلمه الوعي الجَمْعي

​في كتابات التاريخ وسطوره المنسية، كثيراً ما تتوارى الحقائق البارزة خلف اختزالات مجحفة وروايات مبتورة. …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *