مدبولي عتمان يكتب.. الواقع والتاريخ ‏

‏‏

تزايد في وقتنا المعاصر تعلق الأشخاص بغيرهم من الأشخاص في ‏تحقيق مطالبهم وأمنياتهم . وأصبح الأغلبية للأسف يعتقدون أن ‏رؤسائهم في العمل يملكون المنح والمنع ، وبالتالي يسعون للتقرب ‏إليهم بشتى الطرق المشروعة وغير المشروعة .

 والبعض يتزلف ‏لكبار المسئولين حتى ولو على حساب كرامته . وشاهدنا نماذج كثيرة ‏تجسد هذا الواقع المرير ، فسمعنا أن أحدهم قال عن رئيسه في العمل ‏أنه لا يخطئ أبدا ، وأنه بلا ذنوب . ناسين أو متناسين أن من طبيعة ‏الإنسان الوقوع في الخطأ والذنب، كما جاء في الحديث الشريف (كل ‏بني آدم خطاء، وخير الخطّائين التوابون) رواه الترمذي وابن ماجه ‏وصححه الحاكم. ‏

وللأسف فان حصول المنافقين على كثير من المزايا التي لا ‏يستحقونها تدفعهم لتقديم المزيد من جرعات النفاق . وكثيرا ما يفتن ‏الآخرين بالمزايا التي يحصل عليها المنافقين فيسعون للانضمام إلى ‏شلة النفاق . وهكذا نجد أن غالبية المسئولين في معظم ‏الدوائرالحكومية والمؤسسات والهيئات محاطين بشلة المنافقين الذين ‏يزيَنون لهم سوء أعمالهم .

 والمصيبة الأكبر أن غالبية المسئولين ‏يفتنون بإشادات المنافقين الكاذبة والتي تصور لهم أن كل قراراتهم ‏صائبة ، وبالتالي يرفضون الأخذ بأي رأي معارض حتى ولو كان ‏صائبا . بل انهم يناصبون كل صاحب رأي معارض العداء .‏

وقد كتب منذ اكثر من 10 أعوام  مقال بعنوان ( أهل الكهف ) ، وهو ‏مكان في غالبية الدوائر والهيئات والمؤسسات يحشر فيه أصحاب ‏الرأي المعارض ، دون تكليفهم بأي عمل رغم أنه في العادة يكونون ‏من أصحاب الكفاءة والإخلاص ، مما يحرم بلدنا من مجهودهم .‏

وبمناسبة شهر رمضان المبارك ، أدعو شلة المنافقين لمراجعة أنفسهم ‏‏. والوقوف وقفة صادقة مع النفس ويحسبون بكل دقة المكاسب ‏والخسائر في الصحة والمال والولد وفي السمعة من جراء هذا ‏السلوك المشين. ومن خلال التجارب العملية التي يمكننا جميعا أن ‏نراها رأي العين نجد أن الخسائر ستكون أكبر . ومن العقل أن ‏يتراجع المنافقين ويعودون إلى رشدهم ، وتصحيح عقيدتهم بالتأكد أن ‏المنح والمنع من الله وحده ، وأن التعلق بالله وحده دون سواه عبادة .‏‎ ‎

‏ ومن المفيد أن نذكر أنفسنا وكل القراء بواقعة تاريخية موثقة  والتي ‏سجلها الإمام السيوطي في كتابه ( تاريخ الخلفاء ) . فقد جاء في ‏الكتاب: ” أخرج البيهقي وأبي عساكر عن أبي المنذر بن هشام عن ‏أبيه قال: أضاق الحسن بن علي (ضائقة مالية ) ،وكان عطائه في كل ‏سنة مائة الف ( راتبه السنوي) ،فحبسها عنه معاويه بن أبي سفيان ‏في احدى السنين، فأضاق ضائقة شديدة . فقال الحسن : فدعوت بدواة ‏لأكتب إلى معاوية لأذكره بنفسي ثم امسكت ( تراجعت) ، فرأيت ‏رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام .فقال: كيف أنت يا حسن ‏فقلت: بخير يا أبت وشكوت إليه تأخر المال عني. فقال :أدعوت بدواة ‏لتكتب إلى مخلوق مثلك تذكره ذلك . فقلت نعم يا رسول الله فكيف ‏أصنع. فقال قل: اللهم اقذف في قلبي رجاءك واقطع رجائي عمن ‏سواك ،حتى لا أرجو أحد غيرك . اللهم وما ضعفت عنه قوتي وقصر ‏عنه عملي ،ولم تنته إليه رغبتي ولم تبلغه مسألتي ولم يجر على ‏لساني مما أعطيت أحد من الأولين والاخرين من اليقين فخصني به يا ‏رب العالمين. قال الحسن فوالله ما الححت به أسبوعاً حتى بعث إلي ‏معاويه بالف الف وخمسمائة الف ( مليون و نصف) فقلت الحمد لله ‏الذي لا ينسى من ذكره ولا يخيب من دعاه . فرأيت النبي صلى الله ‏عليه وسلم في المنام فقال: يا حسن كيف أنت .فقلت بخير يا رسول ‏الله فحدثته بحديثي فقال : يا بني هكذا من رجا الخالق و لم يرج ‏مخلوق “. ‏

أما المسئولين المفتونين بشلة النفاق المحيطة به ، فنذكرهم يخطورة ‏المسئولية التي يتحملونها ، وأن الله مطلع على أعمالهم الظاهرة ‏والباطنة وسيحاسبهم عليها. ونذكرهم بالحديث النبوي الصحيح عن ‏عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي ﷺ قال: (أَلَا كُلُّكُمْ رَاعٍ، ‏وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ …… ). ونذكرهم أيضا بالحديث الشريف ‏وعن عائشة رضي الله عنها قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يقُولُ في ‏بيتي هَذَا: “اللَّهُمَّ مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتي شَيْئًا فَشَقَّ عَلَيْهِمْ فاشْقُقْ عَلَيْهِ، ‏وَمَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَرَفَقَ بِهِمْ فَارْفُقْ بِهِ” رواه مسلم.‏

Aboalaa_n@yahoo.com

شاهد أيضاً

سمير رجب يكتب.. شروط ايران

الشروط التي وضعتها إيران لوقف القتال ضد أمريكا هي بكل المقاييس شروط تعجيزية الأمر الذي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *