الأحد , 25 أكتوبر 2026

حجاجي أحمد تكتب.. رواية «امرأة من زمن الحلم الضائع»

فصل: أول مراسم الحب

لم أكن أعرف أن الحزن يستطيع أن يتخذ هيئة كلمات، وأن القصائد التي نكتبها في لحظات الانكسار ليست سوى رسائل استغاثة نلقيها في بحر الحياة، لعل قلبًا واحدًا يلتقطها قبل أن تبتلعها الأمواج. كنت أجلس على طرف سريري، في غرفتي الصغيرة التي شهدت أحلامي ودموعي وارتباكي، وأمامي أجندتي القديمة التي صارت تشبه صندوقًا أودع فيه ما لا أستطيع قوله لأحد. فتحت صفحة بيضاء، وظللت أحدق فيها طويلًا، كأنني أنتظر أن تكتب نفسها، أن تزيح عن صدري ذلك الثقل الذي لم أعد أعرف كيف أحمله. كان اسم فتحي يتردد في رأسي كأنشودة بعيدة، يجيء مع كل نبضة ثم يختبئ خلف خوفي، فأمد يدي إلى القلم وأتراجع، وأعود إليه كمن يعود إلى باب يعرف أن وراءه ما يؤلمه وما ينقذه في الوقت نفسه. كتبت: «على السلم الموسيقي أضع اسمك، وأختزل صمتي… كيف خلعوا..!» ثم توقفت. كيف أشرح له أن اسمه لم يعد مجرد اسم أكتبه في هامش كتاب أو أستعيده في لحظة شرود؟ لقد صار نغمةً خفية تتسلل إلى يومي، وترتب فوضى قلبي على إيقاع لا يسمعه سواي. كنت أضع اسمه بين حروف الدرس، وأجده في زحام الشوارع، وأسمعه في صوت الريح وهي تمر من نافذة غرفتي، ثم أخاف من نفسي؛ أخاف أن أكون قد منحت رجلًا واحدًا كل هذه المساحة من روحي، بينما الواقع يصر على أن يضع بيننا ألف باب وباب. أغمضت عيني، وشعرت بدمعة تتسلل على مهل، ثم تابعت الكتابة، كأنني أنتزع الكلمات من مكان عميق لا تصله يد أحد: «كيف خلعوا عن خاصرتك التراب، وأدخلوكِ مواسم الحصاد، بأرحامٍ من قش، وأجنةٍ من خواء؟» لم أكن أكتب عن امرأة أخرى، ولا عن أرض بعيدة اقتلعوها من جذورها، كنت أكتب عن نفسي، عن تلك الفتاة التي أرادوا لها أن تنضج قبل أوانها، وأن تحصد ما لم تزرع، وأن تبتسم حين يقرر الآخرون شكل ابتسامتها، وأن تقبل بما اختاروه لها لأن الاعتراض في نظرهم نوع من العقوق، والحلم الذي لا يشبه أحلامهم ضرب من الجنون. كيف اقتلعوا من داخلي طمأنينة البدايات، ثم طالبوني بأن أكون ممتنةً للحياة؟ كيف أرادوا مني أن أحصد السعادة في أرض لم يتركوا لي فرصةً لأختار بذورها؟ وكيف يمكن لقلبٍ أن ينمو في مواسم مفروضة عليه، وأن يثمر حبًّا بينما جذوره ترتجف خوفًا من يدٍ قد تمتد لتقتلعها؟ كانت الكلمات تنزف على الورق، وكنت كلما انتهيت من سطر شعرت أنني فقدت شيئًا من قدرتي على الاحتمال. كتبت عن أحلامي التي ظلت معلقةً على جدار الغد، وعن الصحافة التي ناداني صوتها من بعيد، وعن الكتب التي كانت تمنحني إحساسًا بأن العالم أوسع من الشوارع التي أعرفها، وعن فتحي الذي جاء إلى حياتي لا ليمنحني حلمًا جديدًا، بل ليعيد إليّ حقي في الأحلام التي ظننت أنني فقدتها. ثم أغلقت الأجندة فجأة، وضغطت عليها بكفي، كأنني أخشى أن تنفلت الكلمات منها وتذهب إليه، فتفضح ضعفي أمامه. لم أكن أريد أن يشفق عليّ، ولا أن يقرأ في حزني استسلامًا، كنت أريده أن يفهم فقط أنني أتعب، وأنني مهما بدوت قويةً أمام الآخرين، فإنني أحيانًا أحتاج إلى أن أستند إلى صوته، إلى أن يقول لي إنني لست مضطرةً إلى خوض كل معاركي وحدي. وفي صباح اليوم التالي، حملت أجندتي في حقيبتي، وذهبت إلى المعهد كأن شيئًا لم يحدث. ارتديت وجهي المعتاد، ذلك الوجه الذي تعلم أن يبتسم في الوقت المناسب، وأن يخفي ارتباكه خلف إجابة سريعة أو تعليق ساخر. جلست في المحاضرة، وأخرجت دفتري، وحاولت أن أتابع شرح الأستاذ، لكن الكلمات كانت تتداخل أمام عيني، وتعود بي إلى الصفحة التي كتبتها في الليل. كنت أتساءل إن كان فتحي يشعر بما أشعر به، وإن كان يعرف أنني حين أصمت لا أكون بعيدةً عنه، بل أكون غارقةً في ألف كلمة لا أجرؤ على قولها. لم أكن أعلم أن كلماتي قد خرجت من أجندتي، وأن أحدًا ما قرأها، ولا أن ذلك الصمت الذي ظننته حبيس صدري سيعود إليّ في صورة لم أتخيلها يومًا. كنت أكتب، وهو يقرأ؛ كنت أختبئ خلف الحروف، وهو يفتش بين سطورها عني. لم يكن فتحي من الرجال الذين يكثرون الكلام عن مشاعرهم، ولم يكن يملك رفاهية أن يشتري لي العالم، لكنه كان يعرف كيف يمنح التفاصيل الصغيرة قيمةً لا تمنحها الأشياء الباهظة. وحين وقعت عيناه على كلماتي، لم يرَ فيها مجرد أبيات حزينة، بل رأى هالة التي تحاول أن تقاوم، والفتاة التي يخشى أن يطفئ العالم وهجها قبل أن تعرف إلى أي مدى يمكن أن تصل. قرأها مرة، ثم أعاد قراءتها، وتوقف طويلًا عند عبارة «بأرحامٍ من قش، وأجنةٍ من خواء». شعر أنني أتحدث عن أحلامٍ تُفرض عليها الحياة قبل أن تُولد، وعن مستقبلٍ يريد الجميع أن يختاروه لي، وعن قلبٍ يُطالب بأن ينضج في أرضٍ لا تمنحه حق الاختيار. لم يرد أن يبعث إليّ رسالةً عابرة، ولا أن يكتب كلمات مواساةٍ يمكن لأي شخص أن يقولها، أراد أن يجيبني باللغة التي كتبت بها وجعي، وأن يترك لي شيئًا أستطيع أن ألمسه حين يغيب صوته. جلس إلى مكتبه، وأخرج ورقةً بيضاء، وظل القلم بين أصابعه لحظات قبل أن يبدأ الكتابة. كتب لي:

«إلى هالة… التي تكتب وجعها كأنها تخشى أن يسمعه العالم،

قرأت كلماتك أكثر من مرة، وفي كل مرة كنت أشعر أنني أقترب من قلبك خطوةً، ثم أكتشف أن وراء كل كلمة بابًا آخر من الحزن لم تفتحيه بعد. يا هالة، لا أعرف من الذي أقنعك بأن عليك أن تحصدي قبل أن تختاري البذور، ولا من الذي ظن أن اقتلاع أحلامك سيجعل حياتك أكثر أمانًا، لكنني أعرف شيئًا واحدًا: الأرض التي تُحرم من حقها في الاختيار قد تظل صامتةً طويلًا، لكنها لا تنسى جذورها، ولا تكف عن الحلم بالمطر.

قرأت سؤالك عن التراب الذي خُلع عن خاصرتك، وفكرت في أن الإنسان ليس شجرةً تُنقل من مكان إلى آخر دون أن تتألم، ولا أرضًا تُزرع بما يشاء الآخرون ثم يُطلب منها أن تثمر فرحًا. أنتِ لستِ موسمًا ينتظر الحصاد، ولا حلمًا يملكه أحد سواكِ، ولا قلبًا خُلق ليعيش وفق رغبات الآخرين. أنتِ إنسانة لها الحق في أن تختار، وأن تتعلم، وأن تخطئ، وأن تعود إلى الطريق، وأن تصنع لنفسها حياةً تشبهها.

وأنا، يا هالة، لا أريد أن أكون يدًا أخرى تقتلعك من جذورك، ولا أريد أن يتحول اسمي في أجندتك إلى قيدٍ جديد. إن كنتِ قد وضعتِ اسمي على سلم الموسيقى، فاجعليه نغمةً تمنحك القوة، لا لحنًا يحزنك كلما ابتعدتِ عن حلمك. لا أريد أن تكوني لي على حساب نفسك، بل أريدك أن تكوني نفسك، وأن تسمحي لي، إن أردتِ، أن أكون جزءًا من الطريق.

قد لا أملك أن أضيء لكِ العالم كله، وقد أعجز أحيانًا عن إبعاد الحزن عن قلبك، لكنني أستطيع أن أعدك بأنني لن أطلب منك أن تنطفئي كي أبدو أنا أكثر إشراقًا. أحب فيكِ تلك الروح التي ترفض أن تستسلم، وأخاف عليها من كل ما يحاول أن يجعلها تصدق أنها أقل من أحلامها.

وإن جاء يومٌ شعرتِ فيه أن الطريق ضاق بكِ، فلا تتخذي قرارًا وأنتِ موجوعة، ولا تظني أن عليكِ أن تكوني قويةً في كل لحظة. لكِ أن تحزني، وأن تبكي، وأن تتعبي، ثم تنهضي من جديد. ليس مطلوبًا منكِ أن تنتصري في كل معركة، يكفي ألا تسمحي للهزيمة أن تقنعك بأنك لا تستحقين الحياة التي تحلمين بها.

أما أنا، فسأظل أؤمن بأن الحب الحقيقي لا يقتلع، بل يزرع؛ لا يحاصر، بل يمنح المساحة؛ ولا يطلب من الحلم أن يصغر كي يتسع له القلب. وإذا كان لي مكانٌ في مستقبلك، فأريده مكانًا تشرق فيه أحلامك، لا ظلًّا يحجب عنها الشمس.

فتحي»

طوى الرسالة بعناية، ثم وضعها في ظرفٍ صغير، وأرفق بها وردةً حمراء اختارها بيده. لم تكن وردةً فاخرة، ولا باقةً تملأ المكان، لكنها كانت حمراء كأنها اختصرت كل ما عجز عن قوله، ومعطرةً بعطرٍ هادئ يشبه حضوره حين يقترب من قلبي دون أن يربكني عمدًا. ظل يتأملها لحظة، ثم ابتسم ابتسامةً حزينة؛ كان يعرف أن الوردة لن تحل خلافًا، ولن تبدل رأي أبي، ولن تفتح الأبواب المغلقة دفعةً واحدة، لكنها ربما تستطيع أن تخبرني أن هناك من قرأ حزني ولم يهرب منه، ومن رأى ضعفي ولم يستخدمه ضدي، ومن اختار أن يقترب بحنانٍ لا يطلب ثمنًا.

وصلت الرسالة إلى المعهد بينما كنت أجلس في المحاضرة، أحاول أن أكتب ملاحظاتٍ لا أفهم نصفها. جاءني أحد العاملين، وسأل عن هالة، فرفعت رأسي على استحياء. ناولني ظرفًا صغيرًا، وما إن وقعت عيناي على اسمي المكتوب بخط أعرفه حتى توقف كل شيء حولي. لم أسمع ضحكات الطالبات، ولا صوت الأستاذ وهو يشرح، ولا حركة المقاعد من حولي. رأيت اسمي فقط، ورأيت في ذاكرتي وجه فتحي، وطريقته حين ينطق اسمي كأنه يمنحه معنىً خاصًا لا يعرفه غيرنا. فتحت الظرف بحذر، فانكشفت الوردة الحمراء أولًا، وتسلل عطرها إلى أنفاسي، ثم ظهرت الرسالة المطوية. ارتجفت أصابعي، ولم أستطع أن أمنع ابتسامةً صغيرة من الظهور على وجهي. كانت الوردة وحدها كافيةً لتخبرني أنه لم يتركني وحدي في عتمة كلماتي، لكنني حين بدأت القراءة شعرت بأن شيئًا أعمق من الفرح يتفتح في صدري. كان يقرأني حقًا، لا يقرأ الكلمات فقط. لم يقل لي إنني أبالغ في الحزن، ولم يطالبني بأن أتوقف عن الكتابة، ولم يحاول أن يقنعني بأن الواقع جميل كما هو. لقد رأى ما يؤلمني، ثم مد إليّ يده دون أن ينتزع مني القلم.

عند عبارته: «لا أريد أن تكوني لي على حساب نفسك»، انحدرت دمعة على خدي. مسحتها بسرعة، والتفتُّ حولي خشية أن تلاحظني إحدى زميلاتي، لكنني لم أعد قادرةً على متابعة المحاضرة. كان في داخلي شيء يركض نحوه، شيء يريد أن يراه الآن، لا غدًا، ولا بعد انتهاء الدوام، ولا حين تسمح الظروف. أردت أن أقول له إنني فهمت، وإنني لا أريد أن أكون مجرد حلمٍ في حياته، بل أريد أن أعيش معه واقعًا لا يقتل أحلامنا، وإنني، رغم خوفي، لم أعد أرى الحب بوصفه معركةً ينبغي أن ينتصر فيها أحدنا على الآخر. طويت الرسالة واحتفظت بها قرب قلبي، ثم رفعت يدي واعتذرت للأستاذ عن الخروج من المحاضرة. نظر إليّ باستغراب، فقد كنت معروفةً بحرصي على الحضور، لكنني لم أستطع أن أشرح له أنني على موعدٍ مع لحظةٍ لم أعش مثلها من قبل، وأن بعض اللحظات إذا تأخرت عنها فقد تفقد معناها.

خرجت إلى الممر، والوردة في يدي، والرسالة في حقيبتي، وعطرها يرافقني كأنه خيطٌ خفي يشدني إلى مكانٍ ينتظرني فيه فتحي. كانت خطواتي مترددة في البداية، ثم أسرعت دون أن أشعر. لم أكن أعرف ماذا سأقول له حين أراه، ولا كيف سأخفي ارتباكي، ولا إن كنت سأستطيع أن أنظر في عينيه دون أن تفضحني دموعي. كل ما عرفته أنني لا أريد أن أؤجل هذه اللحظة، فقد قضيت أعوامًا أتعلم كيف أؤجل رغباتي، وكيف أبتلع الكلمات، وكيف أبدو بخيرٍ حين لا أكون كذلك. أما اليوم، فقد أردت أن أمنح قلبي حقه في خطوةٍ صغيرة لا تؤذي أحدًا، ولا تهدم جدارًا، ولا تعلن حربًا على العالم؛ مجرد لقاءٍ أقول فيه شكرًا لرجلٍ لم يحاول أن ينقذني من نفسي، بل منحني الشجاعة لأبقى أنا.

وحين وصلت إلى المكان الذي اتفقنا أن نلتقي فيه، رأيته واقفًا على مسافةٍ قريبة، يحمل في عينيه ذلك القلق الذي أعرفه، ويخفي خلف ابتسامته فرحًا مترددًا. كان يبدو كمن يخشى أن يكون قد تجاوز حدوده، أو أنني جئت لأعيد إليه الرسالة وأخبره أن ما بيننا ينبغي أن يبقى بعيدًا عن الضوء. لكنه ما إن رآني حتى تبدل وجهه، وارتخت ملامحه التي كانت مشدودةً بالانتظار. اقتربت منه ببطء، وأنا أقبض على الوردة الحمراء، ثم توقفت أمامه. لم أجد الكلمات التي أعددتها في الطريق، ولم أستطع أن أقول شيئًا عن المحاضرة التي تركتها، أو عن الدموع التي أخفيتها، أو عن قلبي الذي ظل يركض حتى وصلت. اكتفيت بأن رفعت الرسالة قليلًا وقلت بصوتٍ خافت: «إنت قريت كل ده يا فتحي؟»

ابتسم وقال: «كل كلمة يا هالة… وحتى الحاجات اللي ما كتبتيهاش».

نظرت إليه طويلًا، ثم قلت: «كنت فاكرة إنك لما تقرأ حزني هتخاف مني، أو هتقول إني بتعب نفسي على الفاضي».

هز رأسه في هدوء وقال: «أنا بخاف عليكِ، مش منكِ. وفي فرق كبير يا هالة».

لم أتمالك نفسي، فابتسمت والدموع تملأ عيني. قلت: «والوردة دي؟»

قال وهو ينظر إليها: «دي اعتذار صغير عن كل مرة كنت عايز أقول لك فيها كلامًا حلوًا، فخفت أكون بزوّد عليكِ حملًا جديدًا».

ضحكت من بين دموعي، ثم خفضت رأسي أتأمل الوردة. كانت رائحتها تذكرني بأن الحياة، رغم قسوتها، لا تزال قادرةً على أن تمنحنا لحظاتٍ رقيقة لا تحتاج إلى إذنٍ من أحد. مددت يدي إليه بالرسالة، لكنه لم يأخذها، وقال: «خليها معاكِ. دي مش رسالة علشان ترجعيهالي، دي رسالة علشان تفتكري إنك مش لوحدك».

عندها شعرت أن المسافة التي ظللت أخشاها طوال الأيام الماضية قد انكمشت قليلًا. لم تختفِ مشكلاتنا، ولم تتبدل الظروف، ولم يتحول الطريق فجأةً إلى حكايةٍ سعيدة بلا عقبات، لكنني وجدت أمامي رجلًا لا يريد أن يربحني على حسابي، ولا أن يجعل حبي له امتحانًا لإخلاصي، بل يريد أن نمشي معًا دون أن يفقد أحدنا نفسه في الآخر. لم أكن أعرف أن للحب مراسم، ولا أن أولها قد يكون رسالةً ورقية ووردةً حمراء، وأن أعظم الاعترافات قد تأتي في كلماتٍ لا تقول «أحبك» صراحةً، لكنها تمنحك الحق في أن تكون كما أنت.

وقفت أمامه لحظات، ثم قلت بصوتٍ لا يكاد يُسمع: «أنا خرجت من المحاضرة علشانك».

اتسعت عيناه بدهشة، وقال: «علشاني أنا؟ يا هالة، دي أول مرة في التاريخ تسيبي محاضرة بإرادتك!»

ضحكت، وقلت: «ما تفرحش أوي، أنا خرجت علشان أقول لك إنك لو فاكر إنك هتخليني أسيب أحلامي، تبقى لسه ما عرفتش هالة كويس».

ضحك من قلبه، وقال: «ده أنا من يوم ما عرفتك وأنا بحاول أفهمك، وكل يوم أكتشف إني لسه في أول المنهج».

كانت تلك الضحكة الصغيرة كافيةً لأن تذيب شيئًا من جليد الأيام. شعرت أنني أعود إلى نفسي، إلى الفتاة التي تستطيع أن تحزن دون أن تستسلم، وأن تحب دون أن تتنازل عن أحلامها، وأن تضحك حتى حين تظل الأسئلة معلقةً فوق رأسها. لم أمد يدي إليه، ولم أطلب منه وعدًا جديدًا، ولم نحتج إلى كلماتٍ كثيرة. كان يكفيني أنه وقف أمامي بكل هذا الصدق، وأنني استطعت للمرة الأولى أن أترك حزني يراه دون أن أخجل منه.

وفي طريق عودتي، احتفظت بالوردة في يدي، وبالرسالة في حقيبتي، وبشيءٍ جديد في قلبي لم أستطع أن أضع له اسمًا. لم تكن الوردة إعلانًا بأننا انتصرنا، ولم تكن الرسالة ضمانًا بأن الأيام القادمة ستكون رحيمة، لكنها كانت بدايةً مختلفة؛ بدايةً لا أُطالَب فيها بأن أدفن أحلامي كي أثبت حبي، ولا يُطالَب فيها هو بأن يتظاهر بالقوة حتى لا أرى خوفه. لقد كانت تلك، بالنسبة إليّ، أول مراسم الحب؛ لا خاتمًا ولا وعدًا أبديًا، بل يدًا تمتد دون أن تقيد، وقلبًا يقرأ الوجع دون أن يستغله، ووردةً حمراء تقول في صمتها إن الحب، حين يكون صادقًا، لا يقتلعنا من جذورنا… بل يساعدنا على أن نُزهر.

شاهد أيضاً

د. سامح صابر يكتب.. النثر حين يتنفس شعراً: قراءة تحليلية في النثر الفني للدكتور كمال يونس

​​​قد تجاوز الدكتور كمال يونس حدود النثر التقليدي القائم على التقرير أو السرد التاريخي، ليرتقي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *