مدبولي عتمان يكتب.. غياب ثقافة التسامح

‏ روى الزعيم نيلسون مانديلا رئيس دولة جنوب إفريقيا ‏الراحل في مذكراته أنه ذات يوم كان يتناول الطعام في مطعم ‏عام. وأثناء جلوسه رأى رجلا يحاول أن يتخفى منه ، فطلب ‏مانديلا من أحد مساعديه أن يدعوه لتناول الطعام مع الرئيس . ‏ولبى الرجل الدعوة وكان الأكل يتساقط من فمه بينما ترتعش ‏يديه. وبعد الخروج من المطعم وذهاب الرجل الى حال سبيله، ‏قال أحد مساعدي الرئيس أن الرجل الذي دعوته لتناول الطعام ‏كان مريضا . فأجاب الزعيم مانديلا وهو يبتسم قائلا : “هذا ‏الرجل كان السجان الخاص بي وأنا بالسجن وكان يشرف على ‏تعذيبي ، وكان يرتعد خوفا أن أعتقله كي أنتقم منه . ولكن ‏ثقافة الانتقام تدمر المجتمعات بعكس ثقافة التسامح التي تبني ‏مجتمعات متحضرة وآمنة “. ‏

رغم أن مانديلا عاش مراحل طويلة من حياته وهو يعاني من ‏الظلم والاضطهاد في ظل نظام حكم عنصري حيث تتحكم في ‏الدولة أقلية بيضاء تحصل على كل شئ وتضطهد الأكثرية من ‏السود وتعتبرهم في مرتبة أقل .وتم فصله من كلية الحقوق ‏لمشاركته في الإحتجاجات الطلابية ضد التمييز العنصري ، ‏ولكنه لم يستسلم وأكمل دراسة القانون بالمراسلة وافتتح بعد ‏تخرجة مع زميل أسود أول مكتب محاماة للدفاع عن السود .‏

وبسبب نضاله ضد التمييز العنصري داخل وخارج جنوب ‏افريقيا تم سجنه لمدة 28 عاما من عام 1962 حتى عام ‏‏1990. ‏
وبعد خروجه من السجن قاد مفاوضات مع أركان النظام ‏العنصري أسفرت عن وضع دستور جديد ينهي عنصرية ‏البيض وفي عام 1994 تمّ انتخابه رئيساً للبلاد، ليكون أوّل ‏رئيس أسود لجنوب إفريقيا. وقاد عملية مصالحة وطنية ‏وتحولاً ديمقراطياً، رافضاً كل أشكال الانتقام وإعادة فتح ‏ملفات الماضي البغيض. وكل من يزور جنوب افريقيا يمكنه ‏ان يشاهد دولة قوية متحضرة في كل المجالات ويتمتع ‏مواطينيها بالحرية ويحكمها نظام ديمقراطي .‏

وقد أطلقوا على مانديلا مسمى “أيقونة التسامح” وقال عنه ‏أسطورة الملاكمة العالمي محمد على كلاي : ” كان رجلا لا ‏يمكن تقييد روحه بالظلم والعنصرية ، والقضبان الحديدية، أو ‏عبء الكراهية والإنتقام ، لقد علمنا المغفرة على نطاق ‏واسع”.‏
وقال عنه الأسقف توتو أسقف جنوب إفريقيا : “لقد خرج ‏مانديلا من السجن شخصا عظيما ، شخصا يتحلى بالرحمة ، ‏رحمة كبيرة حتى تجاه مضطهديه “.‏

أما عن تأثير ثقافة التسامح على نهوض المجتمعات فأكدتها ‏دراس علمية نشرتها مجلة ( دراسات في الخدمة الإجتماعية ‏والعلوم الإنسانية ) والتي أثبتت وجود علاقة ايجابية طردية ‏بين التسامح وزيادة نسبة العمال الموهوبين وتحقيق التنمية ‏الاقتصادية والقدرة التنافسية.‏

وتعددت مفاهيم التسامح ولكني أميل إلى أن التسامح فضيلة ‏دينية ، وقيمة أخلاقية، وقيمة للعدالة، ومطلب للرشد والعقل ، ‏ويقوم علي مبادئ أخلاقية معينه ؛ تعتمد هذا المبادئ علي عدم ‏انتهاك البعد الإنساني للآخرين، وأن هذا المفهوم تتم ترجمته ‏في صوره سلوكيات اجتماعية عقلانية بغض النظر عن ‏عواطف المرء ومزاجه الشخصي “.‏

وعندما نتطلع حولنا نلاحظ غياب ثقافة التسامح في مجتمعنا ، ‏غيابها داخل الأسرة الواحدة بدليل زيادة جرائم القتل الأسرية ‏،وتكرار جرائم التعذيب للابناء وزيادة جريمة عقوق الوالدين، ‏وجريمة أكل الميراث بين الأخوة وحرمان النساء من حقهن ‏فيه. ونلاحظ غيابها داخل مؤسسات العمل بانتشار الوشاية ‏والتزلف والنفاق والكذب والتفنن في ايذاء الآخرين من أجل ‏ترقية أو علاوة ، والتنكيل بالمعارضين للرؤساء في الرأي

‏وأخطر مظاهر غياب ثقافة التسامح نشهدها في الشارع حيث ‏تندلع المشاجرات لأتفه الأسباب ، وغالبا ما تتسع سريعا بسبب ‏حب الانتقام وتتحول إلى معارك تستخدم فيها أسلحة نارية ‏ويسقط قتلى مصابين . وبسبب تراشق لفظي بين طفلين يتحول ‏الجيران إلى أعداء وتنشب معركة دامية وتمتد الخصومة ‏والمشاحنات لسنوات . وهناك مظاهر كثيرة لغياب ثقافة ‏التسامح يضيق المجال عن ذكرها ويعلمها الجميع .‏

أرى أن أدنى درجات التسامح هو التسامح مع النفس بعدم ‏تحميلها مالا تطيقه ، وأوسطها التسامح مع من حولك ، ‏وأعلاها قبول الآخر والتسامح مع المختلفين معك في الرأي ‏والمعتقد .‏

ما أجوجنا جميعا لدراسة وفهم وتطبيق الآية الكريمة : (وَلَا ‏تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ، ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي ‏بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ).‏

aboalaa_n@yahoo.com

شاهد أيضاً

مجدي سبلة يكتب.. متابعة مدارس دمياط.. (بالتوكتوك لاتكفي)

في دردشة مع صديقيا القدامى حسنين عبد الظاهر وصلاح راشد خبيرا التربية والتعليم يعلقون على …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *