السبت , 7 نوفمبر 2026

شحاته زكريا يكتب.. مصر أمام فرصة لإعادة رسم خريطة الصناعة



بصراحة ودون لغة خشبية التاريخ لا يفتح أبوابه طويلا أمام الأمم المترددة. وحين يلتفت العالم اليوم يمينا ويسارا بحثا عن ملاذات آمنة لإنتاج بضائعه بعد أن أثبتت الأزمات العالمية الأخيرة هشاشة الاعتماد على مصادر بعيدة ومكشوفة فإن مصر تقف على عتبة فرصة نادرة لا تمنحها الأقدار سوى مرة كل جيل لكن دعونا نتفق منذ البداية الكلام عن الموقع الجغرافي العبقري وتاريخ الحضارة أصبح بضاعة مستهلكة إن لم تحمله سواعد جادة وعقول إدارية تؤمن بأن الصناعة هي عمود الفقري لأي اقتصاد يريد أن يقف على قدميه حقا القصة باختصار وبدون تفلسف زائد العالم اليوم لا يبحث عن مكان يمر منه بل عن مكان يصنع فيه. سلاسل الإمداد العالمية تتخبط، وتكلفة الشحن والتأمين تقفز للقمم وصانع القرار في الغرب والشرق يسأل نفسه في غرف التخطيط: أين المحطة البديلة التي تضمن لي استمرارية الإنتاج دون مفاجآت؟ وهنا تحديدا تكمن فرصة مصر الذهبية لإعادة رسم خريطة الصناعة الوطنية من الألف إلى الياء فلدينا بالفعل ما يشتهيه غيرنا شبكة موانئ تم تطويرها بمليارات الجنيهات على البحرين الأحمر والمتوسط مناطق اقتصادية واعدة كمنطقة قناة السويس قادرة على ابتلاع أكبر المشروعات طاقة متجددة وبنية تحتية وأساسية تم ربطها بكل شبر وقبل هذا وذاك، طاقات بشرية وعمالة مصرية إن وجدت التوجيه الصحيح أذهلت العالم بمهارتها وقدرتها على التعلم لكن الموارد والمقومات وحدها لا تدير مصنعا ولا توقع عقدا تصديريا إذا أردنا لهذه اللحظة أن تتحول إلى واقع معاش لا بد أن نواجه أنفسنا ببعض الحقائق المؤلمة. المستثمر الأجنبي أو حتى المحلي لا يأتي لمجرد شعارات براقة ولا يغامر بأمواله بناء على خطب تحماسية؛ هو يبحث عن إجراءات واضحة كالشمس وقرار إداري لا يتأخر وبيروقراطية لا تعطل عجلات الإنتاج على أبواب المكاتب وتفضيل حقيقي لكل ما هو مصري خالص.
لأن العبث الحقيقي الذي عانينا منه طويلا هو أن نملك القدرة على تصنيع السلعة محلياً، ثم نترك الباب مفتوحا على مصراعيه للاستيراد العشوائي الذي يقتل الصناعة الوطنية في مهدها. إعادة رسم خريطة الصناعة تبدأ أولاً بقرار شجاع حماية المنتج المحلي وتوطين صناعات مستلزمات الإنتاج وقطع دابر الاتكال الكسول على الخارج في كل صغيرة وكبيرة خذ مثلا قطاعاتنا الواعدة كالهيدروجين الأخضر وصناعات الطاقة والخدمات الهندسية والثقيلة التي تقودها قلاع وطنية كبرى هذه ليست مجرد أرقام في التقارير الحكومية بل هي أسلحة حقيقية يمكنها أن تقتحم الأسواق الأفريقية والعربية وتفرض اسم مصر بقوة على خريطة الإنتاج الدولي. لكن شرط ذلك أن نتحرر من قيود الجمود وأن نعامل المصنع المتعثر أو المستثمر الجاد كما تعامل ساحات المعارك بحسم وسرعة وإزالة فورية للعقبات.
والمعيار الحقيقي لكل هذا التحرش بالتطوير والتحديث يجب أن يكون واضحا وبسيطا أين المواطن من كل ذلك؟
فلا معنى لمشروعات ضخمة أو أرقام نمو صماء إذا لم تترجم فورا إلى فرص عمل حقيقية للشباب وتخفيض حقيقي لفاتورة الواردات وسلع مصرية تملأ الأسواق وتخفف أعباء المعيشة عن الناس. الصناعة الحقيقية هي التي تلمس جيب المواطن وكرامته قبل أن تزين التقارير الرسمية. الفرصة أمامنا لكن الزمان لا ينتظر أحدا والكتل الاقتصادية الأخرى لا تقف مكتوفة الأيدي. وإذا لم نتزعم نحن هذه اللحظة الاستثنائية بجرأة في التخطيط وحسم في التنفيذ فسنجد أنفسنا مرة أخرى نكتفي بمشاهدة القطار وهو يغادر المحطة بينما نتغنى بما كان يمكن أن يكون مصر قادرة وتاريخها وجغرافيتها وناسها يملكون أضعاف ما يملكه غيرهم. ما نحتاجه ليس أكثر من إرادة إدارية شجاعة تؤمن أن المستقبل لا ينتظر.. بل يُصنع في قلب المصانع.
فالصناعة ليست مجرد جدران وماكينات.. بل هي كرامة أمة تقرر أن تستهلك مما تنتج لا مما يستورد الآخرون لها.

شاهد أيضاً

طلال أبوغزاله يكتب.. الفكرة التي تُبقي العالم في حالة حوار

لقد أمضيت جزءًا كبيرًا من حياتي المهنية في العمل مع هيئات الأمم المتحدة، متناولًا القضايا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *