الحب والأمان والسند والقبول
هذا كل ما يحتاجه أي انسان مجروح ،متألم، مصدوم ..
أتريدون أن تعرفوا أثر الصدمة على شخص؟
لامشهد أوضح من وقوف الفنان فضل شاكر على خشبة المسرح بعد سنوات طويلة من الغياب…
جسم متخشب …
لغة جسد محبوسة مختنقة..
صوت حنون مخنوق محبوس…
الموضوع ليست صدمة وخوف من مواجهة الجمهور بعد انقطاع طويل…بل هو أثر صدمة لسنوات ثقيلة من السجن ..الهروب ..مراجعة الذات.. اللجوء في المخيمات…العزلة…البعد عن أقرب الناس ..والمصير المجهول ..
لكن كل ذلك تغير في دقائق فقط ..
(فَضول ..
حبيب ألبي
اسم الله عليك..
أهل الرياض مابوصيكن..)
قال تلك الكلمات بعد أن قرر الصعود على خشبة المسرح ليسند والده حين شعر بتوتره وقلقه وخنقة صوته …
ماذا فعل هنا محمد فضل شاكر؟
أصغى لما هو خلف الصوت ..خلف الكلام ..خلف المظهر..
أصغى للمشاعر ..
فوجد قلقا وخوفا رغم التماسك الظاهري ..رغم قوة الشخصية التي يتصف بها فضل شاكر أساسا …
فقدم مباشرة الإسعاف الأولي للروح المتعبة المنهكة..
صعد إلى خشبة المسرح . احتضن والده ..غنى معه ..أسمعه كلمات الحب والتشجيع …وطلب من الجمهور دعمه ومساندته…رغم أن الجمهور لم يقصر في الدعم والمساندة من اللحظات الأولى ..
لكن أن يساندك الناس شيء ..وأن يسندك ويحتضنك أقرب انسان إلى روحك وقلبك شيء مختلف تماما..
هنا حدث تحول مباشر وكبير…
الجسد تحرر من تكتفه وتخشبه وراح يتمايل مع الموسيقى ..
الصوت الحنون انساب من خلف قضبان القلق والتوتر ..
النفس اطمأنت وسكنت …
إنه سحر الحب والونس والسند والأمان الذي يمنحك أياه من تثق فيه وتسند ظهرك إليه كما يسند شخص ظهره ويتكئ على جدار متأكد من أنه لن يخذله ويتركه يسقط وحيدا مكسورا…
إنه السند يارفاق ..السند..
في عام 2006، نشر عالم الأعصاب البروفيسور جيمس كوان (James Coan) وفريقه في جامعة فرجينيا دراسة في دورية Psychological Science قلبت موازين العلوم العصبية، وعرفت باسم تجربة إمساك اليد (The Hand-Holding Study).
سؤال البحث كان محددا ودقيقا: هل وجود شريك حياة آمن يغير الطريقة البيولوجية التي يستجيب بها دماغنا للألم والتهديد؟ أم الموضوع مجرد إحساس نفسي نتوهمه؟
أجريت التجربة على 16 زوج وزوجة يعيشون في علاقات زواج مستقرة وسعيدة، وصمموا تجربة نُفذت بأعلى درجات الدقة الإكلينيكية
أدخلوا الزوجة داخل جهاز الرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI) كي يصوروا نشاط خلايا المخ لحظة بلحظة، وربطوا في كاحلها قطب كهربائي يبعث صدمة كهربائية خفيفة مؤلمة.
التجربة كانت بنظام إنذار مسبق؛ الزوجة ترى على شاشة أمامها علامة (X حمراء) معناها: “خلال ثواني معدودة ستأتيكِ صدمة كهربائية في ساقك”، أو علامة (دائرة خضراء) معناها: “أنتِ في أمان ولاتوجد صدمة”.
يعني الدماغ كان يوضع في حالة ترقب ورعب وانتظار للألم،
وتم اختبار كل زوجة تحت 3 شروط مختلفة تماماً
- وهي لوحدها تماماً داخل الجهاز.
- وهي ممسكة بيد رجل غريب لاتعرفه (واحد من فريق البحث).
- وهي ممسكة بيد زوجها.
الصور التي خرجت من جهاز الرنين المغناطيسي كانت مذهلة ومفاجئة للعلماء أنفسهم.
أولاً: حين كانت الزوجة لوحدها تماماً:
أول ما الـ (X الحمراء) كانت تنور، المخ كان يشتعل نارا ! مراكز الخوف والتهديد تعمل بأقصى طاقتها …. المخ كان في حالة طوارئ قصوى وجاهز للهجوم أو الهروب.
ثانياً: حين أمسكت بيد شخص غريب:
نشاط مراكز الخوف والألم قل بعض الشيء، لكن بنسبة طفيفة. وجود “أي كائن بشري” إلى جانبها طمئن الجهاز العصبي بنسبة بسيطة جداً، لكن التوتر العام بقي عال.
ثالثاً: النتيجة الصادمة حين كانت تمسك بيد زوجها:
مجرد أصابع زوجها لمست يدها، كأن أحدا أطفأ جهاز الإنذار في المخ!
مراكز استشعار الألم انخفض بشكل دراماتيكي، والمخ تعامل مع الصدمة الكهربائية على إنها تهديد تافه وأقل وجعاً بكثير.
والنقطة الأهم بحثياً:
كوان كان قد قاس مسبقاً جودة العلاقة الزوجية لكل زوجين من خلال مقياس …
وحين قارنوا الدرجات بصور الدماغ ، وجدوا قاعدة واضحة:
كل ما كانت العلاقة أسعد وأكثر أماناً واستقراراً، كل ما كانت قدرة لمسة اليد على إخماد مراكز الألم في المخ أكبر وأسرع!
يعني الأمان هنا ليس مجرد تواجد أي شخص ، الأمان شحنة عصبية تهدئ خلايا الدماغ على قدر رصيد الثقة المتراكم ..
.
خرج جيمس كوان بنظرية علمية غيرت مفاهيم علم النفس العصبي : نظرية خط الأساس الاجتماعي (Social Baseline Theory).
النظرية تقول باختصار:
مخ الإنسان مبرمج بيولوجياً على إن “الوضع الطبيعي” (Baseline) هو إننا نكون متصلين بأشخاص نحبهم ونثق فيهم حين نكون في علاقة آمنة،
فيوفر الدماغ طاقته ولايجهد خلاياه العصبية في الدفاع.
لكن حين يكون الإنسان وحيدا أو في علاقة مهددة وباردة، الدماغ يعتبر هذا هو “الوضع الاستثنائي الخطر”، ويبقى يعمل على أعلى استهلاك طاقة، متأهب ومرعوب ومستنزف طوال الوقت.
الدرس الحقيقي
مسكة يد صادقة من إنسان تحبه ليس مجرد حركة عاطفية؛ بل مسكناً بيولوجياً حقيقياً يهدئ عاصفة المخ ويذكره بأنه ليس لوحده في المعركة..
السند ليس بالضرورة شريكَ حياة؛ فقد يكون ابنًا بارًّا، أو صديقًا مُحبًّا، أو أيَّ قلبٍ صادقٍ وفيٍّ.
اسم الله على قلوبكم
كما قال محمد فضل لوالده فضل شاكر ..
جريدة الاخبارية سياسية::شاملة::مستقلة
