الثلاثاء , 3 نوفمبر 2026

د. أحمد يحيى يكتب: صنّاع المحتوى والدولة.. عن المساحة المشتركة وبناء الثقة


تجاوز المشهد الإعلامي اليوم حدود المؤسسات المحترفة وقوالبها التحريرية المعتادة. فقد ظهرت أجيال جديدة من صُنّاع المحتوى والمؤثرين، يمتلكون المنصات، والقدرة على الوصول إلى قطاعات واسعة من الجمهور، والتفاعل المباشر معها. هذا التغيير ليس مجرد تطور في وسائل النشر، بل هو واقع يفرض التعامل معه بفهم يبتعد عن أدوات الاحتواء القديمة، ويسعى لبناء مساحات حوار جادة ومباشرة.
شرفتُ يوم الأحد الماضي بالمشاركة في اللقاء الموسع الذي عقده الكاتب الصحفي ضياء رشوان، وزير الدولة للإعلام، بمقر الوزارة بالعاصمة الجديدة، بحضور نحو 70 من المؤثرين وصنّاع المحتوى. وما يستحق التوقف عنده في هذا الاجتماع التحضيري ليس فقط تنوع الحاضرين أو حجم متابعيهم، بل الفلسفة العملية التي أُدير بها الحوار.
فعلى مدار أربع ساعات متواصلة، استمع الوزير لأكثر من أربعين مداخلة طرحت رؤى واحتياجات ومخاوف مختلفة، دون مقاطعة أو توجيه مسبق. هذا الاستماع الهادئ يعكس قناعة بأن فهم مشاكل أي قطاع يبدأ من إتاحة المساحة لأصحابه كي يعبروا عن أنفسهم بحرية، بدلاً من فرض تصورات جاهزة عليهم.
ولعل الرسالة الأهم التي خرج بها هذا اللقاء تتلخص في حسم حدود الدور التنفيذي والمؤسسي: فالوزارة لا تطرح نفسها جهة رقابة على أعمال صُنّاع المحتوى، ولا وصياً على خياراتهم،.
دور الوزارة يكمن في أن تكون مظلة حوار ومساحة للتلاقي والتنسيق، تعين أصحاب المهنة على التواصل مع مؤسسات الدولة، وتعمل على تسهيل الإتاحة المعلوماتية، وتوفير برامج التدريب المتطورة، ودعم البيئة التشريعية دون تدخل في شؤونهم الداخلية أو مصادرة لحريتهم الإبداعية.
يأتي الإعلان عن عقد “الملتقى الأول لصناع المحتوى والمؤثرين” في مطلع العام المقبل كخطوة تالية تنقل الحوار من مرحلة الاستماع إلى مسار أكثر تنظيماً واعترافاً بواقع المشهد؛ بهدف بلورة أفكار عملية تخدم أهداف المجتمع وتحمي حقوق المبدعين.
إن الحوار المباشر على طاولة واحدة لا يعني بالضرورة الاتفاق الكامل على كل النقاط، لكنه يظل السبيل الوحيد لبناء الثقة وتطوير المنظومة الإعلامية. فالشراكة الناجحة لا تلغي استقلالية أي طرف، ولكنها تبدأ دائماً حين نملك الشجاعة للاستماع والعمل معاً.
x

شاهد أيضاً

سمير رجب يكتب.. نتنياهو يطالب ترامب لاختياره رئيسا للوزراء

ظل الإسرائيليون يتظاهرون ضد بنيامين نتنياهو على مدى السنوات الماضية وأخذوا يهاجمون مقر إقامته مرات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *