خلق الله النيل فصنع أرض مصر الخصبة على هيئة نخلة باسقة، نبتت في واحة الصحراء وجففت دمع البيداء؛ فكان الوادي من أسوان إلى القاهرة جذعها الممتد، والدلتا من القاهرة إلى البحر المتوسط جريدها المتشابك الممتد. لم يكن من قبيل الصدفة أن يتخذ الفراعنة القدماء من النيل إلهاً سموه “حابي”، يتضرعون إليه طلباً للنماء، ويبتهلون أمامه دفعاً للفناء؛ فهو الحياة إن جاد وهو الفناء إن شح، مهجة النفوس، وشريان الحياة الساري إلى الأبد. إليه يهرب المهموم ليمحو هدوء السطح ثورات قلبه، وعلى شطآنه يستكين المتعب ليجدد الروح ويقهر كربه. كيف لا، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديثه الشريف: “سيحان وجيحان والفرات والنيل كل من أنهار الجنة”.
لذلك كانت قضية المياه قضية وجودية وجوهرية؛ فتوفرها حياة ونماء، ونقصها أو سوء استخدامها فقر وفناء. ولكن في الآونة الأخيرة، تكاتفت الأيدي على ظلمه، واجتمعت الجهود على تلويث طهره، وكأن عهداً خفياً قد قُطع للإيقاع بهذا الشريان الخالد. إن ما يرتكبه الأنام في حقه اليوم، أشد وطأة وأخطر أثراً من أزمات السدود الإقليمية وعناد دول المنبع؛ فالإهمال البشري قد أثقله بالأمراض، وجعل الصرف الصحي يجري في عروقه بعد أن كان رقراقاً عذباً، ونثرت بعض المصانع سمومها على شطآنه، واعتصرت التعديات السكنية والمنشآت الفارهة نبض قلبه، وقطعت التجاوزات الصارخة لسان عفته.
إن التعديات الصارخة من ردم عشوائي للمجرى، وإقامة للمباني والأسوار الخرسانية، وعشش العبث على ضفافه، تكلف خزينة الدولة استثمارات باهظة في منظومة الإزالات، نحن في أشد الغنى عنها لإعمار الأوطان. وتؤكد التقارير التنموية والبيئية الحديثة أن مصر تتكبد خسائر فادحة تقدر بأكثر من 150 مليار جنيه سنوياً نتيجة التلوث البيئي والمائي، مما يقتطع جزءاً مؤثراً من ناتجها القومي، فضلاً عن إهدار وفقدان ما يزيد عن 10مليارات متر مكعب من المياه الصالحة للاستخدام سنوياً نتيجة الهدر والملوثات.
وتعد المخلفات الصناعية المحملة بالمعادن الثقيلة كالرصاص والزئبق من أفتك الأخطار التي تصب في النيل؛ إذ إن مراحل التنقية التقليدية وإضافة الكلور تقضي على البكتيريا فحسب، لكنها تقف عاجزة أمام تلك المعادن السامة. وينعكس هذا التلوث حسرة في البيوت، متسبباً في إزهاق أرواح آلاف الأطفال سنوياً جراء النزلات المعوية الحادة، فضلاً عن الارتفاع المقلق في معدلات الإصابة بالفشل الكلوي والأمراض الخبيثة. ولم تقف الخسائر عند حدود البشر، بل امتدت لتضرب الإنتاج الزراعي في مقتل، حيث تشير الدراسات إلى أن تلوث المياه هو المسؤول الأول عن خسارة جزء كبير من إنتاجية المحاصيل، ناهيك عن تدمير الثروة السمكية ونفوق الأحياء المائية؛ وهي المأساة التي تضاعفت قديماً بسبب رش المبيدات بالطائرات قبل أن يتم حظرها رسمياً بالاتفاق مع وزارة الزراعة لحماية البيئة.
ولم تسلم المجاري المائية من سلوكيات ببعض القرى، كاستحمام الإنسان والحيوان فيه، وإلقاء جثث الماشية النافقة في الترع، وغسل الأواني، مما يسرع بانتشار النباتات المائية الضارة مثل “ورد النيل” الذي يمتص المياه ويسد مسار السفن. وتكمن جذر المشكلة في “شيوع المسؤولية”، وتفرق دماء الرقابة على النهر بين وزارات الري، والصحة، والإسكان، والبيئة، والداخلية؛ فرغم أن وزارة الصحة تسحب العينات، والبيئة تراقب، والري يوزع، إلا أن محطات الصرف والمنشآت التابعة لجهات أخرى تشترك أحياناً في التلوث، ليضيع الحق بين الهيئات والجهات.
فمثلا..يصبُّ في النيلِ 72 مصرفًا زراعيًا يُلقي 13.7 مليار مترٍ مكعبٍ سنويًا محملًا بالمبيداتِ، و872 مليون مترٍ مكعبٍ من مياهِ الصرفِ الصحيِّ غيرِ المعالجةِ أو المعالجةِ ابتدائيًا عبرَ أربعةِ مصارفَ كبرى هي الأشهرُ في التلوثِ: الرهاوي وسبل وتلا وعمر بك، وتلقي 14 محطةَ كهرباءٍ 4.2 مليار مترٍ مكعبٍ من مياهِ التبريدِ، وتلقي 8 منشآتٍ صناعيةٍ 150 مليون مترٍ مكعبٍ من الصرفِ الصناعيِّ المحمَّلِ بالرصاصِ والمعادنِ الثقيلةِ.
وتنفقُ الدولةُ اليومَ أكثرَ من مليارِ جنيهٍ سنويًا فقط على أعمالِ حمايةِ الجوانبِ وتطهيرِ مجرى النهرِ من وردِ النيلِ والمخلفاتِ، بخلافِ فاقدِ الإنتاجِ الزراعيِّ الذي يُقدَّرُ أن 50% من أسبابِه يعودُ لتلوثِ المياهِ.
وإنَّ تنقيةَ النيلِ بالكلورِ إنما تقتلُ البكتيريا، ولا تقتلُ سمَّ المعادنِ.
ولم يكنْ جرحُ الداخلِ وحدهُ هو الذي يُنزفُ، بل اجتمعَ عليهِ نزفُ الخارجِ أيضًا، فكأنَّ النيلَ محاصرٌ بينَ مطرقتينِ: مطرقةِ الإهمالِ في بيتهِ، وسندانِ الطمعِ على حدودِه.
ففى عام 2024-2026
- اكتملَ بناءُ سدِّ النهضةِ وافتُتحَ رسميًا في 9 سبتمبر 2025 بقدرةٍ تصميميةٍ 5150 ميجاوات، بعد خمسةِ ملاءٍ أحاديةٍ.
- دخلتْ اتفاقيةُ الإطارِ التعاونيِّ لحوضِ النيل (CFA) حيزَ النفاذِ في 13 أكتوبر 2024، فانقسمَ الحوضُ: ستُ دولٍ صدَّقتْ، ومصرُ والسودانُ خارجَها.
- في صيفِ 2025، شهدَ النيلُ ما وصفتْه وزارةُ الريِّ بـ “الفيضانِ الصناعيِّ المفتعلِ”، إذ أطلقتْ إثيوبيا 485 مليون مترٍ مكعبٍ في يومٍ واحدٍ، ثم 780 مليونًا، مما تسببَ في غمرِ أراضي طرحِ النهرِ بالمنوفيةِ والبحيرةِ.
- مع دخولِ 2026، عادتِ الوساطاتُ: عرضٌ أمريكيٌّ في يناير، وآخرُ إيطاليٌّ في سبتمبر، دونَ التوصلِ لاتفاقٍ ملزمٍ حتى تاريخِه.
ومضارُّ ذلكَ على النيلِ ليستْ قولًا مرسلًا، بل واقعٌ بدأَ يُرى. فإنْ نقصتْ كميةُ الماءِ القادمةِ، زادتْ نسبةُ تركيزِ السمومِ في الباقي، فما كانَ ملوثًا بنسبةِ ١٠٪ صارَ ملوثًا بنسبةِ ٣٠٪. وإنْ حُجزَ الطميُ خلفَ السدِّ، انهكت الدلتا وتآكلتْ شواطئُها، وملحَ البحرُ أرضَها. وإنْ اضطربتْ مواعيدُ الفيضانِ، بينَ حجزٍ مفاجئٍ وإطلاقٍ مباغتٍ كفيضانِ ٧٨٠ مليونَ مترٍ في يومٍ، فسدتْ حساباتُ الفلاحِ وغمرتْ أراضي طرحِ النهرِ. فاجتمعَ على حابي ظمأ من منبعه، وسمٌّ فى مصبه، فلا هو قادرٌ على الجريانِ، ولا نحنُ مُرتوونَ به.
ولم تقفِ الدولةُ مكتوفةً، فقد نصَّ قانونُ المواردِ المائيةِ والريِّ ولائحتُه التنفيذيةُ والمنشورُ الوزاريُّ رقم 1 لسنة 2026 على منظومةٍ رادعةٍ: الحبسُ مدةً لا تزيدُ على سنةٍ، وغرامةٌ من 50 ألفًا إلى 200 ألفِ جنيهٍ، وتُضاعفُ عندَ التكرارِ، مع إلزامِ المخالفِ بردِّ الشيءِ إلى أصلِه على نفقتِه.
وقد نفذتِ الحملةُ القوميةُ لحمايةِ النيلِ 12147 إزالةً، وأزالتْ في ثلاثةِ أشهرٍ فقط 194 حالةَ تلوثٍ بتكلفةِ 7.8 مليون جنيهٍ
يا سادةُ، إنَّ النيلَ ليس ملكَ وزارةٍ، فتفرقتْ دماؤه بين الوزاراتِ، فشيوعُ المسئوليةِ ضياعٌ للمسئوليةِ.
وخلاصة القول وخاتمة هذا البيان:
إن إنقاذ النيل لم يعد نافلة من نوافل الأعمال، بل هو فرض عين لوقاية الوطن من ذل الزوال؛ فما ضاع نهر أحاطت به قلوب رعاته، ولا فنيت أمة جعلت من طهر الماء أقدس واجباتها. إن حابي الذي وهبنا الوجود لقرون خلت، يستصرخ اليوم فينا النبل والوفاء بعد أن ضاقت به السبل وبكت؛ فدعونا لا نكون اليد التي تقطع عروقها بيدها، ولا المعول الذي يهدم صرح أمنها وسعدها.
ومن هنا، نرفع أمام ضمير الوطن وأصحاب القرار جملة من العهود والتوصيات الحتمية لحماية شريان الحياة:
- توحيد الرقابة وإنهاء الشتات: بتفعيل مجلس موحد للقرار، يقطع دابر النزاع ويحمي النهر في وضح النهار.
- تغليظ العقاب بلا تهاون: بتطبيق قانون الموارد المائية الجديد بحسم رادع، يجعل من تلويث الشريان خطيئة بلا شوافع.
- التحول الأخضر في الصناعة والزراعة: بإلزام المصانع بالمعالجة الثلاثية للمخلفات، والاعتماد على المقاومة البيولوجية والأسمدة الطبيعية في سائر المساحات.
- الوعي الشعبي المستدام: بغرس ثقافة أن “قطرة الماء تساوي حياة” في وجدان النشىء، لتظل عقولهم بطهر النهر وعافيته هانئة.
. توحيدُ جهةِ الإشرافِ وإنشاءُ نيابةٍ متخصصةٍ لمخالفاتِ النيلِ.
. التمسكُ باتفاقٍ ملزمٍ لتشغيلِ سدِّ النهضةِ يحفظُ حقَّ مصرَ التاريخيَّ وفقَ مبدأِ “عدمِ التسببِ في ضررٍ ذي شأنٍ” بإعلانِ مبادئِ 2015.
فطوبى لمن حفظ للبلاد شريانها، وصان من أيدي العابثين طهرها ونماءها، لتبقى مصر كما كانت دوماً.. هبة النيل الخالد.
جريدة الاخبارية سياسية::شاملة::مستقلة
