الأحد , 1 نوفمبر 2026

خالد رغدان يكتب: الأمان العاطفي.. حين يتوقف الإنسان عن الدفاع عن نفسه

ليس أكثر إيلاما من أن تكون في علاقة يفترض أنها مصدر راحتك، ثم تجد نفسك مضطرا إلى مراقبة كلماتك وحساب ردود أفعالك وإخفاء بعض مشاعرك والتفكير طويلا قبل أن تعبّر عما يزعجك؛ خوفا من سوء الفهم أو العقاب بالصمت أو الانسحاب أو التقليل من شأنك، هنا لا نتحدث عن غياب الحب بالضرورة، بل عن غياب شيء أكثر عمقا وتأثيرا: الأمان العاطفي.

الأمان العاطفي ليس أن تجد شخصا يوافقك دائما ولا أن تعيش علاقة خالية من الخلافات وإنما أن تشعر بأن اختلافك لن يهدد مكانتك وأن تعبيرك عن الألم لن يتحول إلى إدانة لك وأن لحظات ضعفك لن تستخدم ضدك في لحظات الخلاف.

من منظور علم النفس، يرتبط الأمان العاطفي بإحساس الفرد بالقبول والاستقرار والثقة داخل علاقاته وبقدرته على التعبير عن احتياجاته ومخاوفه دون توقع مستمر للرفض أو الإذلال أو التهديد وهذا الإحساس لا ينشأ من الكلمات الجميلة وحدها، بل يتشكل عبر تكرار الخبرات اليومية وطبيعة الاستجابة للمشاعر والاختلافات، المفارقة أن بعض الناس لا ينسحبون من العلاقات لأنهم توقفوا عن الحب، بل لأنهم تعبوا من الشعور بعدم الأمان داخلها.

فالإنسان الذي يتعرض باستمرار للاستهزاء بمشاعره قد يتعلم الصمت والذي يُقابل غضبه بالتهديد قد يتعلم كبت اعتراضه والذي يُعاقب على مصارحته قد يتعلم إخفاء الحقيقة ومع مرور الوقت، تتحول العلاقة من مساحة للتواصل إلى مساحة للحذر ويصبح جزء كبير من طاقة الإنسان النفسية موجها لتجنب ردود أفعال الطرف الآخر بدلا من بناء علاقة صحية معه.

وهنا تظهر إحدى النقاط التي تستحق التأمل: ليس كل صمت دليلا على الرضا وليس كل هدوء علامة على الاستقرار، فقد يصمت الإنسان لأنه فقد الأمل في أن يُفهم وقد يتوقف عن الشكوى لأنه اكتشف أن التعبير عن الألم يزيد ألمه.

الأمان العاطفي لا يُقاس بعدد مرات قول «أنا أحبك»، بل بمدى قدرة الإنسان على أن يكون صادقا دون أن يخشى خسارة كرامته

ومن الأخطاء الشائعة الاعتقاد بأن الأمان العاطفي مسؤولية الطرف الآخر وحده والحقيقة أنه مسؤولية مشتركة؛ فكما نحتاج إلى شريك يحترم مشاعرنا، نحتاج نحن أيضا إلى تعلم الإصغاء وتنظيم الانفعالات واحترام الحدود والقدرة على الاختلاف دون تهديد أو ابتزاز عاطفي.

ولبناء هذا الأمان، هناك ممارسات بسيطة لكنها عميقة الأثر:

أن تسمح للطرف الآخر بالتعبير عن مشاعره دون السخرية منها أو التقليل من شأنها.

أن تتعلم الاختلاف دون تحويل الخلاف إلى معركة لإثبات من الأقوى.

أن يكون الاعتذار اعترافاً بالخطأ لا وسيلة مؤقتة لإنهاء النقاش.

أن تحترم خصوصية الطرف الآخر وحدوده النفسية.

أن تتجنب استخدام نقاط الضعف والأسرار الشخصية سلاحاً أثناء الخلاف.

أن تكون أفعالك متسقة مع وعودك، لأن الثقة تُبنى بالتكرار لا بالوعود.

ومن المهم أن نفهم أن الإنسان الذي نشأ في بيئة عاطفية غير مستقرة قد يجد صعوبة في تصديق العلاقات الآمنة، أو قد يفسر القرب باعتباره تهديداً، والاهتمام باعتباره مقدمة لخيبة جديدة لذلك لا يكفي أن نقول له: ثق بالآخرين، بل يحتاج أحيانا إلى فهم خبراته السابقة وإعادة بناء تصوره عن العلاقات والتدرب تدريجيا على الثقة والتعبير عن الاحتياجات.

وهذا لا يعني أن كل صعوبة في الثقة دليل على اضطراب نفسي، أو أن كل علاقة متوترة تحتاج بالضرورة إلى تفسير مرضي؛ فلكل إنسان خبراته وسياقه ولكل علاقة ظروفها ومن واقع الممارسة النفسية، أرى أن أحد أكثر الاحتياجات الإنسانية التي لا يُعبّر عنها بوضوح هو احتياج الإنسان إلى علاقة لا تستنزف جهازه النفسي في حالة ترقب دائم.

نحن لا نبحث فقط عمن يسمع حكاياتنا، بل عمن نستطيع أمامه أن نحكي دون أن نُحاكم وأن نخطئ دون أن نفقد قيمتنا، وأن نختلف دون أن نشعر بأن العلاقة أصبحت مهددة.

وفي النهاية، ربما لا يكون أجمل ما تقدمه لشخص تحبه أن تجعله سعيداً طوال الوقت، فهذا أمر لا يستطيع أحد ضمانه وإنما أن تجعله يشعر بأنه يستطيع أن يكون على طبيعته، حتى في الأيام التي لا يكون فيها سعيدا، فالعلاقة الآمنة ليست تلك التي لا يتألم فيها الإنسان، بل تلك التي لا يضطر فيها إلى إخفاء ألمه حتى يحافظ عليها. 

بقلم: خالد رغدان أخصائي نفسي

مدير الوحدة النفسية بالمركز القومي لعلوم المخ والأعصاب

شاهد أيضاً

الهلال الأحمر المصري على طاولة الحوار بمنتدى مصر 2026.. حضور بالافتتاح والختام ومشاركة في 4 جلسات رئيسية

كتب عادل يحيى شارك الهلال الأحمر المصري في فعاليات منتدى مصر 2026، الذي انطلق في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *