»» قناعات المشاهير والفنانين.. بين الحرية الشخصية والتراجع الإيماني والمزايدات!!
من آن لآخر تقفز قضية خلع الحجاب إلي سطح موائد المناقشات المجتمعية،وخاصة مع حالات من الغضب والاستهجان لتصريح إحدي الفنانات الشهيرات ،بأنها بمجرد خلع الحجاب ازداد إيمانها قوة ،وحافظت على الصلوات وخاصة صلاة الفجر ،في سردية عبثية لقلب المفاهيم وتلميح وتعريض مغرض ،وتواكب معه دعوات لناشطات لنشر صور علي منصات التواصل،تعبيرا عن وهم الانفتاح وكذب الانغلاق ما قبل وما بعد “الحجاب”!.
وقد أثار هذا الحديث حفيظة غالبية أبناء أرض الكنانة ممن يرفضون تلك الاراجيف جملة وتفصيلا ،وأية محاولات للتشكيك في الثوابت الدينية والانسياق وراء أقوال وأفعال الخراصين والمرجفين في المدينة!.
وغني عن القول ،أنه من الحقائق التي لا تقبل الجدل والمراء وكثرة القيل والقال أن ارتداء الحجاب زينة وتاج للمرأة المسلمة خارج بيتها يضفي عليها رونقا جميلا من الوقار والاحتشام، وهي فريضة شرعية تتواءم والفطرة السوية ،ومن القضايا العقيدية الثابتة بالأدلة النقلية والعقلية ،بل اعتبرها البعض حماية خاصة لجسد المرأة من أعين الناظرين المتلصصين.
أما فكرة تصدير القناعات “الفاسدة”، بهذه الصورة وتلك الدعوات المستهجنة ،فلا تخص إلا أصحابها وهي والعدم سواء..
وقد اعتاد مجتمعنا بين الفينة والأخري معايشة وقع تلك الهزات الإعلامية والاجتماعية “المقصوده”؛ حيث تتصدر فيها المشهد إحدى الفنانات أو إحدى شهيرات منصات التواصل الاجتماعي، معلنةً خلع الحجاب، أو متخليةً عما اعتاد الجمهور اعتباره رمزاً للالتزام الديني والوقار.
وما أن يُطرح “الخبر” في الفضاء الرقمي، حتى تنشطر المنصات ووسائل التواصل الاجتماعي فوراً إلى فسطاطين؛ معسكر يرفع شعار الإدانة القاسية والتخوين الديني والمزايدة على النوايا، ومعسكر آخر يختبئ خلف متاريس الحرية المطلقة، مسبغاً قداسةً شبه مطلقة على أي فعل يتصل بالجسد والاختيار الفردي، بغض النظر عن سياقاته الدينية أو الأخلاقية.
وبين لظى الاتهام بالانتكاسة الدينية، وبرودة التبرير المفرط الذي ينكر أي أبعاد إيمانية أو مجتمعية لهذا القرار، يضيع الصوت العاقل الرشيد.
في تصوري أن قضية الحجاب ليست مجرد قطعة قماش تُرفع أو تُوضع، بل هي عقد روحي وأخلاقي واجتماعي متشابك الخيوط، يتقاطع فيه الإيمان الفردي مع الضغط الجمعي، وتتداخل فيه حرية الإرادة مع منظومة القيم الحاكمة للمجتمع.
- توصيف المشهد:
حين تخلع مشهورة أو فنانة حجابها، فإن الحدث لا يمر مرور الكرام، بل يتحول إلى “مانشيت” رئيسي يتصدر الصحف ومحركات البحث.. هذا الصخب المبالغ فيه يعكس أزمة أعمق في بنية الوعي الجمعي؛ حيث يختزل المجتمع بأكمله مقاييس الاستقامة والفضيلة في مظهر خارجي واحد، متجاهلاً منظومة الأخلاق والصدق والأمانة والنزاهة.
ومن جهة أخرى، يتعامل الإعلام الرقمي مع هذه الحوادث بمنطق “الاستهلاك الموجه”، فيتم تحويل الألم النفسي أو التحول الفكري لشخصية عامة إلى مادة خصبة للجدل وصناعة “التريند”.
وهنا يقع المشاهير في فخ ازدواجية المعايير؛ فهم يطالبون الجمهور باحترام خصوصياتهم وحرياتهم الفردية، لكنهم في الوقت ذاته يستثمرون هذه الشهرة وهذا الجدل المثار حولهم لتحقيق مكاسب مادية ومشاهدات عالية.
هذا التناقض يغذي السلوك العدائي من قِبل الجمهور، ويحول قضية شخصية إيمانية بحتة إلى ساحة حرب للتراشق الإعلامي والمزايدات الرخيصة. - فرضية الحجاب:
في صياغته الفقهية والعقدية، يُعرّف الحجاب في الإسلام بأنه فريضة شرعية وضرورة تعبدية استجابةً لأمر الله عز وجل في المقام الأول ومواءمة لفطرة الخجل والستر، وتكريم وصيانة للمرأة،وهو ليس مجرد عادة اجتماعية قابلة للتعديل بحسب الأهواء، بل هو ركن في منظومة العفة التي أقرتها الشرائع السماوية.
لكن حين ننتقل من دائرة الفقه المجرد إلى الواقع المعيش، نجد أن فرضية الحجاب ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمدى صفاء اليقين الداخلي ورسوخ البنيان الإيماني.
إن الإيمان ليس قطاراً يسير على قضبان ثابتة بلا هزة، بل هو شجرة تحتاج إلى رعاية دائمة؛ يرتفع حيناً وينخفض حيناً آخر.
ومن هنا، فإن أي تراجع في الالتزام الظاهري، كالاستغناء عن الحجاب، يقرؤه علماء النفس والدين على أنه عرض خارجي لخلل أو فتور داخلي في منظومة القناعات الإيمانية. غير أن الخطأ الأكبر يكمن في تحويل هذا التراجع الإيماني الفردي إلى “صك إعدام أخلاقي” يُرمى به صاحب القرار، متناسين أن القلوب بين أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، وأن باب التوبة والرجوع ظل ممدوداً ما دامت الروح في الجسد. - رؤى علمانية:
وفي المقابل، يتدخل الخطاب العلماني والحداثي ليقدم مقاربة مختلفة تماماً للمشهد؛ فهو ينطلق من مبدأ الاستقلالية الجسدية والحرية الفردية المطلقة.
ويرى هذا التيار أن جسد الإنسان ملكٌ خالص له، وأن المرأة هي صاحبة السلطة العليا في تقرير شكل مظهرها، وهي وحدها من تملك حق ارتداء الحجاب أو خلعه دون وصاية من مجتمع أو نص ديني صارم.
هذه المقاربة، على ما فيها من وجاهة قانونية وحقوقية تحفظ الإنسان من تسلط الجماعة، إلا أنها تسقط في مطب “التسطيح القيمي”، فهي تتعامل مع الإنسان ككائن مادي بحت، متجاهلةً الأبعاد الروحية والأخلاقية والروابط المجتمعية التي يرتضيها المؤمن لنفسه داخل بيئة تنتمي لهوية دينية وثقافية محددة.
إن الحرية المطلقة في “الفراغ’ قد تحرر الجسد، لكنها قد تترك الروح “مهشمة” أمام عاصفة التفكك القيمي والأنانية المفرطة التي لا تبالي بمشاعر الأسرة أو تأثير القدوة على الأجيال الناشئة. - جدل ومراء وتشكيك:
إن الساحة اليوم تعج بالجدل البيزنطي والمراء العقيم؛ فهذا يشكك في إسلام من خلعت حجابها برمته، وذاك يشكك في عقلانية وحرية من تتمسك به.
هذا الاستقطاب الحاد أفرز حالة من “الإرهاب الفكري” المتبادل؛ فالفنانة تشعر كأنها في قفص الاتهام الدائم، والجمهور يشعر كأن هويته الدينية تتعرض لتآكل ممنهج تُقوده النخبة الفنية.
إن الحوار الدائر تحول إلى مزايدات رخيصة؛ حيث يحاول كل طرف تسجيل نقاط على حساب الآخر، ناسين أن الهداية رزق، وأن القناعات الحقيقية لا تفرض بالقهر ولا تُنتزع بالتشهير.
إن التشكيك في ذمم الناس وأخلاقهم لم يكن يوماً طريقاً للإصلاح، بل هو وقود يشعل نار التعصب والكراهية في المجتمع. - الاعتدال سبيل النجاة:
ووسط هذا الركام من المزايدات والانفعالات، يظل الاعتدال هو طوق النجاة والملاذ الآمن. والاعتدال هنا يعني ألا نغلو فنكفر الناس ونسلقهم بألسنة حداد، وألا نفرط فنميِّع القيم ونسخر من الثوابت الدينية بدعوى التحرر الزائف.
إن قبول البشر بنقاط ضعفهم، وإدراك أن النفوس تعتريها تقلبات وهزات نفسية وإيمانية، هو أول دروب الحكمة.
كما يجب أن نفصل بين النقد الموضوعي للسلوك وبين الاغتيال المعنوي للشخصية. وفي تقديري أنه يجب على الفنانين والمشاهير أن يدركوا أن ثمن الشهرة هو تحمل جزء من المسؤولية الاجتماعية والأخلاقية تجاه متابعيهم، وعلى الجمهور أن يدرك أن الهداية والانحراف هما دروب بشرية لا تحصنها الألقاب ولا تسقطها الأضواء. - لاضرر ..ولا ضرار:
تظل القاعدة النبوية الخالدة «لا ضرر ولا ضرار» هي الفيصل الأخلاقي الحاكم لهذه الأزمة.
إن حريتك الشخصية تنتهي حيث تبدأ حرية وسلامة المجتمع الروحية والقيمية.
ولا مانع أن يمارس الإنسان قناعاته، لكن دون استفزاز للمشاعر العامة، ودون تحويل الانتكاسات الفردية إلى رايات للتحدي ونشر الإحباط الثقافي.
وفي المقابل، ليس لأحد حق الوصاية على ضمائر العباد أو التنقيب في نواياهم؛ فالحساب بيد خالق النفوس وحده، ودورنا كمجتمع هو تقديم النصيحة بالحسنى، والاحتفاظ بالرحمة والتوازن، وتغليب لغة العقل على لغة السياط والألسنة الحادة. - ومضات نور
ختاماً، إن النفس البشرية كائناً حياً يمر بفصول أربعة؛ فيها ربيع الإيمان المشرق، وفيها خريف التساقط والضعف، وبينهما فترات يزيد فيها الإيمان وينقص..
ولن تُبنى المجتمعات السوية بالمحاكمات الشعبية ولا بخلع رداء الفضيلة، بل تبنى بالوعي، والرحمة، والترفق والحوار الهادئ الذي يعيد للإنسان توازنه الداخلي.
فلنترك الخلق للخالق، ولنعمل جميعاً على ترسيخ بيئة فاضلة تحترم حرية الاختيار، وتصون ثوابت الهوية، وتدرك أن القلم حين يكتب، والقلب حين ينبض، والضمير حين يستيقظ، لا يصح أن يحركهم إلا صوت الحق والعدل والمحبة الخالصة لله وللناس.
جريدة الاخبارية سياسية::شاملة::مستقلة
