بدأت تختفي شهادات الادخار التي يمتد أجلها لعام واحد مع إعادة البنوك ترتيب أوضاعها استعدادا لخفض أسعار الفائدة. فبعد اعتمادها على الشهادات قصيرة الأجل ذات العوائد الاستثنائية لجذب السيولة خلال دورة التشديد النقدي، أصبحت البنوك الآن أقل استعدادا لتحمل التكاليف المرتفعة لتلك الودائع في ظل التوقعات بتخفيض أسعار الفائدة. ومع ذلك، يؤكد مصرفيون ومحللون لنشرة “إنتربرايز” الاقتصادية أن اختفاء تلك الشهادات يمثل مرحلة انتقالية ترتبط بدورة التيسير النقدي وتوقعات أسعار الفائدة، وليس تحولا دائما في استراتيجية البنوك المحلية.
المنافسة تتمحور الآن حول الشهادات الثلاثية:
توجه البنوك المدخرين حاليا نحو الشهادات الثلاثية ذات العائد المتغير، والتي تتراجع عوائدها مع خفض الفائدة بموجب قرارات البنك المركزي. إذ طرح البنك الأهلي المصري وبنك مصر شهادة بعائد 19.25%، مرتبطة بسعر الإيداع لليلة واحدة مضافا إليه 25 نقطة أساس، وهو ما يقلص تكلفة الودائع على البنكين مع كل خفض للفائدة بدلا من الالتزام بعائد ثابت مرتفع. كما أعلن البنك التجاري الدولي، أكبر بنك خاص في مصر، رفع الفائدة على شهادته الثلاثية ذات العائد الثابت بمقدار 0.5 نقطة مئوية الأسبوع الماضي لتصل إلى 18%، وهو مستوى أقل من العوائد الاستثنائية للشهادات السنوية الملغاة، في خطوة تهدف للاحتفاظ بالمدخرين الراغبين في تأمين عائد ثابت قبل خفض الفائدة.
سد الفجوة التي خلفها اختفاء الشهادات السنوية:
اتخذ البنك التجاري الدولي مسارا مختلفا؛ إذ طرح للتو وديعة لأجل 12 شهرا بالجنيه المصري بعائد سنوي يصل إلى 17%، وبحد أدنى للرصيد يبلغ 5 آلاف جنيه، وفقا لإشعار للعملاء صدر أمس واطلعت عليه إنتربرايز. وهناك خيار آخر يتمثل في سند المواطن، والتي طرحت الحكومة منها إصدارين في فبراير الماضي، لتتيح للمدخرين من الأفراد عائدا ثابتا بنسبة 17.75% على مدار 18 شهرا. واختارت وزارة المالية هذا الأجل تحديدا لعدم وجود منتج مماثل في القطاع المصرفي، وفق ما صرح به مصدر حكومي رفيع المستوى لنشرة إنتربرايز في وقت سابق.
مرحلة انتقالية
هذا الاختفاء للشهادات السنوية “لا يعكس تغيرا هيكليا في استراتيجية البنوك، بل هو مرحلة انتقالية مرتبطة بدورة السياسة النقدية الحالية وتوقعات أسعار الفائدة”، حسبما يرى المحلل المصرفي محمد عبد المنعم. وأوضح أن البنوك تسعى إلى “خفض متوسط تكلفة الأموال لديها تماشيا مع تراجع أسعار الفائدة، ومنح نفسها مرونة أكبر لإعادة تسعير الودائع مع كل خفض جديد، بدلا من التقيد بعائد مرتفع لعام كامل”، مضيفا أن الشهادات طويلة الأجل “تتمتع بإعفاءات من نسبة الاحتياطي الإلزامي، مما يمنح البنوك حرية أكبر وقدرة أعلى على التسعير”.
أسباب تفضيل البنوك للآجال الأطول:
تقول شيماء وجيه، أستاذة الاقتصاد بالأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري، إن “الغرض الأساسي من إصدار شهادات الادخار هو توفير مصادر تمويل طويلة الأجل”، في حين تلبي الودائع قصيرة الأجل الاحتياجات فقط على المدى القصير. وأضافت أن إصدار شهادات قصيرة الأجل بعوائد مرتفعة يعد استثناء وليس قاعدة؛ لأنه “يكبد البنوك التجارية تكلفة تمويل عالية ويحد من قدرتها على تحقيق الأرباح”. كما يرى محمد عبد العال، الخبير المصرفي وعضو مجلس إدارة البنك المصري الخليجي، إن البنك المركزي استحدث الشهادات الثلاثية “لبناء قاعدة من الودائع طويلة الأجل بالبنوك وتمويل الائتمان متوسط وطويل الأجل، مع تجنب التفاوت بين آجال استحقاق الأصول والالتزامات”.
ولم تكن الشهادات السنوية ذات العائد المرتفع جزءا من الأدوات التقليدية قط بالقطاع المصرفي، بل ظهرت إبان موجة التضخم في عامي 2022 و2023، عندما وصلت الزيادات في الأسعار إلى نحو 38%، وتحولت العوائد الحقيقية إلى قيمة سالبة، بحسب عبد العال. ويصف عبد العال هذه الشهادات بأنها “فخ إيجابي”، موضحا: “من استثمر لمدة عام بعائد 30% وجد نفسه عند التجديد أمام أسعار فائدة أقل بكثير”، في حين أن من استثمر أمواله في شهادات ثلاثية بعائد 23% حقق مكاسب أكبر مع تراجع حدة التضخم.
بعيدا عن المستهدف ..هل نعاني من فجوة في المنتجات الادخارية؟
لا تتفق الخبيرة المصرفية ونائبة رئيس بنك مصر السابقة سهر الدماطي مع هذا الرأي، مشيرة إلى وجود “درجة كبيرة من التنوع تلبي الاحتياجات والتفضيلات الاستثمارية المختلفة”. وترى أن فترات الربط الأطول للودائع قد تناسب بعض المدخرين، قائلة إنه “كلما طالت مدة الاستثمار، كان ذلك أفضل للمستثمر الذي يبحث عن تأمين عائد مرتفع”. ولفتت إلى أن “البنك المركزي لا يزال بعيدا عن تحقيق مستهدفه للتضخم البالغ 7% (±2%)”، مما يعني أن دورة التيسير النقدي لا يزال أمامها شوط طويل.
أبقى البنك المركزي على أسعار الفائدة دون تغيير للاجتماع الثالث على التوالي الأسبوع الماضي، مع تراجع التضخم العام إلى 14.3% على أساس سنوي في يونيو مقارنة بنسبة 14.6% في مايو، بل وسجل معدلا سالبا على أساس شهري بواقع -0.4%، في حين ارتفع معدل التضخم الأساسي ارتفاعا طفيفا ليصل إلى 14.3% على أساس سنوي مقارنة بنسبة 13.8%، متأثرا “بانعكاس الأثر غير المواتي لفترة الأساس”، وفقا للبنك. ويتوقع البنك المركزي أن يزيد معدل التضخم العام خلال الربع الثالث من عام 2026، قبل أن يتراجع مجددا إلى خانة الآحاد ليصل إلى مستهدفه البالغ 7% (±2%) في النصف الثاني من 2027.
هل يمكن أن تعود الشهادات السنوية مجددا؟
نعم، لكن ذلك سيتطلب ظروفا استثنائية. وحدد عبد العال 3 شروط لذلك، وهي “ارتفاع التضخم لمستويات تتجاوز أسعار الفائدة على الودائع، وتحول العوائد الحقيقية إلى قيمة سالبة، وتيقن البنك المركزي من تراجع التضخم مستقبلا”. بينما يتوقع عبد المنعم عودة شهادات الإيداع السنوية “في حال شهد السوق دورة جديدة من رفع أسعار الفائدة، أو إذا احتاجت البنوك إلى جذب سيولة إضافية”.
الخطوة التالية:
يتوقع عبد العال أن “المنافسة بين البنوك لن تعتمد على العوائد على الشهادات والودائع كما كان الحال في الماضي، بل ستتجه نحو جودة الخدمات المقدمة للعملاء وتوفير خدمات رقمية أكثر تطورا وأمانا”.










