الخميس , 29 أكتوبر 2026

هل يوسع الذكاء الاصطناعي قاعدة المقترضين في مصر دون رفع مخاطر التعثر؟

بدأت الجهات التنظيمية تمهد الطريق أمام توسيع الاعتماد على الأنظمة الآلية في اتخاذ قرارات الإقراض؛ إذ ستلتزم شركات التمويل الاستهلاكي اعتبارا من أبريل 2027 بالرجوع إلى التصنيف الصادر عن الشركة المصرية للاستعلام الائتماني (آي سكور)، وهي جهة الاستعلام الائتماني الخاصة الوحيدة المرخصة في مصر، قبل الموافقة على أي قرار بمنح التمويل للعميل، وذلك بموجب قرار جديد صادر عن الهيئة العامة للرقابة المالية. ويستند هذا التصنيف إلى تحليل سلوكي للعملاء باستخدام بيانات بديلة، من نوعية المدخلات التي تغذي مباشرة نماذج التنبؤ بالمخاطر المدعومة بالذكاء الاصطناعي وقرارات الإقراض الآلية.
الجانب الإيجابي:

تسهل نماذج الذكاء الاصطناعي تقييم الجدارة الائتمانية للشركات الصغيرة والمقترضين الأفراد، لا سيما العملاء الجدد في النظام المالي ومحدودي الدخل ممن لا يملكون حسابات مصرفية. وغالبا ما تكون سجلاتهم الائتمانية محدودة أو غير موجودة من الأساس، غير أن نموذج الذكاء الاصطناعي يستطيع الاعتماد على بيانات غير تقليدية لاتخاذ القرار. وبالنسبة للمتقدمين للحصول على قروض شخصية، قد يشمل ذلك تحليل بيانات هواتفهم لمعرفة انتظام سدادهم لفواتير الاتصالات والمرافق، وفق ما قاله أحمد أباظة ، الشريك المؤسس والمدير التنفيذي لشركة سينابس أناليتكس، لنشرة إنتربرايز الصباحية.
يستنزف فحص طلبات القروض يدويا جزءا كبيرا من هامش الربح؛ نظرا إلى أن المعالجة اليدوية لكل طلب قرض شخصي أو قرض لشركة صغيرة يستغرق وقتا طويلا من الموظفين، لدرجة أنه قد يستهلك جزءا كبيرا من العائد الذي تحققه جهة التمويل من القرض نفسه، وفقا لمذكرة صادرة عن مجموعة البنك الدولي بشأن المشروعات الصغيرة والمتوسطة (بي دي إف). وتقول شركة ماكنزي إن أتمتة هذه القرارات قد يخفض تلك التكلفة بشكل كبير، مما يجعل إقراض هذه الشرائح، إلى جانب التمويل متناهي الصغر، أكثر جاذبية للبنوك والجهات غير المصرفية على حد سواء.
أهمية الخطوة:

يمتلك أقل من نصف البالغين في مصر حسابا مصرفيا أو خدمة دفع عبر الهاتف المحمول، وفقا للبنك الدولي، وهو ما يصعب تقييم جدارتهم الائتمانية بالاعتماد على البيانات التقليدية وحدها. في حين يقدر البنك المركزي المصري نسبة الشمول المالي بنحو 79% بنهاية يونيو 2026، وهي نسبة أعلى بكثير لأنها تستند إلى تعريف أوسع يحتسب المحافظ الإلكترونية والبطاقات مسبقة الدفع ضمن الحسابات النشطة.
الوعود

يرى المؤيدون أن تسليم قرارات الإقراض إلى وكلاء الذكاء الاصطناعي أمر محسوم، إذ يرونهم أذكى وأسرع وأكفأ من البشر. ويشبه أباظة الأمر بتعيين “أفضل مسؤول مخاطر يمكنك توظيفه على الإطلاق، لا ينام ولا يأكل ولا يأخذ إجازة”، ويبحث دائما عن طرق “لقبول مزيد من العملاء بمخاطر أقل”، وفقا لما قاله لنشرة إنتربرايز الصباحية.
والنتائج تثبت ذلك، بحسب أباظة. تقول سينابس، التي تعتمد على برمجياتها أكثر من 50 مؤسسة مالية حاليا، إن عملاءها باتوا يوافقون على عدد من العملاء يصل إلى 5 أمثال ما كانوا يوافقون عليه قبل التعاقد معها، مع تراجع القروض المتعثرة بنسبة 40%. ويؤكد أباظة أن هؤلاء العملاء لا يخفضون معايير القبول، وإنما أصبحوا قادرين على معالجة عدد أكبر بكثير من الطلبات، مضيفا أن البنوك التي كانت توافق على نحو 10 آلاف عميل شهريا قد تتمكن من الوصول إلى العدد نفسه يوميا.
شركات التكنولوجيا المالية بدأت التطبيق بالفعل: تستخدم شركة “إم إن تي-حالا” أداة البيانات الداخلية المعروفة باسم أبولو لتحديد حالات التأخر في السداد التي يتعين على الموظفين متابعتها كل شهر، كما ذكرنا سابقا. وقال منير نخلة، المؤسس والرئيس التنفيذي للشركة، خلال منتدى إنتربرايز مصر إن الشركة ستعمم استخدام تلك الأداة على “العديد من الأقسام” في غضون 3 أشهر، وذلك قبل أسابيع من إدراج ذراعها المصرية في البورصة المصرية. كذلك تتوقع شركة كليفر للتكنولوجيا المالية أن تسمح قريبا لوكلاء الذكاء الاصطناعي باتخاذ قرارات منح الائتمان دون أي موافقة بشرية، كما أشرنا الأسبوع الماضي.
ومزيد من الشركات تنضم إلى الركب:

تطرح شركة تنمية، ذراع التمويل متناهي الصغر التابعة لشركة “إي إف جي فاينانس”، نموذجها الخاص للتقييم الائتماني المدعوم بخدمة دعم اتخاذ القرارات الائتمانية لدى الشركة المصرية للاستعلام الائتماني (آي سكور)، وهو نموذج مبني على محرك كونان التابع لشركة سينابس أناليتكس. ويستخدم النموذج بيانات “آي سكور” لتقييم المقترضين من أصحاب المشروعات متناهية الصغر والصغيرة. ففي سبتمبر الماضي، أسست مجموعة راية القابضة شركة راية نكسس المتخصصة في حلول الذكاء الاصطناعي، برأس مال مصدر قدره 250 مليون جنيه، لتقدم للبنوك وشركات التكنولوجيا المالية أدوات لاتخاذ القرارات الائتمانية وتحصيل الديون وتحسين إدارة علاقات العملاء.
الصورة الأقل تفاؤلا

ولكن إذا نظرنا إلى الأمر من جانب آخر، سنجد أن نماذج الذكاء الاصطناعي تعتمد على بيانات قد تعكس تحيزات موجودة بالفعل. فإذا كان هناك تمثيل محدود لفئة ما بين المقترضين السابقين لدى إحدى المؤسسات، مثل، فقد يقرر النموذج المعتمد على الذكاء الاصطناعي استبعادهم أيضا نتيجة لذلك التمثيل. ولذلك رغم الحقيقة التي تقول إن الذكاء الاصطناعي قد يرفع الكفاءة بشكل كبير، فإن هذا في الوقت ذاته قد يأتي على حساب العنصر البشري في اتخاذ قرارات أي معاملة تجارية، فهي مقايضة مقلقة لا سيما عندما يتعلق الأمر بالقروض الشخصية أو العقارية أو قروض الشركات، التي قد تغير واقع الكثير من المقترضين.
المسؤولون التنفيذيون يفضلون إبقاء العنصر البشري في المعادلة: “أعتمد على الذكاء الاصطناعي لتعزيز كفاءة العمل البشري، لا ليحل محل الإنسان. فلا بد أن يظل الإنسان هو من يوجهه ويقيّم مخرجاته، لأن نتائجه قد تكون غير دقيقة في كثير من الأحيان”، وفقا لما قاله حسام هيبة، العضو المنتدب لشركة أوربيس كابيتال والرئيس التنفيذي السابق للهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة، لنشرة إنتربرايز الصباحية.
ثمة قلق أيضا من التسرع في التحول إلى الذكاء الاصطناعي، لا سيما في البنوك التقليدية. إذ يخشى المسؤولون التنفيذيون فيها منح صلاحيات للذكاء الاصطناعي قبل التأكد من تدقيق قراراته على نحو سليم ووجود شخص يتحمل المسؤولية. وقال تود ويلكوكس ، الرئيس التنفيذي لبنك “إتش إس بي سي مصر”، خلال منتدى إنتربرايز مصر الشهر الماضي إنه “في حالة ضعف الحوكمة وغياب المساءلة، فإن ذلك سيقودك ببساطة إلى اتخاذ قرارات سيئة بوتيرة أسرع”.
وفي حالة قروض الشركات، يبدو وضع القرار في أيدي وكلاء الذكاء الاصطناعي أصعب أيضا. في تعليقه لنشرة إنتربرايز الصباحية، قال باسم فايق (لينكد إن)، العضو المنتدب والشريك في مجموعة بوسطن الاستشارية، إن بعض البنوك تعتمد بالفعل على الذكاء الاصطناعي للمساعدة في تقييم قدرة الشركات على سداد القروض. غير أن ترك القرار النهائي للآلة يصبح أصعب عندما تكون سمعة البنك على المحك. وقال ويلكوكس خلال المنتدى: “أنا مسؤول أمام المودعين والمساهمين، لكن المسؤولية النهائية تقع على عاتقي أنا وفريقي”، مضيفا: “سيكون من الصعب أن نبرر للمودعين تعثر البنك بسبب نموذج الذكاء الاصطناعي الخاص بنا وبسبب الحكم الصادر عنه”.
تُبعد معظم البنوك الذكاء الاصطناعي عن بنيتها التحتية الأساسية حتى الآن؛ إذ تستخدمه في التعامل مع العملاء، “لكن ليس في العمليات المصرفية الأساسية بعد، بسبب قواعد السرية وحماية البيانات المشددة”، بحسب هيبة.
والبنوك المصرية لا تنفق الكثير على الذكاء الاصطناعي أيضا:

يقول فايق إن “بنكين أو ثلاثة” فقط من بين أكثر من 30 بنكا في مصر يسبقون غيرهم بفارق كبير. كما يتأخر أكبر بنكين حكوميين في البلاد عن نظرائهما في المنطقة، ففي مؤشر إيفيدنت للذكاء الاصطناعي الذي يضم 25 بنكا في الشرق الأوسط وأفريقيا، جاء بنك مصر في المرتبة 19، بينما حل البنك الأهلي المصري في المركز الأخير.
والبيانات غير المنظمة تمثل عائقا آخر:

تعتمد جودة مخرجات الذكاء الاصطناعي بالأساس على جودة البيانات التي يتغذى عليها، ومعظم الشركات بياناتها غير منظمة، وفقا لما قاله حازم جبيلي، رئيس قطاع الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي في شركة أورنج مصر، في حديثه مع إنتربرايز. ويوضح جبيلي أن السجلات متناثرة في أنظمة قديمة داخل الشركة، ولا يستطيع الذكاء الاصطناعي الوصول إلى معظمها، معتبرا أن مجرد إدخال الذكاء الاصطناعي في طريقة العمل القائمة سيكون “أكبر خطأ”، مضيفا: “يجب إعادة تصور مسار العمل بالكامل” من أجل تحقيق النتائج المرجوة من الذكاء الاصطناعي.
القدرة الحاسوبية هي العقبة الكبرى:

تمنع قواعد البنك المركزي المصري فعليا البنوك المصرية من إرسال بيانات العملاء إلى خدمات الذكاء الاصطناعي السحابية مثل “تشات جي بي تي” أو كلود أو جيميناي، وفقا لما أكده رئيسان تنفيذيان لبنكين لنشرة إنتربرايز الصباحية. كما أبلغتنا جهات إقراض غير مصرفية بأنها تواجه قيودا مماثلة. ونتيجة لذلك، تعتمد الجهات التي تجرب الذكاء الاصطناعي حاليا على نماذج مفتوحة المصدر أصغر حجما وتشغلها على خوادمها الخاصة، بحسب أباظة، وهو ما يتطلب شراء وحدات معالجة الرسومات، وهي الرقائق الحاسوبية المتقدمة باهظة الثمن التي تشغل معظم تطبيقات الذكاء الاصطناعي. ويقول أباظة إن “الحصول على وحدات المعالجة الرسومية في مصر قد يكون صعبا للغاية في بعض الأحيان”.

شاهد أيضاً

عوض: تعظيم الاستفادة من موارد جهاز شئون البيئة وتوفير بيئة مناسبة للعاملين في المحميات الطبيعية

وزيرة التنمية المحلية والبيئة تترأس الاجتماع الخامس والعشرين لمجلس إدارة صندوق حماية البيئة كتبت – …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *