السبت , 24 أكتوبر 2026

معروف مطرب يكتب.. حين تتعانق الألوان مع الذاكرة.. القنيطرة تحتفي بالتراث والهوية والإبداع

مساء اليوم الخميس 22 أكتوبر 2026، تمام الساعة الخامسة مساء، لم تكن القنيطرة على موعد مع افتتاح معرض تشكيلي فحسب، بل مع لحظة ثقافية تختزل معنى الانتماء، وتستعيد نبض الذاكرة، وتفتح أمام الإبداع نوافذ جديدة للإشراق. ففي رحاب المركز الثقافي بالمدينة، التأمت تجارب فنية ضمن معرض جماعي حمل عنوان «التراث الثقافي في مرآة الفن»، ليجعل من الألوان لغة للوجدان، ومن اللوحة فضاءً لاستحضار الهوية، ومن التراث جسراً ممتدا بين أصالة الماضي وتطلعات المستقبل.

إنها لحظة يتجاوز فيها الفن حدود الصورة، ليصبح شهادة على قدرة الإنسان على صون ذاكرته وإعادة اكتشاف ذاته. فالتراث، حين تلامسه الريشة، لا يظل حبيس الماضي، بل يستعيد حيويته في رؤية معاصرة تمنحه القدرة على مخاطبة الأجيال الجديدة، وتفتح أمامه آفاقا رحبة للتجدد والتفاعل مع التحولات الثقافية والجمالية. وهنا تكمن القيمة العميقة للمعارض التي تجعل من الإبداع وسيلة للحوار بين الإنسان ومحيطه، وبين الذاكرة الفردية والوجدان الجماعي.

وقد جمع هذا الموعد خمسة فنانين تشكيليين من مدينة القنيطرة، هم: حميد بوخراز، وعبد النبي الحناطي، وعبد الله الرامي، وفتيحة نقيبات، وحنان معكوز، في فضاء تتجاور فيه الرؤى وتتعدد فيه التعبيرات، بينما تتوحد التجارب حول شغف الجمال والبحث عن لغة بصرية تمنح التراث حضورا متجددا. فلكل فنان بصمته الخاصة، ولكل لوحة حكاية تنبض بما تختزنه الذاكرة من صور ودلالات، وما يستشعره المبدع من علاقة عميقة بالمكان والإنسان والهوية.

غير أن الإشعاع الحقيقي لهذا الموعد لا ينحصر في الأعمال المعروضة وحدها، بل يمتد إلى الأجواء الثقافية التي احتضنتها، وإلى الدور الذي تضطلع به المؤسسة في توفير فضاء للقاء والتفاعل، وإلى المبادرات التي تمنح العمل الثقافي أفقاً يتجاوز حدود المناسبة العابرة.

وفي هذا السياق، تستحق السيدة المحترمة “عزيزة طنان”، مديرة المركز الثقافي بالقنيطرة، إشادة وتثمينا خاصين، تقديراً لما عكسه استقبالها للحاضرين من إعلاميين ومثقفين وفنانين تشكيليين ومسرحيين وموسيقيين، إلى جانب وجوه رياضية بارزة محليا ووطنيا، من انفتاح على تعدد الحساسيات الإبداعية، وإيمان بأهمية جعل المؤسسة الثقافية فضاء جامعا لمختلف الطاقات والكفاءات.
لقد حملت كلمتها الترحيبية، وفق مضمونها، تقديرا لمكانة الفن في الارتقاء بالذوق العام والإسهام في ازدهار الحضارة، كما تضمنت تنويها بالتجربة الفنية للفنان “عبد الله الرامي” ومساره الإبداعي. وهي إشارات تبرز أهمية الاعتراف بالمجهود الفني، والاحتفاء بالتجارب التي راكمت حضورها، وتشجيع الفنانين على مواصلة العطاء في بيئة ثقافية تقدر الإبداع وتمنحه المكانة التي يستحقها.

وتتعمق دلالة هذه المبادرة أكثر من خلال الدعوة المفتوحة التي وجهتها السيدة مديرة المركز الثقافي إلى الفاعلين في المجالات الثقافية والفنية والرياضية، من أجل تقديم أعمالهم ومشاريعهم داخل فضاء المؤسسة، وفق الإجراءات الإدارية والمساطر المعمول بها. إنها دعوة تحمل في جوهرها تصورا للثقافة باعتبارها مجالا للمشاركة، ومسؤولية تتقاسمها المؤسسة والمبدع والجمهور، ومجالا تتكامل فيه المبادرات الفردية مع الجهود المؤسساتية من أجل بناء مشهد محلي أكثر حيوية وانفتاحا.

وهنا تحديدا تتجلى قيمة التدبير الثقافي الذي يتجاوز تنظيم الأنشطة إلى تهيئة شروط الإبداع، ويفتح الباب أمام المبادرات بدل أن يتركها حبيسة الانتظار، ويمنح المواهب فرصة الانتقال من دائرة الإمكان إلى فضاء الحضور والتأثير. فالمؤسسة الثقافية الناجحة ليست مجرد عنوان على خريطة المدينة، بل فضاء تتلاقى فيه الأفكار، وتكتشف فيه الطاقات إمكاناتها، ويجد فيه الفنان من يصغي إلى تجربته، ويجد الجمهور ما يغذي ذائقته ويوسع أفقه الجمالي والمعرفي.

ومن هذا المنطلق، فإن تثمين مبادرة السيدة عزيزة طنان لا يتوقف عند حدود الترحيب بالحاضرين أو احتضان معرض فني، بل يتصل بما تفتحه الدعوة إلى الانفتاح من إمكانات مستقبلية لتوسيع دائرة المشاركة الثقافية، وتشجيع المبادرات النوعية، وتوفير فرص أكبر للتعريف بالإنتاجات المحلية. إنها خطوة يمكن أن تشكل أرضية لتراكم ثقافي مستمر، متى وجدت ما يدعمها من برامج واضحة، واستمرارية في التواصل، وتعاون بين مختلف الفاعلين.

ولعل القنيطرة، بما تزخر به من طاقات بشرية وتجارب فنية وثقافية ورياضية، في حاجة دائمة إلى مثل هذه الجسور التي تصل المبدعين بالمؤسسات، وتربط الإنتاج الثقافي بالجمهور، وتمنح المبادرات الجادة فرصة للنمو والاستمرار. فكم من فكرة يمكن أن تتحول إلى مشروع متميز حين تجد فضاء يحتضنها؟ وكم من موهبة يمكن أن تكتشف مسارها حين تلتقي بجمهور يؤمن بها؟ وكم من تجربة محلية يمكن أن تسهم في إشعاع المدينة حين تتاح لها فرص العرض والتبادل والتطوير؟.

إن الآفاق الممكنة أمام المركز الثقافي بالقنيطرة تبدو واسعة، من خلال تشجيع المعارض التشكيلية المتجددة، واحتضان اللقاءات الفكرية والأدبية، وفتح فضاءات للحوار بين الأجيال، وتعزيز التقاطع بين الفنون التشكيلية والمسرح والموسيقى، إلى جانب تشجيع المبادرات التي تجعل الثقافة أقرب إلى مختلف فئات المجتمع. كما يمكن للتعاون بين الفنانين والمؤسسات والفاعلين المحليين أن يفتح مسارات جديدة للتعريف بالإبداع القنيطري، ويعزز حضوره في المشهد الثقافي الجهوي والوطني.

وتظل الرؤية المستقبلية الأكثر إشراقا هي تلك التي تجعل من المركز الثقافي فضاءً نابضا بالحياة على امتداد السنة، لا تقتصر حركيته على المواعيد الموسمية، بل تتواصل فيه الأنشطة والتجارب واللقاءات، بما يتيح للجمهور اكتشاف الفن بصورة منتظمة، ويمنح المبدعين فرصا متجددة لتطوير أعمالهم وتقديمها. فالثقافة تحتاج إلى الاستمرارية بقدر حاجتها إلى المبادرة، وإلى التراكم بقدر حاجتها إلى الإشعاع، وإلى رؤية تجعل من كل نشاط لبنة في بناء مشهد ثقافي متكامل.

شاهد أيضاً

​نسمات الخريف تطرق الأبواب.. طقس معتدل يسيطر على القاهرة والمحافظات وتراجع الحرارة ليلا

​كتبت ماجدة عبد العظيم ​تواصل درجات الحرارة انخفاضها الملحوظ معلنةً سيطرة الأجواء الخريفية المعتدلة على …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *