السبت , 7 نوفمبر 2026

حنين الغمام وأثر الجذور:قراءة في سيرة «جنان الوسطي» للكاتبة بشرى مقطوف



تأتي الكتابة أحيانًا كاستجابةٍ خفية لنداء الجذور، أو كرحلة استكشافٍ متجددة في جغرافية الروح والذاكرة. وحين يحمل القلمُ وفاءً صادقاً ورؤيةً واعية، تخرج الكلمات من حدود الحبر الساكن لتلامس شغاف القلب. هذا ما عايشته بوجدانٍ يقظ وأنا أقلّب صفحات كتاب «جنان الوسطي»، ذلك السفر الأدبي الراقي الذي أهدته لي صاحبة القلم المتألق، الكاتبة والمستشارة الاقتصادية بشرى مقطوف.
ولم يكن هذا الكتاب مجرد عمل سردي عابر يُطالع في أوقات الفراغ، بل كان تجربة شعورية وفكرية عميقة؛ فقد أسرني بأسلوبه البديع، وحكايته التي تتشابك فيها عراقة الأصل بوهج الحنين، حتى إنه لامس وجداني وأعاد صياغة الكثير من هواجسي الكتابية وأنا أخط فصول سيرتي الذاتية «مذكراتي والقبيلة».
-حين تلتقي الذاكرة بالوفاء:
تحكي الكاتبة في «جنان الوسطي» سيرة جدها الذي يمتد أصله بين ربوع المغرب وتونس، ذلك الرجل الذي تشكلت في شخصيته معالم الثراء والوجاهة، وكان ركيزة أساسية وعنواناً بارزاً في مدينة الخميسات المغربية. لم يكن الجد مجرد اسم في شجرة عائلة، بل جسدته الكاتبة بحرفية عالية وقدرة تصويرية مذهلة ليكون رمزاً من رموز العظمة الإنسانية والوطنية.
لقد وقفتُ مطولاً أمام تلك اللمحات التي صاغتها الكاتبة بريشة الأديب الخبير؛ حيث لمستُ بوضوح كيف ترك هذا الجد أثراً عميقاً وبصمة لا تُمحى على أفراد عائلته وبلدته. لقد كان حامياً لأرضه، مدافعاً عنها بماله ونفسه في وجه الاستعمار، مسجلاً بسيرته ملاحم البطولات الصامتة التي تصنع الهوية وتصون الكرامة. ومن بين طيات السرد، تبرز شخصيات تترك في النفس أثراً لا ينسى، كأن تطل عليك إحداهن بملامحها المهيبة:
كانت دائمًا تعقد حاجبيها بصرامة، غاضبة وساخطة على كل الرجال. لا تُظهر ابتسامتها إلا نادرًا، رغم أن لها ابتسامة مميزة، يلمع من خلالها طقم أسنانها الذهبي كوميض خاطف. كانت مهيبة الحضور حتى صمتها كان له صوت.
-العودة الكبرى: بين الغربة وحنين المواطن:
تتقاطع في هذا العمل البديع رحلة الغربة الطويلة مع أشواق العودة الممزوجة بعبق الماضي. فقد سردت بشرى مقطوف قصة زيارتها بعد عقود من الاغتراب بين فرنسا والإمارات ودول العالم –مصحوبة بزوجها وعائلتها– لتطأ قدماها أرض الولادة ومنازل الطفولة والأجداد.
هذه العودة لم تكن مجرد انتقال جغرافي، بل كانت ارتحالاً روحياً في زمن الآباء والأجداد؛ حيث تتسع الكلمات لتشمل حنين الإنسان إلى أصلِه، وتأملاته في تقاطعات الخبرة الحياتية مع الواقع المعيش. إن القارئ ليلمس ذلك الشغف الدفين بأماكن الولادة، وكيف تتحول الذكريات البسيطة إلى منارات توجّه الإنسان في خضم زحام الحياة المعاصرة.
-قلم يعبر الحدود: رؤية الكاتبة بشرى مقطوف:
تأتي هذه التجربة الأدبية الأولى للكاتبة بشرى مقطوف لتكشف عن عقلية فذة وقلم يمتلك أدواته ببراعة نادرة. فهي لم تقتصر على كونها مستشارة اقتصادية في مجالات البترول والطاقة، قدمت الاستشارات المتميزة لشركات كبرى في أوروبا والشرق الأوسط في حقول الإعلام، التسويق، والمشتريات، بل استطاعت أن تمزج بين تلك الرؤية المهنية الواسعة والعمق الثقافي الرصين.
إنها قارئة نهمة ومهمومة بالقضايا الفكرية والاجتماعية، تؤمن قناعة راسخة بأن الكلمة الصادقة قادرة على إحداث الفارق الحقيقي، وأن الثقافة ليست ترفاً عابراً، بل هي ضرورة ملحة لفهم ذواتنا والعالم من حولنا. وهذا التلاحم بين التجربة الإدارية والعمق الأدبي هو ما منح «جنان الوسطي» فرادته وألقَه الخاص.
-أثر السيرة في وجدان الكاتب: وقفة مع الذات:
حين ينهمك الكاتب في تدوين سيرته الذاتية وبناء عوالمه السردية، فإنه يبحث دائماً عن النبرة الصادقة والأسلوب الذي ينفذ إلى عمق الروح دون تكلف. وقد كان كتاب «جنان الوسطي» بالنسبة لي نافذة إلهام واسعة؛ فقد دفعني بجمال ديباجته وحرارة صدقه إلى إعادة النظر في كثير من زوايا كتابي «مذكراتي والقبيلة».
فالأدب الحق هو الذي يوقظ فينا أسئلة الانتماء، ويجعلنا نعيد اكتشاف ملامح طفولتنا وقرانا وأجدادنا بعيون جديدة ملؤها التبجيل والامتنان. لقد أثبتت الكاتبة بشرى مقطوف أن السيرة الذاتية حين تكتب بمداد الروح وعمق الوعي، فإنها تتحول إلى إرث إنساني عابر للحدود، يخص كل إنسان بحث يوماً عن جذوره وسط صخب العالم.
-يبقى «جنان الوسطي» هدية أدبية ثمينة وأثراً رفيعاً يعتز به كل محب للأدب الأصيل والسير الذاتية الصادقة، وتحية إكبار لقلم أثبت أن الوفاء للماضي هو الضمان الأبقى لصناعة المستقبل.

بقلم الأديب والمؤرخ: سيد الرشيدي

شاهد أيضاً

نجلاء محجوب تكتب .. أحبُّ القلوبَ الرحبة

أحبُّ القلوبَ الرحبة؛ الذين يفسحون أوطان قلوبِهم إذا خانتني الكلمات وأعرض عني النطق. الذين يستوعبون …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *