السبت , 7 نوفمبر 2026

د. حَمَادَةَ السَّيِّدِ عَلِيٍّ يكتب .. «الدَّهَّابَةُ» عَلَى التُّخُومِ الْمِصْرِيَّةِ: مَنْ يُؤَجِّجُ اخْتِرَاقَ الْحُدُودِ.. وَمَنِ الْمُسْتَفِيدُ مِنْ تَهْدِيدِ الْأَمْنِ الْقَوْمِيِّ؟


إِنَّ مَا يَجْرِي فِي مَنَاطِقِ التَّنْقِيبِ غَيْرِ الْمَشْرُوعِ عَنِ الذَّهَبِ عَلَى الْحُدُودِ الْمِصْرِيَّةِ السُّودَانِيَّةِ لَا يُمْكِنُ إِدْرَاجُهُ قَطْعًا فِي خَانَةِ الظَّوَاهِرِ الْعَابِرَةِ، بَلْ هُوَ طَرْحٌ اسْتِرَاتِيجِيٌّ خَطِيرٌ يَمَسُّ عُمْقَ الْمَنْظُومَةِ الْأَمْنِيَّةِ لِلدَّوْلَةِ الْمِصْرِيَّةِ، بِمَا لَا يَدَعُ مَجَالًا لِلتَّغَافُلِ أَوِ التَّهَاوُنِ.
حَيْثُ تَتَصَاعَدُ الْأَسْئِلَةُ الْمَشْرُوعَةُ بِحِدَّةٍ تَعْكِسُ حَجْمَ التَّحَدِّي: مَنْ يُؤَمِّنُ التَّمْوِيلَ التَّنْفِيذِيَّ لِحَرَكَةِ «الدَّهَّابَةِ»؟ وَمَنْ يُدِيرُ شَبَكَاتِ اللُّوجِسْتِيَّاتِ الَّتِي تُنَظِّمُ تَغَلْغُلَهُمْ إِلَى مَنَاطِقِ التَّعْدِينِ التُّخُومِيَّةِ؟.
هَلْ نَحْنُ حَقًّا أَمَامَ نَشَاطٍ عَشْوَائِيٍّ فَرْدِيٍّ يَبْحَثُ عَنْ كَسْبِ الْعَيْشِ، أَمْ أَنَّنَا نُوَاجِهُ أُخْطُوبُوطَ مَصَالِحَ وَتَهْرِيبٍ مُنَظَّمٍ يَسْتَثْمِرُ فِي سَيَّالِ الْفَرَاغِ الْأَمْنِيِّ الَّذِي خَلَّفَتْهُ الْأَزْمَةُ السُّودَانِيَّةُ الرَّاهِنَةُ؟.
وَمِنْ هَامِشِ الِاقْتِصَادِ الْخَفِيِّ إِلَى عُمْقِ التَّحَدِّي الْأَمْنِيِّ، تَشْهَدُ الْمَسَاحَاتُ الصَّحْرَاوِيَّةُ الشَّاسِعَةُ الْمُمْتَدَّةُ عَلَى جَانِبَيِ الْحُدُودِ تَوَسُّعًا مَلْحُوظًا فِي نَشَاطِ التَّنْقِيبِ الْأَهْلِيِّ غَيْرِ الْمُرَخَّصِ؛ وَهُوَ الْمَشْهَدُ الَّذِي ازْدَادَ تَعْقِيدًا مَعَ اسْتِمْرَارِ الْمُوَاجَهَاتِ الْمُسَلَّحَةِ فِي السُّودَانِ، وَمَا صَاحَبَهَا مِنْ تَرَاجُعِ قُدْرَةِ الْمُؤَسَّسَاتِ الرَّسْمِيَّةِ عَلَى إِحْكَامِ السَّيْطَرَةِ فِي بَعْضِ الْمَنَاطِقِ النَّائِيَةِ.
وَفِي إِطَارِ جُهُودِ الْحِمَايَةِ الصَّارِمَةِ، أَعْلَنَتِ الْقُوَّاتُ الْمُسَلَّحَةُ الْمِصْرِيَّةُ عَنْ تَنْفِيذِ عَمَلِيَّةٍ أَمْنِيَّةٍ مِقْدَامَةٍ وَوَاسِعَةِ النِّطَاقِ، أَسْفَرَتْ عَنْ تَطْهِيرِ مَسَاحَاتٍ شَاسِعَةٍ فِي الصَّحْرَاءِ الشَّرْقِيَّةِ عِنْدَ جَبَلِ إِيقَاتَ، وَمَرْسَى عَلَمَ، وَوَادِي دَبُورَ، وَالْبَرَامِيَّةِ، وَتَدْمِيرِ آلَافِ الْخِيَمِ وَالْمُنَشَآتِ وَأَحْوَاضِ السِّيَانِيدِ السَّامَّةِ الَّتِي تُدَمِّرُ بِيئَةَ الصَّحْرَاءِ وَمِيَاهَهَا.
لَكِنَّ الْأَمْرَ تَجَاوَزَ كَوْنَهُ مُجَرَّدَ حَمْلَةٍ عَلَى مُنَقِّبِينَ؛ لَقَدْ كَشَفَتِ الْمُوَاجَهَاتُ الدَّمَوِيَّةُ عَنْ حَقِيقَةٍ صَادِمَةٍ؛ حَيْثُ رَوَّى الْوَطَنُ دِمَاءَ أَبْنَائِهِ الْأَبْرَارِ مِنْ قِيَادَاتِ حَرَسِ الْحُدُودِ الْأَبْطَالِ: الْعَقِيدِ أَحْمَدَ سَمِيرٍ، رَئِيسِ أَرْكَانِ حَرَسِ حُدُودِ الْمِنْطَقَةِ الْجَنُوبِيَّةِ، وَالْمُقَدِّمِ أَحْمَدَ جُودَةَ، رَئِيسِ عَمَلِيَّاتِ إِحْدَى الْكَتَائِبِ، وَاللَّذَيْنِ ارْتَقَيَا شُهَدَاءَ الْوَاجِبِ خِلَالَ الْمُوَاجَهَاتِ مَعَ عَنَاصِرَ إِجْرَامِيَّةٍ مُسَلَّحَةٍ. إِنَّنَا لَمْ نَعُدْ أَمَامَ «فَأْسٍ وَنَبُوتٍ»، بَلْ أَمَامَ تَرْسَانَةِ أَسْلِحَةٍ مُرْعِبَةٍ تَضَمَّنَتْ:

  • رَشَّاشَاتٌ ثَقِيلَةٌ مُضَادَّةٌ لِلطَّائِرَاتِ.
  • قَوَاذِفُ «آرْ بِي جِي» مُضَادَّةٌ لِلدُّرُوعِ.
  • بَنَادِقُ قَنَاصَةٍ دَقِيقَةٌ.
  • آلافُ طَلَقَاتِ الذَّخِيرَةِ، وَأَجْهِزَةُ تَتَبُّعٍ بِالْأَقْمَارِ الصِّنَاعِيَّةِ (GPS)، وَمَحَطَّاتُ وَقُودٍ كَامِلَةٌ تَسْتَنْزِفُ الدَّعْمَ الْمَحَلِّيَّ.
    هَذَا العَتَادُ الضَّخْمُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَتَوَفَّرَ لِأَفْرَادٍ عَادِيِّينَ، بَلْ هُوَ دَلِيلٌ قَاطِعٌ عَلَى وُجُودِ دَعْمِ جُيُوشٍ وَتَمْوِيلِ دُوَلٍ تَخْدِمُهُ مِيلِيشْيَاتٌ إِقْلِيمِيَّةٌ (كَمِيلِيشْيَاتِ حُمَيْدِتِي وَمَنْ وَرَاءَهَا مِنْ قُوَى إِقْلِيمِيَّةٍ وَدَوْلِيَّةٍ كَإِثْيُوبْيَا وَالْمِحْوَرِ الصُّهْيَوْنِيِّ)، تَبْتَغِي فَرْضَ وَاقِعٍ أَمْنِيٍّ مُسْتَنْزِفٍ لِلدَّوْلَةِ الْمِصْرِيَّةِ فِي عُمْقِ جَنُوبِهَا.
    وَفِي الْوَاقِعِ إِنَّ اسْتِمْرَارَ نَشَاطِ التَّعْدِينِ الْعَشْوَائِيِّ لَا يَقِفُ عِنْدَ نَهْبِ الثَّرَوَاتِ، بَلْ يَتَحَوَّلُ إِلَى شَرَايِينَ تَهْرِيبٍ عَابِرَةٍ لِلْحُدُودِ تُؤَمِّنُ مَمَرَّاتٍ لِلتَّسَلُّلِ، وَتَهْرِيبِ السِّلَاحِ، وَالْمُخَدِّرَاتِ، وَالْبَشَرِ، بَلْ وَتُشَكِّلُ حَضَانَةً مُحْتَمَلَةً لِبُؤَرٍ مُسَلَّحَةٍ تَتَرَبَّصُ بِأَمْنِ الْبِلَادِ.
    فِي الْمُقَابِلِ، تَخُوضُ الدَّوْلَةُ الْمِصْرِيَّةُ حَرْبًا ضَرُوسًا بِلَا هُدْنَةٍ؛ إِذْ تَنْطَلِقُ الْمَرَاحِلُ الْمُتَوَالِيَةُ لِلْقَضَاءِ عَلَى هَذِهِ الْبُؤَرِ، مُؤَكِّدَةً أَنَّ الْيَقَظَةَ الْعَسْكَرِيَّةَ لَنْ تَتْرُكَ ثَغْرَةً لِعَابِرِ خِيَانَةٍ أَوْ طَامِعٍ فِي تَقْوِيضِ سِيَادَةِ الْوَطَنِ.
    وَخِتَامًا: تَبْقَى الحَقِيقَةُ الأَسْطَعُ: إِنَّ حِمَايَةَ الحُدُودِ الجَنُوبِيَّةِ لَيْسَتْ حِسَابًا اقْتِصَادِيًّا بَحْتًا، بَلْ هِيَ الرُّكْنُ الحَصِينُ فِي بُنْيَانِ الأَمْنِ القَوْمِيِّ المِصْرِيِّ.
    وَإِنَّ دِمَاءَ الشُّهَدَاءِ الَّتِي أُرِيقَتْ عَلَى تِلْكَ التُّخُومِ هِيَ التَّمْتَمَةُ الأَقْدَسُ الَّتِي تَحْرُسُ هَذَا التُّرَابَ.
    فَلْتَحْيَ العَقِيدَةُ العَسْكَرِيَّةُ المِصْرِيَّةُ اليَقِظَةُ، وَلْيَحْمِ اللَّهُ أَبْطَالَ القُوَّاتِ المُسَلَّحَةِ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ أَرْوَاحَهُمْ عَلَى أَكُفِّهِمْ؛ لِنَنَامَ آمِنِينَ فِي وَطَنٍ يَجْعَلُ مِنْ سِيَادَتِهِ وَأَمْنِهِ خَطًّا أَحْمَرَ لَا يُؤْطَرُ بِهَوَانٍ، وَلَا يُدَانُ بِتَسَاهُلٍ.

الْكَاتِبِ الصَّحَفِيِّ الْمُتَخَصِّصِ فِي الشُّؤُونِ السِّيَاسِيَّةِ.

شاهد أيضاً

مأمون الشناوي يكتب.. طوبي لهم !!

الذين جاءوا إلي هذه الحياة ، ثم رحلوا في هدوء ، لم يشعر بهم أحد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *