تلعب شبكات التواصل الاجتماعي دوراً محورياً في تشكيل السلوك الإنساني من خلال التحول من مجرد “التفاعل” الرقمي (مثل الإعجاب والمشاركة) إلى “التأثير” العميق في القرارات اليومية، أنماط الاستهلاك، والتوجهات الفكرية والاجتماعية.
يشهد عالمنا المعاصر تحولًا رقميًا متسارعًا، أصبحت فيه وسائل التواصل الاجتماعي جزءًا لا يتجزأ من نسيج الحياة اليومية، خاصة بالنسبة لفئة الشباب. إن تأثير وسائل التواصل الاجتماعي على السلوك الاجتماعي للشباب يمثل قضية سوسيولوجية معقدة ومتعددة الأوجه، تستدعي تحليلًا عميقًا يتجاوز مجرد السرد السطحي للإيجابيات والسلبيات. كباحثين في علم الاجتماع،
نرى أن هذه المنصات ليست مجرد أدوات تكنولوجية، بل هي فضاءات اجتماعية جديدة تُعيد تشكيل هويات الشباب، وأنماط تفاعلهم، وقيمهم، وحتى تصوراتهم عن الذات والعالم. تتناول هذه المقالة بالتحليل السوسيولوجي الآثار العميقة لوسائل التواصل الاجتماعي على السلوكيات الاجتماعية للشباب، مستندين إلى نظريات اجتماعية راسخة ودراسات حديثة، بهدف تقديم فهم شامل لهذه الظاهرة المتنامية.
وسائل التواصل الاجتماعي: ساحة جديدة للتنشئة الاجتماعية
تقليديًا، كانت الأسرة والمدرسة والأقران المؤسسات الرئيسية للتنشئة الاجتماعية. اليوم، انضمت وسائل التواصل الاجتماعي بقوة إلى هذه المؤسسات، بل وأصبحت لدى البعض المصدر المهيمن لتلقي المعايير والقيم. يرى عالم الاجتماع جورج هربرت ميد، في نظريته حول “التفاعلية الرمزية”، أن الذات تتشكل من خلال التفاعلات الاجتماعية وتفسير الرموز.
في هذا السياق، تقدم منصات مثل فيسبوك، إنستغرام، تيك توك، وسناب شات رموزًا ومعايير جديدة للسلوك المقبول، والمظهر المرغوب، والنجاح الاجتماعي. يتعرض الشباب باستمرار لصور نمطية وسرديات غالبًا ما تكون مصقولة وغير واقعية، مما يؤثر على تصوراتهم الذاتية وتطلعاتهم
يرى كثير من الباحثين أن بعض الوسائل الإلكترونية قد تكون في كثير من الأحيان مفيدة للتواصل والتفاعل الاجتماعي؛ حيث من شأنها أن تعمل على استمرارية العلاقات الاجتماعية خاصًّة في الفترات التي يصعب معها التواصل المباشر مثل فترة كوفيد -19، فقد يكون من الصعب التواصل المباشر مع صديق ربما لم ترَه منذ سنوات،
ولكن قد يكون من السهل أن تحافظ على علاقتك به من خلال التواصل عبر مواقع الإنترنت أو عبر الرسائل النصية. كما أنه من مزايا هذا التواصل الذي يحدث خلف زجاج افتراضي أنه يسمح للأشخاص بالتقارب الفكري على الرغم من التباعد المكاني بينهم عبر مناطق جغرافية مختلفة.
فمع تعامل جزء كبير من العالم مع وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحت هناك أدلة متزايدة على أن هذه الوسائل توفر طريقة سهلة للبقاء على التواصل مع الآخرين والحفاظ على العلاقات مع الأشخاص الذين يكونون غالبًا خارج نطاق التواصل المستمر لسبب ما مثل السفر بالخارج
ومن الناحية الصحية، يُمكن من خلال وسائل التواصل الإلكترونية مشاركة تعليمات الأطباء مع الأقارب والزملاء والأصدقاء، واستشارة الأطباء عبر الإنترنت في أي مكان وزمان، ومساعدة الخدمات الصحية في تحديد أولوية الحالات الحرجة خاصًة في فترات الأوبئة
ويُمكن القول إن المجتمعين الواقعي والافتراضي مُكملان لبعضهما البعض ويوجد تفاعل واعتماد بينهما، وذلك من خلال تكثيف عملية التعارف عن طريق الإنترنت وانتقال العلاقة إلى الواقع أو العكس؛ مما يدعم العلاقات بين الأفراد في المجتمع الواقعي. كما أنه من إيجابيات وسائل التواصل الإلكتروني أن من شأنها أن تخلق نمطًا جديدًا من العلاقات بين أفراد المجتمع، وذلك بربط الشخص بعلاقات اجتماعية افتراضية مع أفراد آخرين من مجتمعه وخارج مجتمعه دون تقيد بحدود المكان كما هو الشأن في العلاقات الاجتماعية التقليدية
ومن ثَم يُمكن تناول التأثيرات الإيجابية لوسائل التواصل الإلكترونية على التفاعل بين الأفراد في المُجتمع، وكذلك على عملية التعليم والثقافة ونقل الخبرات، والتي يُمكن توضيحها فيما يلي:
التأثير الإيجابي لوسائل التواصل الإلكترونية على التفاعل بين الأفراد:
تساعد وسائل التواصل الاجتماعي في تيسير التواصل والتفاعل بين الأفراد، سواء كان بينهم معرفة وتواصل متبادل في الواقع الحقيقي أو لا؛ حيث تتيح تلك الوسائل مقابلة أشخاص ربما لا يُمكن الالتقاء بهم خارج نطاق هذه الوسائل، وتجعلنا على اتصال دائمٍ بهم بغض النظر عن المكان. وذلك لما تتيحه وسائل التواصل الاجتماعي من طرق العثور على أشخاص جُدد لديهم نفس الاهتمامات والتفاعل معهم
كما تسمح هذه الوسائل الإلكترونية للأفراد -خاصةً المراهقين- بالحصول على الدعم والمساندة والمشورة عبر الإنترنت، والتي قد يفتقرون إليها في العلاقات الاجتماعية المباشرة
. ويرى البعض أنها تساعد أيضا في تنمية المهارات الاجتماعية لدى الأفراد الذين يفتقدون الثقة بالنفس ويعانون من الخجل الاجتماعي؛ حيث تمنحهم فرصة لتوسيع مهاراتهم الاجتماعية وتكوين صداقات جديدة، وتمكِّنهم من تحقيق الأهداف النبيلة مثل جمع التبرعات للأشخاص المحتاجين، وأنشطة الرعاية الاجتماعية، وأنه يُمكن من خلالها أيضًا تنمية مهارات التآزر البصري الحركي بواسطة ألعاب الفيديو
ومن ناحية أخرى، يُمكن من خلال مواقع التواصل الاجتماعي أن يحصل الأفراد على معلومات وإجابات متعلقة بأهداف حياتهم المهنية؛ حيث إنها تُمثل مصدرًا جيدًا للحصول على المعلومات والأخبار وتبادلها. كما أدَّت السهولة والسرعة التي تُساعد المستخدمين على تحميل الصور أو مقاطع الفيديو أو القصص عبر مواقع التواصل الاجتماعي إلى أكبر قدر من مشاركة الأعمال الإبداعية مع الآخرين، ومن شأن ذلك أن يُيسر الحصول على تعليقات فورية من الأصدقاء والمعارف بشأن أعمالهم الإبداعية؛ الأمر الذي يُحسِّن ويُطور من قدراتهم ومواهبهم الفنية، ويُنمي الثقة بالنفس لديهم، ويساعدهم في تحديد المسار الوظيفي الذي قد يرغبون فيه وفقًا لميولهم
. وفي الإطار ذاته، تُعد وسائل التواصل الاجتماعي طريقة جيدة لنشر الأخبار بسرعة هائلة في جميع أنحاء العالم من مزايا التواصل من خلال الوسائل الإلكترونية أنه يُمكن الاستفادة منها في العديد من الخدمات التعليمية والتربوية والثقافية؛ حيث أتاحت فرصة التعلم الذاتي للفرد، والتواصل مع الآخرين بهدف تبادل المعرفة وتعلم لغات جديدة، ومن ثم تُوفِّر مشاركة المعرفة والعِلم بطريقة سهلة وفعالة للطلاب، ويصبح تدفق المعرفة سلسًا
كما أن من شأن وسائل التواصل الإلكترونية أن توفر للتلاميذ أو الطُلاب وسيلة للتعاون بشكل فعال مع بعضهم البعض من أجل إنجاز المشروعات الصفية، أو المهام الجماعية، أو المساعدة في مهام الواجبات المنزلية؛ مما يساعدهم على تعلم كيفية العمل بشكل جيد في مجموعات.
كما يُمكن للمُعلمين أن ينشروا من خلال هذه الوسائل مصادر ومعلومات حول الأنشطة الصفية والمدرسية. وقد تزداد أهمية هذه الوسائل للطلاب الذين لا يستطيعون التعبير عن أفكارهم ومشاركة معلوماتهم بسهولة عند التفاعل المباشر؛ حيث تجعلهم يتغلبون على مخاوفهم وتطوير ثقتهم بالنفس أثناء التفاعل
ومن الآثار الإيجابية أيضًا لوسائل التواصل الإلكترونية على التعليم أنها تُعلم الطلاب مهارات جديدة سوف يحتاجونها عند الوصول إلى مرحلة تحديد واختيار المهنة؛ حيث تُعد القدرة على إنشاء علاقات مع العديد من الأفراد والحفاظ عليها جزءًا لا يتجزأ من بناء كيان اجتماعي. فضلا عن أن تعامل الطلاب مع التكنولوجيا الحديثة من شأنه أن يجعلهم على ألفة بها والتعرف على مزيد من التقنيات الإلكترونية؛ مما يطور قدرتهم على تعلم المهارات المختلفة
ولكن على الرغم من وجود عدد من الجوانب الإيجابية المحدودة لوسائل التواصل الإلكترونية، فقد تجلب هذه الوسائل في أوقات وسياقات أخرى تأثيرات غير مرغوب فيها على الأشخاص بمراحلهم العمرية المختلفة، والمجتمع، يُمكن توضيحها فيما يلي:
ثانيًا- الجوانب السلبية لوسائل التواصل الإلكترونية
أصبح العالم بأكمله في الوقت الحاضر تحت تأثير شبكات التواصل الإلكترونية، حيث أمكن التواصل بين الأشخاص بسهولة ومعرفة الحياة اليومية للمجتمع من خلال هذه الوسائل. فلا يُبعِد الأشخاص عن أخبار العالم والأفكار والصور سوى نقرة واحدة على زرٍّ من خلال الأجهزة الإلكترونية. بناءً على ذلك، يقضي الأشخاص كثيرًا من الوقت على وسائل التواصل الاجتماعي؛ مما ينتج معه كثير من التأثيرات السلبية غير المرغوبة
كما أن تكوين العلاقات الاجتماعية عن طريق وسائل التواصل الإلكترونية قد تختلف عن تلك التي يتم تكوينها وجهًا لوجه؛ حيث لاحظ البعض أن التواصل الذي لا يتضمن التفاعل المباشر بين الأفراد يُمثل تواصلًا فقيرًا من الناحية العاطفية؛ لأنه يفتقد إلى الإشارات غير اللفظية والبيئية الثرية الموجودة في التفاعل وجهًا لوجه، فمزيد من المثيرات التعبيرية والشخصية المباشرة من شأنه أن يؤدي إلى الانطباعات الإيجابية.
كما أنه قد يتم نقل المعلومات بين الأشخاص عبر وسائل التواصل الإلكترونية بشكل سيء غير صحيح قد يَعكس سوء الفَهم، مع تقديم اهتمام أقل بالآخرين
دكتور القانون العام والاقتصاد الدولي
ومدير مركز المصريين للدراسات بمصر ومحكم دولي معتمد بمركز جنيف للتحكيم الدولي التجاري
وعضو ومحاضر بالمعهد العربي الأوربي للدراسات السياسية والاستراتيجية بفرنسا









